يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ ۚ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ ۖ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا * وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا
واختلف العلماء في حكم صوت المرأة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن صوتها عورة.
وهو قول في مذهب الحنفية ، وجزم به من الحنفية أبو البركات النسفي،
وفخر الدين الزيلعي ، وابن نجيم . وهو قول عند المالكية وقد جزم به من المالكية سليمان الباجي وابن العربي ، والحطاب والخرشي والدسوقي والصاوي ، وهو وجه عند الشافعية ، ورواية عن الإمام أحمد واختاره ابن عقيل ، وابن القيم .
القول الثاني: أن رفع صوتها عورة.
وهو قول في مذهب المالكية، وقول ابن تيمية ، ومقتضى قول البيهقي وابن قدامة.
القول الثالث: أن صوتها ليس بعورة.
وهو الراجح في مذهب الحنفية والمعتمد في مذهب المالكية والأصح عند الشافعية والحنابلة ووجه عند الحنفية، وهو قول العراقي، وابن حجر.
أدلة القول الأول: (أن صوت المرأة عورة) .
الدليل الأول: حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان". فقوله: المرأة؛ يَعُم بدنها وصوتها.
الدليل الثاني: قول الله تعالى: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ).
ووجه الاستشهاد: أن الله تعالى أباح سؤال المرأة عند سؤال المتاع وهو الحاجة وهذا يعني أن حديث الرجل إلى المرأة ليس كحديث الرجل إلى الرجل أو المرأة إلى المرأة، فإن ذلك جائز دولة قيد الحاجة وهذا يدل على أن صوت المرأة عورة من الرجل.
قال ابن العربي المالكي رحمه الله " المسألة الثالثة عشرة: قوله تعالى (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ)
وفي المتاع أربعة أقوال: الأول: عارية. الثاني: حاجة. الثالث: فتوى. الرابع: صحف القرآن.
وهذا يدل على أن الله أذن في مساءلتهن من وراء حجاب في حاجة تعرض أو مسألة يٌستفتى فيها؛ والمرأة كلها عورة بدنٌها وصوتٌها، فلا يجوز كشف ذلك إلا لضرورة أو لحاجة، كالشهادة عليها، أو داء يكون ببدنها، أو سؤالها عما يعن ويعرض عندها.
الدليل الثالث: قول الله تعالى: (لَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
قال فخر الدين الرازي الشافعي : " المرأة منهية عن رفع صوتها بالكلام بحيث يسمع ذلك الأجانب إذ كان صوتها أقرب إلى الفتنة من صوت خلخالها ولذلك كرهوا أذان النساء لأنه يحتاج فيه إلى رفع الصوت والمرأة منهية عن ذلك ".
قال القاسمي : "قيل: وإذا نهي عن استماع صوت حليهن فعن استماع صوتهن بالطريق الأولى، وهذا سدٌّ لباب المحرمات، وتعليم للأحوط الأحسن، لاسيما في مظان الريب، وما يكون ذريعةً إليها".
الدليل الرابع: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله كتب على ابن آدم حظَّه من الزنا أدرك ذلك لا محالة؛ فزنا العين النظر، وزنا اللسان المنطق، والنفس تَمَنى وتشتهي، والفرج يصدقُ ذلك كله ويكذبُه" وفي رواية لمسلم : "كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة، فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطا، والقلب يهوى ويتمنى ويصدق ذلك الفرج ويكذبه" .
والشاهد في قوله: "والأذنان زناهما الاستماع" فيشمل صوت المرأة، وكما أن زنا النظر يكون بالنظر إلى المرأة فكذلك السماع يكون إلى صوتها. قال العراقي : "قد يستدل بقوله: (والأذنان زناهما الاستماع) على أن صوت المرأة عورة، وقد يقال: إنما المراد إذا فعل ذلك بشهوة، ولا شك أن الاستماع إلى حديث الأجنبية بشهوة حرام، والأصح عند أصحابنا أن صوتها ليس بعورة".
الدليل الخامس: حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "التسبيح للرجال والتصفيق للنساء" ، وفي حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " .. من رابه (وفي رواية: من نابه) شيء في صلاته فليسبح فإنه إذا سبح التُفِت إليه وإنما التصفيق (وفي رواية: التصفيح) للنساء".
قال ابن العربي المالكي في شرح هذا الحديث (التسبيح للرجال والتصفيق للنساء) : "يعني أن كلامهن عورة فلا يظهرنه" .
قال ابن القيم : "فالمرأة لما كان صوتها عورة منعت من التسبيح وجعل لها التصفيق، والرجل لما خالفها في ذلك شرع له التسبيح".
قال ابن نجيم الحنفي : "ولهذا قال التسبيح للرجال والتصفيق للنساء فلا يجوز أن يسمعها الرجل".
أدلة القول الثاني: (أن رفع صوتها عورة) .
الدليل الأول: حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " .. من رابه (وفي رواية: من نابه) شيء في صلاته فليسبح فإنه إذا سبح التُفِت إليه وإنما التصفيق للنساء ". وفي معناه حديث أبي هريرة رضي الله عنه وكلاهما في الصحيحين وقد سبق ذكرهما وذكر كلام العلماء في الاستدلال بهما، ودلالته على القول الثاني أقوى؛ لأن تسبيح المرأة يلزم منه رفع صوتها وسماع الرجال لها ولذلك لم يشرع لها التسبيح وشرع لها التصفيق.
الدليل الثاني: أن المرأة لم يشرع لها أن تخطب في الجمع والأعياد والاستسقاء وغيرها من الخطب المشروعة، ولم يشرع لها أن تؤذن لعموم الناس، ولا تقيم لجماعة الرجال مع النساء في المساجد، ولا تؤم الرجال في المساجد، ولا ترفع صوتها بالتلبية كما قال ابن عمر رضي الله عنهما " لا تصعد المرأة فوق الصفا والمروة، ولا ترفع صوتها بالتلبية " .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: " لا ترفع المرأة صوتها بالتلبية ".
فدل ذلك كله على أن رفع المرأة لصوتها أمام الرجال الأجانب عورة منها.
قال الإمام الشافعي: " وبما أمر به جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم نأمر الرجال المحرمين، وفيه دلالة على أن أصحابه هم الرجال دون النساء، فأمرهم أن يرفعوا جهدهم ما لم يبلغ ذلك أن يقطع أصواتهم، فكأنا نكره قطع أصواتهم. وإذا كان الحديث يدل على أن المأمورين رفع الأصوات بالتلبية الرجال فكان النساء مأمورات بالستر، فأن لا يسمع صوت المرأة أحد أولى بها وأستر لها، فلا ترفع المرأة صوتها بالتلبية وتسمع نفسها ".
قال شيخ الإسلام ابن تيميه : " ولأن التأذين إنما شرع في الأصل بصوت رفيع و المرأة ليست أهلا لرفع الصوت فإن ذلك عورة منها ولذلك لا ترفع صوتها بالتلبية ولأنه مشروع في الأصل لصلاة الجماعة و ليس على النساء جماعة ولما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أم ورقة أن تؤم أهل دارها جعل مؤذنا من الرجال ولا بأس أن تؤذن نص عليه لما روى النجاد عن ابن عمر قال لا أنهى عن ذكر الله ، قال أصحابنا: هذا إذا لم ترفع صوتها فإن رفعته كره و ينبغي أنه إن كان هناك من يسمع صوتها من الرجال و الأجانب أن يحرم.
قال العيني : " وأجمعوا أن المرأة لا ترفع صوتها بالتلبية وإنما عليها أن تسمع نفسها".
قال الحطاب المالكي : "وقال ابن فرحون وأما الأذان فممنوع في حقهن قاله اللخمي لأن صوتها عورة .. قال ابن ناجي في شرح المدونة واعترضه شيخنا أبو مهدي بأن الصواب أن يقول: لأن رفع صوتها عورة لرواية الصحابة عن غير أمهات المؤمنين.
قال الشربيني الشافعي : " .. إن رفعت صوتها (يعني بالأذان) فوق ما تسمع صواحبها قال شيخنا في شرح الروض وثم أجنبي حرم كما يحرم تكشفها بحضرة الرجال؛ لأنه يفتتن بصوتها كما يفتتن بوجهها".
أدلة القول الثالث: أن صوت المرأة ليس بعورة.
الدليل الأول: قول الله تعالى: (يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ).
والشاهد في قوله تعالى: "وقلن قولا معروفا" فهو دليل على جواز حديث المرأة إلى الرجل بشرط القول المعروف والبعد عن الخضوع به.
قال القرطبي : أمرهن الله أن يكون قولهن جزلاً وكلامهن فصلاً ولا يكون على وجه يظهر في القلب علاقة بما يظهر من اللين؛ كما كانت الحال عليه في نساء العرب؛ من مكالمة الرجال بترخيم الصوت ولينه، مثل كلام المريبات والمومسات فنهاهن عن مثل هذا .. والمرأة تندب إذا خاطبت الأجانب، وهذا المحرمات عليها بالمصاهرة إلى الغلظة في القول من غير رفع صوت، فإن المرأة مأمورة بخفض الكلام. وعلى الجملة فالقول المعروف هو الصواب الذي لا تنكره الشريعة ولا النفوس.
وقال أبو السعود : "وقلن قولاً معروفاً بعيداً عن الريبة والأطماع بحد وخشونة من غير تخنيث، أو قولاً حسناً مع كونه خشناً" .
وقال الألوسي : " وقلن قولا معروفاً حسناً بعيداً عن الريبة غير مطمع لأحد. وقال الكلبي: أي صحيحاً بلا هجر ولا تمريض. وقال الضحاك: عنيفا. وقيل: أي قولاً أذن لكم فيه. وقيل: ذكر الله تعالى وما يحتاج إليه من الكلام".
الدليل الثاني: كل ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من سماعه لكلام نساء الصحابة من أسئلة أو مبايعة أو غير ذلك، فقد كانت المرأة تسأل النبي صلى الله عليه وسلم ويجيبها، وربما سألته بحضرة رجال. وثبت أيضاً سؤال الصحابة والتابعين لنساء النبي صلى الله عليه وسلم وجوابهن عليهم، وهذا كثير في السنة ولو كان صوت الرأي عورة لما جاز ذلك، ومن النصوص في هذا الباب:
1 - قول الله تعالى: (اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى) .
2 - وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) قالت عائشة رضي الله عنها " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمتحن من هاجر إليه من المؤمنات بهذه الآية بقول الله (يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك) إلى قوله: (غفور رحيم) قالت عائشة رضي الله عنها فمن أقر بهذا الشرط من المؤمنات قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بايعتك كلاما، ولا والله ما مست يده يد امرأة قط في المبايعة، ما يبايعهن إلا بقوله: قد بايعتك على ذلك".
3 - وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أضحى أو فطر إلى المصلى ثم انصرف فوعظ الناس وأمرهم بالصدقة فقال: أيها الناس تصدقوا، فمر على النساء فقال: يا معشر النساء تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار، فقلن: وبم ذلك يا رسول الله؛ قال: تكثرن اللعن وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداهن يا معشر النساء. ثم انصرف، فلما صار إلى منزله جاءت زينب امرأة ابن مسعود تستأذن عليه، فقيل: يا رسول الله هذه زينب فقال: أي الزيانيب؛ فقيل: امرأة ابن مسعود. قال: نعم ائذنوا لها. فأذن لها، قالت: يا نبي الله إنك أمرت اليوم بالصدقة وكان عندي حلي لي فأردت أن أتصدق به، فزعم ابن مسعود أنه وولده أحق من تصدقت به عليهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم صدق ابن مسعود، زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم".
4 - وعن ابن عباس رضي الله عنهما "أن امرأة من خثعم استفتت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، والفضل بن عباس رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده أدركت أبي شيخاً كبيرا لا يستطيع أن يستوي على الراحلة، فهل يقضي أن أحج عنه قال نعم".
5 - وعن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: دخل رهط من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: السام عليكم. قالت عائشة: ففهمتها، فقلت: وعليكم السام واللعنة. قالت: فقالت رسول الله صلى ألفه عليه وسلم. مهلاً يا عائشة، إن الله يحب الرفق في الأمر كله. فقلت: يا رسول الله أولم تسمع ما قالوا؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قلت وعليكم ".
6 - وعن علقمة رحمه الله قال: سألت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قلت: يا أم المؤمنين كيف كان عمل النبي صلى الله عليه وسلم؟ هل كان يخص شيئا من الأيام؟ قالت: " لا، كان عمله ديمة، وأيكم يستطيع ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يستطيع ".
7 - عن أسماء بنت يزيد الأنصارية من بني عبد الأشهل رضي الله عنها " أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم وهو بين أصحابه، فقالت: بأبي أنت وأمي، إني وافدة النساء إليك، واعلم- نفسي لك الفداء- أما إنه ما من امرأة كائنة في شرق ولا غرب سمعت بمخرجي هذا أو لم تسمع إلا وهي على مثل رأيي؛ إن الله بعثك بالحق إلى الرجال والنساء، فآمنا بك وبإلهك الذي أرسلك، وإنا معشر النساء محصورات مقصورات، قواعد بيوتكم، ومقضى شهواتكم، وحاملات أولادهم، وإنكم معاشر الرجال فضلتم علينا بالجمعة والجماعات، وعيادة المرضى، وشهود الجنائز، والحج بعد الحج، وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله، وإن الرجل منكم إذا خرج حاجاً أو معتمراً أو مرابطاً حفظنا لكم أموالكم، وغزلنا لكم أثوابكم، وربينا لكم أولادكم، أفما نشارككم في الأجر يا رسول الله؛ فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه بوجهه كله، ثم قال: هل سمعتم مقالة إمرأة قط أحسن من مساءلتها في أمر دينها من هذه؛ فقالوا: يارسول الله ما ظننا أن امرأة تهتدي إلى مثل هذا. فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إليها ثم قال لها: انصرفي أيتها المرأة وأعلمي من خلفك من النساء أن حسن تبعل إحداهن لزوجها وطلبها مرضاته واتباعها موافقته يعدل ذلك كله، قال: فأدبرت المرأة وهي تهلل وتكبر استبشارا"
قال ابن الملقن : "وقد كانوا يسمعون من عائشة رضي الله عنها وغيرها من أمهات المؤمنين من وراء حجاب، ويروونه عنهن اعتمادا على الصوت".
الدليل الثاني: عن القاسم بن محمد قال: " خرج معاوية ليلة النفر فسمع صوت تلبية فقال: من هذا؟ قالوا: عائشة اعتمرت من التنعيم. فذكر ذلك لعائشة، فقالت: لو سألني لأخبرته ".
قال ابن حزم: " كان الناس يسمعون كلام أمهات الآمنين ولا حرج في ذلك .. فهذه أم المؤمنين ترفع صوتها حتى يسمعها معاوية في حاله التي كان فيها ".
الدليل الثالث: رواية المحدثين عن النساء في عصر الرواية، من الصحابيات والتابعيات ومن دونهن، وإن كن قليلات من حيث العدد نسبة إلى رواية الرجال إلا أن إقرار العلماء لذلك دون نكير فيه معنى الإجماع على جواز سماع صوت المرأة من أجل الرواية.
المنهج الشرعي الصحيح في الأدلة التي ظاهرها التعارض هو الجمع بينها، فالقول بأن صوتها عورة بإطلاق أو أنه ليس عورة بإطلاق محل نظر، لما في الجزم بأحد القولين من ترك لإعمال بعض النصوص التي استدل بها أصحاب القول الآخر.
ولعل القول الأقرب إلى الرجحان هو القول الثاني: أن رفع صوت المرأة عورة وهذا القول تجتمع به الأدلة ولا تتعارض؛ فأدلة المنع دلالتها الصريحة في المنع على حال جهر المرأة على الرجال؛ أي الجهر المقصود، وليس العارض؛ كالخطب المشروعة وغيرها والأذان والإمامة والتسبيح في الصلاة. والأدلة العامة على أن صوت المرأة عورة؛ كحديث: "المرأة عورة" وقوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ) فهي محمولة على أن صوت المرأة عند الرجل ليس كصوتها عند النساء؛ لا تتحدث كحديثها إلى النساء، فالمرأة قد تتحدث إلى النساء بقصد المؤانسة والترفيه عن النفس، ولا يسوغ ذلك في حديثها إلى الرجل؛ فهو مقيد بالحاجة ولو كانت الحاجة يسيرة.
وما جاء في الأحاديث والآثار من حديث المرأة إلى الرجل زمن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة فهو لحاجة الفتوى ونحو ذلك ولم يكن على حال الجهر المقصود.
أما أثر أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في جهرها بالتلبية فقد خالفه أثر ابن عمر رضي الله عنهما، وإذا اختلفت آثار الصحابة لم يكن قول أحدهما حجة على الآخر، كما قرره الأصوليون في حجية قول الصحابي.
(مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا)
اذن فإن التبني حرم في الاسلام ، وقد كان موجوداً في الجاهلية وصدر الاسلام، حيث إن الرسول صلى الله عليه وسلم تبنى زيد بن حارثة، لدرجة أنه قال: يا معشر قريش اشهدوا أنه ابني يرثني وأرثه.
أما ما ثبت فيه الجهر من نساء الصحابة عند النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لم يكن على وجه القصد والإعداد وإنما كان أمراً عارضاً طارئاً، كمجيء المرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أجل الاستفتاء ويكون بحضرته رجال، أو تنبيه لازم لإزالة منكر أو ضرر ونحو ذلك، فيكون مغتفرا حتى مع القول بأنه عورة.
فالعورة المخففة يغتفر فيها الشيء اليسير العارض، ونظيره: فخذ الرجل فإنه عورة حتى مع انكشاف فخذ النبي صلى الله عليه وسلم مرتين ، ولكن الذي درج عليه النبي صلى الله عليه وسلم طيلة حياته هو ستره، قال ابن القيم رحمه الله " وطريق الجمع بين هذه الأحاديث ما ذكر غير واحد من أصحاب أحمد وغيرهم: أن العورة عورتان: مخففة ومغلظة، فالمغلظة السوأتان، والمخففة الفخذان. ولا تنافي بين الأمر بغض البصر عن الفخذين لكونهما عورة، وبين كشفهما لكونهما عورة مخففة. والله أعلم".
وعليه فإن القول الراجح هو القول الثاني، ويمكن أن أذكره على وجه التفصيل: أن رفع صوت المرأة (الرفع المقصود وليس العارض) عورة.
****************************************************************
الاسلام يحافظ على النسب، باعتباره أصل الإنسانية، ويحافظ على العرض، لذا يفرق بين معروف النسب وبني مجهول النسب. لكن مع ذلك فإنه لا يهدر كرامة اللقيط ومجهول النسب، فقد قال الله تعالى عن اليتيم معروف النسب: وان تخالطوهم فإخوانكم وقال عن مجهول النسب ايضا: فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم.
لكن بما أن الاسلام دين القيم الرفيعة، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق، فقد حرم التبني تدريجياً، فقال الله عز و جل أولا: (وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم ) (الاحزاب: 4).
وقال بعد ذلك:( أدعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله، فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم) (الاحزاب: 5).
ثم قال: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين ) (الاحزاب: 40).
- وفي الحديث ان الرسول صلى الله عليه وسلم قال: من ادعى الى غير ابيه وهو يعلم أنه غير ابيه فالجنة عليه حرام (رواه البخاري).
- إذن فإن التبني الموجود اليوم في بعض الأسر، من الأمور التي يجب تصحيحها، مخافة أن يختلط الحلال بالحرام، فيعيش الرجل الغريب بين زوجة الرجل وبناته، على أنه ابنهم المحرم عليهم، أو تعيش المرأة الغريبة بين أولاد الرجل على أنها أختهم، فيطلعون على جسدها بحكم أنها محرمة عليهم، والحال أنها ليست كذلك، وتكون الطامة الكبرى اذا نسب رب الأسرة الولد المتبنى الى نفسه في خلاصة القيد الجنسية وعندئذ يطالب بالميراث ايضا، والحال أنه لا يرث لأنه أجنبي عنهم.
- وربما قيل إن رعاية اليتيم واجبة في الإسلام، ومثله اللقيط، لكني أقول: يجب ان نفرق بين التبني والرعاية، فالاسلام لم يحرم رعاية اللقيط وتربيته، فلتكن علاقتنا بمجهولي النسب علاقة تربية ورعاية، لا علاقة نسب وقرابة، وبناء على ذلك فإن اللقيط يتربى في كنف أي فرد من أفراد المسلمين، من غير أن يغير شيئاً من هويته، ومن غير أن يكتسب صفة المحرمية والقرابة في العائلة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق