السبت، 2 مارس 2019

الجزء الرابع عشر - الربع الثامن - الأحكام الفقهية



الآية الأولى:
{إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ۖ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النحل: 117]

سبق بيان الأطعمة المحرمة في الإسلام في سورة المائدة، وقد تكرر بعضها في هذه الآية والتكرار للتأكيد على التحريم.
ومنها الميتة: وهي كل ما مات حتفَ أنفِه من غير تذكية؛ أي: قبل أن يُذبح، ويدخل في ذلك ما قُطِع من الحيوان وهو حي؛ روى أبو داودَ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَا قُطِعَ مِنْ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهِيَ مَيْتَةٌ)؛ (حديث صحيح)، (صحيح سنن أبي داود للألباني حديث 2485).

ويستثنى من الميتة السمك والجراد:
روى ابنُ ماجه عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((أُحِلَّتْ لَكُمْ مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ، فَالْحُوتُ وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ، فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ)؛ (حديث صحيح)، (صحيح سنن ابن ماجه للألباني حديث 3679)

ومنها الدم المسفوح: والدم المسفوح الذي نهينا عن أكله هو الذي يخرج من الحيوان في حال حياته مثل ما كانوا يفعلونه في الجاهلية كان الرجل إذا جاع فصد عرقاً من بعيره وشرب دمه فهذا هو المحرم وكذلك الدم الذي يكون عند الذبح قبل أن تخرج الروح هذا هو الدم المحرم النجس ودلالة القرآن عليه ظاهرة في عدة آياتٍ من القرآن بأنه حرام وفي سورة الأنعام صرح الله تبارك وتعالى بأنه نجس فإنه رجس فإن قوله تعالى (فإنه رجسٌ) يعود على الضمير المستتر في قوله (إلا أن يكون) وليس كما قيل يعود على الخنزير فقط لو تأملت الآية وجدت أن هذا هو المتعين (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعمٍ يطعمه إلا أن يكون) ذلك الشيء (إلا أن يكون ميتةً أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس) أي إن ذلك الشيء الذي استثني من الحل هو الذي يكون نجساً فالتعليل تعليل للحكم الذي يتضمن هذه الأمور الثلاثة ...
بخلاف .... يبقى في العروق، أو في اللحوم هذا يعفى عنه.

ومنها لحم الخنزير: وقد أجمع العلماء رحمهم الله على تحريم الخنزير كله: لحمه وشحمه، واحتجوا بهذه الآية الكريمة وما جاء في معناها، وقالوا: إنما حرم لخبثه، والخبث يعم اللحم والشحم.

لكن الله سبحانه ذكر اللحم؛ لأنه المقصود، والباقي تبع، واحتجوا على ذلك -أيضًا- بما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال يوم الفتح: إن الله ورسوله حرم عليكم بيع الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام، فنص على الخنزير ولم يذكر اللحم؛ فدل ذلك على تعميم التحريم.

وما أهل لغير الله به، وهي الأطعمة التي ذكر عليها غير اسم الله تعالى:
قال الله تعالى:﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ﴾ [الأنعام: 121].
ولذا يحرُم الأكل من ذبيحة المشركين أو المجوس أو المرتدين عن الإسلام، وأما ذبيحة أهل الكتاب (اليهود والنصارى)، فيجوز الأكل منها؛ قال الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: 5].
قال عبد الله بن عباس: طعامهم: ذبائحهم؛ (تفسير ابن كثير جـ 5، صـ 77).



حكْم اللحوم المستوردة:
إذا كانت اللحوم المستوردة من البلاد غير الإسلامية، مستخرجة من البحر، كالأسماك وغيرها - فإنه يجوز أكلها؛ لأنها لا تحتاج إلى تذكية، وأما إن كانت هذه اللحوم من الحيوانات المباح أكلها، كالإبل والبقر والغنم والطيور، فإذا كانت من بلاد شيوعية أو مجوسية، حَرُمَ أكلها، وأما إذا كانت من بلاد يَدينُ أهلها باليهودية أو النصرانية، جاز أكلها بشرط أن يتم الذبح على الطريقة الإسلامية، وذلك باستخدام آلة ذبح شرعية (سكين، وأن يكون الذبح قد تمَّ بواسطة أهل الكتاب (اليهود أو النصارى)، مع وجوب التأكد من ذلك بواسطة بعض المسلمين؛
 قال تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ ﴾ [المائدة: 5].

وأما إذا ثبت عدمُ ذبح الحيوانات على الطريقة الإسلامية، وأن وفاة هذه الحيوانات قد تمَّ عن طريق الصعق بآلة كهربائية أو بالخنق، أو بضرب الرأس، أو بإلقائها في ماء مغلي، أو ما أشبه ذلك، حرُم بيعها وأكلُها؛ قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة: 3].

وإذا لم نعلم حال الذابح من أهل الكتاب، هل ذُكِرُ اسمُ الله على الذبيحة أم لا؟ فذبيحته حلال؛ لأن الله تعالى قد أباح لنا أكل الذبيحة التي يذبحها المسلم واليهودي والنصراني، وقد علم الله أننا لا نقف مع كل ذابح؛ روى البخاريُّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ قَوْمًا قَالُوا لِلنَّبِيِّ  صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ قَوْمًا يَأْتُونَا بِاللَّحْمِ لَا نَدْرِي أَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَمْ لَا فَقَالَ: (سَمُّوا عَلَيْهِ أَنْتُمْ وَكُلُوهُ)، قَالَتْ: وَكَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِالْكُفْرِ؛ (البخاري حديث 5507).


الذبائح التي تذبح لغير الله تعالى:
يحرُم على المسلم الأكل من الذبائح التي يذبحها الناس للصالحين والأولياء الأموات؛ قال الله تعالى وهو يتحدث عن الأطعمة المحرمة: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: 3]؛ (المحلى لابن حزم جـ7، صـ406)، (المغني لابن قدامة جـ11، صـ65)، (المجموع للنووي جـ9، صـ11).
*******************************************************************
الآية الثانية:
{وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النحل/116-117]
القَوْلُ عَلى اللهِ تَعالى بِغَيرِ عِلمٍ أعظم المحرمات على الإطلاق، حيث قدم إليهم سبحانه بالوعيد على الكذب عليه في أحكامه، وقولهم لما لم يحرمه: هذا حرام، ولما لم يحله: هذا حلال، وهذا بيان منه سبحانه أنه لا يجوز للعبد أن يقول هذا حلال وهذا حرام إلا بما علم أن الله سبحانه وتعالى أحله وحرمه " انتهى. إعلام الموقعين " (1/3  ).

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا، يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالاً فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا) رواه البخاري (100) ومسلم 2673.

فالمفتي بغير علم ضلَّ عن الحق ، وأضل غيره ممن اتبعه في فتواه. 
جاء في " الموسوعة الفقهية 24/32
"الإفتاء بغير علم حرام ، لأنه يتضمن الكذب على الله تعالى ورسوله ، ويتضمن إضلال الناس ، وهو من الكبائر ، لقوله تعالى : (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) ، فقرنه بالفواحش والبغي والشرك ، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم : (إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور العلماء ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا ، فسئلوا ، فأفتوا بغير علم ، فضلوا وأضلوا) . من أجل ذلك كثر النقل عن السلف إذا سئل أحدهم عما لا يعلم أن يقول للسائل: لا أدري. نقل ذلك عن ابن عمر رضي الله عنهما والقاسم بن محمد والشعبي ومالك وغيرهم، وينبغي للمفتي أن يستعمل ذلك في موضعه ويعود نفسه عليه، ثم إن فَعَل المستفتي بناءً على الفتوى أمراً محرماً أو أَدَّى العبادة المفروضة على وجه فاسد، حمل المفتي بغير علم إثمَه، إن لم يكن المستفتي قَصَّر في البحث عمن هو أهل للفتيا، وإلا فالإثم عليهما" انتهى.

وقال ابن مسعود: (من كان عنده علم فليقل به، ومن لم يكن عنده علم فليقل: الله أعلم، فإن الله قال لنبيه: (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ)
إعلام الموقعين 2/185.


وقد بين الله عز وجل في كتابه الكريم وعلى لسان نبيه الأمين محمد صلى الله عليه وسلم الأمور المفسدة للاعتقاد الصحيح، والتي يحدث بوجودها الانحراف الفكري في كل مجتمع، وحذر عباده منها لما لها من آثار سيئة عليهم، ولا ريب أن التعرف على هذه الأسباب من الكتاب والسنة والتحذير منها واجتنابها من أنفع السبل لوقاية المجـتمع من الانحراف الفكـري بإذن الله تعالى، ومن أهم هذه الأسباب القول على الله بغير علم.

ولذلك يقول الصحابي الجليل أبو بكر رضي الله عنه -الصديّق-: (أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إن قلت في كتاب الله ما لا أعلم)، كم من الناس الآن يفتون في قنوات فضائية وغيرها أو في وسائل الإعلام أو فردياً وهم يقولون على الله بغير علم بين متشدد ومشدد على عباد الله، وبين متساهل ومترخص ويتصور أنه ينفع عباد الله –جل وعلا- ويفتي بما أراد الله وهو أبعد ما يكون من ذلك، بل يقول على الله بغير علم.

ولهذا جاء الإمام ابن القيم –رحمه الله- وألّف كتاب كتابه العظيم (إعلام الموقعين عن رب العالمين)، المفتي موقع عن رب العالمين، الناس عندما جاؤوك أيها المفتي –أقصد أي مفتي يفتي بشرع الله- في قناة في إعلام الناس جاؤوك لا، لأنك فلان ابن فلان، لكن يريدون الحق بحثون عن مراد الله، عن الحكم الشرعي، فكيف إذا أجبتهم بغير علم، {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون}، ولهذا فإنني أوجه حديثي أولاً لهؤلاء المفتين أن يتقوا الله –جل وعلا- سواء منهم من شدد على الناس، كما قال الإمام سفيان (أما التشديد فكل أحد يحسنه)، حرام .. حرام .. حرام بدون علم (ولكن الفقه كل الفقه، الرخصة بدليل) أيضاً الذين يترخصون ويفتون ترخصاً وتساهلاً بدون علم هؤلاء ظلوا أيضاً {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام} كلاهما سواء باطل، فأقول اتقوا الله في عباد الله وقد كثر المتساهلون والمترخصون والمتنازلون في دين الله، أصول ومبادئ نشأنا عليها من الصغر، نعرف حكمها فوجئنا بأنها اليوم تغيرت في قضايا الولاء والبراء، التعامل مع الكفار في أمور عامة وخاصة من أصول الدين وأصول العقيدة في الربا، في غيرها، وجدنا من يرخص للناس، في الرشوة، في التأمين المحرم، وهكذا"..
*******************************************************************

الآية الثالثة:
{وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ} [النحل: 126].
أساس العقوبات الإسلامية القصاص، قال الله تعالي في سورة البقرة [الآية: 179] {ولكم في القصاص حياة} أي التساوي بين الإثم المرتكب والعقوبة الرادعة فقد عبر القرآن عن العقوبة بالمثلات فقال تعالي في عقابه الأمم السابقة {ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات} أي إن العقوبات مماثلة للذنوب والآثام، فالعقوبات الإسلامية عامة تقوم على المساواة بين الجرم والعقوبة ولذلك تسمي(قصاصا) وتلك غاية وهدف تسعي إليه كافة النظم القانونية الموجودة في العالم، ولم يصل إليها إلا النظام الإسلامي.

وقال أهل العلم في تسمية الحدود حدوداً لأنها تفصل وتمنع وتحجز من الوقوع في الجريمة والإثم الذي يضر صاحبه ولا يقتصر ضرره عليه بل يتعداه إلى غيره، ومن هنا قالوا سميت الحدود حدوداً لأنها تمنع من الإقدام على ارتكاب المعاصي ولأنها من جهة أخرى تمنع من ارتكب المعصية من العود إليها إذا أخذ عقوبته المكافأة الزاجرة وهذا من رحمة الله سبحانه وتعالى بالعباد وبأمة الإسلام أنه لم يجعل أمر العدوان على ثوابت استقرار المجتمعات أمراً يرجع إلى تقدير الخلق ومن ترك شرع الله سبحانه وتعالى تخبط.

لذلك انتشرت الجرائم في تلك المجتمعات ووصلت معدلات الجريمة فيه أرقاما قياسية مخيفة تهدد بأفول نجم الحضارة الغربية، وقد بدأت صيحات التحذير من أفول هذه الحضارة في كل الدول الغربية ومن مضي على نهجها.

والمتتبع لنصوص الوحيين يجد بما يبلغ درجة اليقين؛ أن الشريعة الإسلامية قررت مبدأ المساواة في عموم تفاصيلها وخصوصها، وطبقته تطبيقا كاملا في عظيم شؤون الناس وحقيرها. ومن هنا يرتكز التشريع الإسلامي على مبدأ المساواة ليتحقق بذلك العدل بين أفراد المجتمع، إذ تطبيق العقوبة على الجميع يحقق العدالة، بحيث يعتبـر كـل أفـراده سواسية أمام التشريع الإسلامي، فليس لإنسان على آخر فضل إلا بـالتقوى.

ولابد لأي تشريع جنائي -كي ينجح في أداء رسالته - من أن يطبق القانون على كافة من يخالفونه دون حَيف، بحيث لا يتم التمييز بين الناس على أساس اللون أو الجنس أو النسب...، وبذلك تسري فيه روح المساواة.

إن نظرة عجلى على تاريخ العرب في جاهليتها تؤكد أن الإسلام جاء والحياة العربية قائمة على التفاضل بينهم بالنسب والجاه والمال، وصور هذا التفاضل تطغى على جميع مظاهر الحياة الدينية والدنيوية، فكانت دية القتيل من الأشراف –مثلا – أضعاف دية الشخص العادي، وكان هؤلاء لا يرضون أحيانا بقصاص من القاتل إلا أن يشمل كل قبيلته.

وقد واجه الإسلام هذه العادات القبلية الجائرة بالإنكار الصريح، مقررا مبدأ المساواة بين الخلق أجمعين، وأنهم جميعا متساوون أمام أحكام الله تعالى. فقرر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المسلمين تتكافأ دماؤُهم، فمن قتل فإنه يقتص منه القصاصَ العادل؛ إلا أن يعفو أولياء المقتول، فتجب لهم الدية، وجعل دية القتيل مئة إبلٍ دون تفرقة بين شخص وآخر.

فنظرية المساواة نزلت على الرسول صلى الله عليه وسلم وهو "يعيش في قوم أساس حياتهم وقوامها التفاضل، فهم يتفاضلون بالمال والجاه، والشرف واللون، ويتفاخرون بالآباء والأمهات، والقبائل والأجناس، فلم تكن الحياة الاجتماعية وحاجة الجماعة هي الدافعة لتقرير نظرية المساواة، وإنما كان الدافع لتقريرها من وجه هو رفع مستوى الجماعة ودفعهم نحو الرقي والتقدم، كما كان الدافع لتقريرها من وجه آخر ضرورة تكميل الشريعة بما تقتضيه الشريعة الكاملة الدائمة من مبادئ ونظريات.

هذا و بالله التوفيق ما تيسر من أحكام فقهية في هذا الورد 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق