وقال الصاحبان: لا بد من ذِكْر طويل يسمى خطبة، وأقله قدر التشهد؛ لأن الخطبة هي الواجبة، والتسبيحة أو التحميدة لا تسمى خطبة. وشروط الخطبة عند الحنفية ستة: أن تكون قبل الصلاة، وبقصد الخطبة، وفي الوقت، وأن يسمعها واحد ممن تنعقد بهم الجمعة على الأقل في الصحيح، فيكفي حضور عبد أو مريض أو مسافر ولو جنباً، ولا تصح بحضور صبي أو امرأة فقط، ولا يشترط سماع جماعة.
ويشترط أيضاً ألا يفصل فاصل كثير أجنبي كتناول غداء أو غسل بين الخطبة والصلاة، فإن وجد أعيدت الخطبة، لبطلان الخطبة الأولى. ولا يشترط اتحاد الإمام والخطيب، لكن لا ينبغي أن يصلي غير الخطيب؛ لأنهما كشيء واحد. وأجازوا الخطبة، بغير العربية ولو لقادر عليها، سواء أكان القوم عرباً أم غيرهم.
ويبدأ قبل الخطبة الثانية بالتعوذ سراً، ثم يحمد الله تعالى والثناء عليه، ويأتي بالشهادتين، والصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم، والعظة والتذكير، ويندب ذكر الخلفاء الراشدين والعمّين (حمزة والعباس)، ولا يندب الدعاء للسلطان، وجوزه بعضهم، فقد ثبت أن أبا موسى الأشعري أمير الكوفة دعا لعمر، ويكره تحريماً وصفه بما ليس فيه.
واشترط المالكية تسعة شروط لخطبتي الجمعة هي:
الأول ـ أن يكون الخطيب قائماً، والأظهر أن هذا واجب غير شرط، فإن جلس أتم خطبته وصحت.
الثاني ـ أن تكون الخطبتان بعد الزوال، فإن تقدمتا عليه، لم يجز.
الثالث ـ أن يكونا مما تسميه العرب خطبة، ولو سجعتين نحو: اتقوا الله فيما أمر، وانتهوا عما نهى عنه وزجر، فإن سبح أو هلل أو كبر، لم يجزه. وندب ثناء على الله، وصلاة على نبيه، وأمر بتقوى، ودعا بمغفرة وقراءة شيء من القرآن، فإذا قال: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلّى الله عليه وسلم، أما بعد: أوصيكم بتقوى الله وطاعته، وأحذركم عن معصيته ومخالفته، قال تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره}. ثم يجلس ويقول بعد قيامه بعد الثناء والصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم: أما بعد، فاتقوا الله فيما أمر، وانتهوا عما نهى عنه وزجر، يغفر الله لنا ولكم، لكان آتياً بالخطبة على الوجه الأكمل باتفاق العلماء.
الرابع ـ كونهما داخل المسجد كالصلاة، فلو خطبهما خارجه، لم يصحا.
الخامس ـ أن يكونا قبل الصلاة، فلا تصح قبلهما، فإن أخرهما عنهما، أعيدت الصلاة إن قرب الزمن عرفاً، ولم يخرج من المسجد، فإن طال الزمن أعيدتا؛ لأنهما مع الصلاة كركعتين من الظهر.
السادس ـ أن يحضرهما الجماعة: الاثنا عشر، فإن لم يحضروا من أولهما، لم يجزيا؛ لأنهما كركعتين.
السابع والثامن والتاسع ـ أن يجهر بهما، وأن يكونا بالعربية، ولو للأعاجم، واتصال أجزائهما ببعض وأن تتصل الصلاة بهما، وليس من شرط الخطبتين الطهارة على المشهور، لكن كره فيهما ترك الطهر من الحدثين الأصغر والأكبر، ووجب انتظاره لعذر قرب زواله بالعرف كحدث حصل بعد الخطبة، أو رعاف يسير والماء قريب.
ولا يصلي غير من يخطب إلا لعذر، فيشترط اتحاد الإمام والخطيب إلا لعذر طرأ عليه كجنون ورعاف مع بعد الماء.
وقال الشافعية:
للخطبة خمسة أركان أو فروض: حمد الله تعالى، والصلاة على رسول الله صلّى الله عليه وسلم، والوصية بالتقوى، وتجب هذه الثلاثة في كل من الخطبتين، وقراءة آية مفهمة في إحدى الخطبتين، والدعاء للمؤمنين والمؤمنات بأمر أخروي.
أما الأول وهو الحمد فلما رواه مسلم، وأما الثاني فلأن الخطبة عبادة، فتفتقر إلى ذكر الله تعالى وذكر رسوله، كالأذان والصلاة، وأما الثالث فلما رواه مسلم، ولأن المقصود من الخطبة الوعظ والتحذير، ولا يتعين لفظ الوصية بالتقوى الصحيح؛ لأن الفرض الوعظ والحمل على طاعة الله تعالى، فيكفي ما دل على الموعظة، طويلاً كان أو قصيراً كأطيعوا الله وراقبوه. وأما الرابع: فلما رواه الشيخان، سواء أكانت الآية وعداً أم وعيداً أم حكماً أم قصة. وأما الخامس: فلنقل الخلف له عن السلف. وكون الدعاء في الثانية؛ لأنه يليق بالخواتم.
والأصح أن ترتيب الأركان ليس بشرط، وإنما هو سنة.
وشروط كل من الخطبتين خمسة عشر هي ما يأتي:
كونهما قبل الصلاة، عدم الانصراف عنهما بصارف، القيام لمن قدر عليه اتباعاً للسنة، وكونهما بالعربية، وفي الوقت بعد الزوال، والجلوس بينهما بالطمأنينة كالجلوس بين السجدتين بقدر سورة الإخلاص استحباباً، أما القاعد فيفصل بسكتة، وإسماع العدد الذي تنعقد به الجمعة: بأن يرفع الخطيب صوته بأركانهما حتى يسمعها تسعة وثلاثون غيره كاملون، فلا بد من الإسماع والسماع بالفعل، لا بالقوة، فلو كانوا صُماً أو بعضهم لم تصح كبعدهم. وإلا كان الخطيب من الأربعين فيشترط أن يسمع نفسه، فلو كان أصم لم يكف.
والولاء بين كلمات كل من الخطبتين، وبينهما وبين الصلاة اتباعاً للسنة، فلا يجوز الفصل الطويل بين الخطبة والصلاة، كما قال الحنفية.
وطهارة الحدثين وطهارة النجس في الثوب والبدن والمكان، وستر العورة، اتباعاً للسنة؛ لأن الخطبة قائمة مقام الركعتين، فتكون بمنزلة الصلاة، حتى يشترط لها دخول الوقت، فيشترط لها سائر شروط الصلاة من ستر العورة وطهارة الثوب والبدن والمكان.
وأن تقع الخطبتان في مكان تصح فيه الجمعة، وأن يكون الخطيب ذكراً، وأن تصح إمامته بالقوم، وأن يعتقد العالم الركن ركناً والسنة سنة، وغير العالم ألا يعتقد الفرض سنة.
وقال الحنابلة:
يشترط للجمعة أن يتقدمها خطبتان، للأدلة السابقة، وهما بدل ركعتين لما تقدم عن عمر وعائشة، ولا يقال: إنهما بدل ركعتين من الظهر؛ لأن الجمعة ليست بدلاً عن الظهر، بل الظهر بدل عنها إذا فاتت.
ويشترط لصحة كل من الخطبتين ما يأتي: حمد الله بلفظ: الحمد لله، فلا يجزئ غيره، لحديث أبي هريرة مرفوعاً: «كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم» أي أقطع، وعن ابن مسعود قال: «كان النبي صلّى الله عليه وسلم إذا تشهد قال: الحمد لله».
والصلاة على رسول الله صلّى الله عليه وسلم بلفظ الصلاة؛ لأن كل عبادة افتقرت إلى ذكر الله تعالى، افتقرت إلى ذكر رسوله، كالأذان. ولا يجب السلام عليه مع الصلاة عليه صلّى الله عليه وسلم.
وقراءة آية كاملة لقول جابر: «كان صلّى الله عليه وسلم يقرأ آيات، ويذكِّر الناس»، ولأن الخطبتين أقيمتا مقام ركعتين، والخطبة فرض، فوجبت فيها القراءة كالصلاة، ولا تتعين آية، وإنما يقرأ ما شاء، ولو قرأ: {ثم نظر}، و {مدهامتان} لم يكف.
سنن الخطبة ومكروهاتها:
أما سنن الخطبة فهي عند الحنفية ثماني عشرة سنة، وهي ما يأتي، مع بيان آراء الفقهاء الآخرين.
1 - الطهارة وستر العورة سنة عند الجمهور، شرط لصحة الخطبة عند الشافعية كما بينا، والطهارة من الجنابة شرط عند الحنابلة.
2 - كونها على منبر، بالاتفاق، اتباعاً للسنة كما روى الشيخان، ويسن أن يكون المنبر على يمين المحراب (أي مصلى الإمام) إذ هكذا وضع منبره صلّى الله عليه وسلم، وينبغي أن يكون بين المنبر والقبلة قدر ذراع أو ذراعين.
فإن لم يتيسر المنبر فعلى موضع مرتفع، لأنه أبلغ في الإعلام، فإن تعذر استند إلى نحو خشبة كما كان يفعل صلّى الله عليه وسلم قبل إيجاد المنبر، وكان النبي قد خطب إلى جذع، فلما اتخذ المنبر تحول إليه، فحن الجذع، فأتاه النبي صلّى الله عليه وسلم فالتزمه أو مسحه.
وكان منبره صلّى الله عليه وسلم ثلاث درجات غير درجة المستراح. ويستحب أن يقف على الدرجة التي تليها، كما كان يفعل النبي عليه السلام.
والوصية بتقوى الله تعالى؛ لأنه المقصود، ولا يتعين لفظها، وأقلها: اتقوا الله، وأطيعوا الله ونحوه، وهذه الشروط أو الأركان الأربعة متفقة مع الشافعية. وإن أراد الخطيب الدعاء لإنسان دعا، فالدعاء للمسلمين والمسلمات سنة، ولا بأس بالدعاء لمعين حتى السلطان والدعاء له مستحب في الجملة؛ لأن سلطان المسلمين إذا صلح كان فيه صلاح لهم، وكان أبو موسى يدعو لعمر وأبي بكر، كما قدمنا.
ولو اقتصر على (اطيعوا الله، واجتنبوا معاصيه) فالأظهر لا يكفي، والتسبيح والتهليل لا يسمى خطبة ولا بد من اسم الخطبة عرفاً. وتبطل الخطبة بكلام محرم في أثنائها ولو يسيراً، كما يبطل الأذان من باب أولى.
ويشترط في الخطبة اثنا عشر شرطاً هي ما يأتي: الشروط السابقة، والقيام لمن قدر، فإن قعد لعجز عن القيام أو لعذر من مرض، فلا بأس، كما تصح الصلاة من القاعد العاجز عن القيام، والراجح أن القيام سنة لا واجب.
والموالاة بين الخطبتين وبين أجزائها، وبين الصلاة، فلا يصح الفصل الطويل بين ما ذكر، فإن فصل بكلام طويل أو سكوت طويل نحوه، استؤنفت الخطبة.
والمرجع في طول الفصل وقصره إلى العادة. وإن احتاج إلى الطهارة تطهر وبنى على خطبته ما لم يطل الفصل.
وتشترط النية، لحديث «إنما الأعمال بالنيات» فلو خطب بغير النية، لم يعتد بها عندهم وعند الحنفية، ولم يشترط المالكية النية، كما لم يشترطها الشافعية، وإنما اشترطوا عدم الصارف، فلو حمد الله للعطاس لم يكف للخطبة.
ورفع الصوت بحيث يسمع العدد المعتبر وهو أربعون، إن لم يعرض مانع من السماع، كنوم أوغفلة أو صمم بعضهم، فإن لم يسمعوا الخطبة لخفض صوت الخطيب أوبُعده عنهم، لم تصح الخطبة لعدم حصول المقصود بها. فإن كان عدم السماع لنوم أو غفلة أو مطر ونحوه كصمم وطرش أو كان أعاجم والخطيب سميع عربي، صحت الخطبة والصلاة.
وأن تكون بالعربية، فلا تصح الخطبة بغير العربية مع القدرة عليها، كقراءة القرآن، فإنها لا تجزئ بغير العربية، وتصح الخطبة لا القراءة بغير العربية مع العجز عنها.
وإسماع العدد المعتبر للجمعة: وهو أربعون فأكثر، لسماع القدر الواجب؛ لأنه ذكْر اشترط للصلاة، فاشترط له العدد كتكبيرة الإحرام.
وأن تكون الخطبة في الوقت، وأن يكون الخطيب ممن تجب عليه الجمعة، فلا تجزئ خطبة عبد أو مسافر.
ولا تشترط للخطبتين الطهارة عن الحدثين: الأصغر والأكبر، ولا ستر العورة وإزالة النجاسة، وإنما السنة أن يخطب متطهراً مزيلاً النجاسة ساتر العورة، وقال ابن قدامة: والأشبه بأصول المذهب اشتراط الطهارة من الجنابة.
ولا يشترط أن يتولى الخطبتين من يتولى الصلاة؛ لأن الخطبة منفصلة عن الصلاة، وإنما السنة أن يتولى الصلاة من يتولى الخطبة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يتولاهما بنفسه، وكذلك خلفاؤه من بعده. وإن خطب رجل، وصلى آخر لعذر، جاز.
كما لا يشترط أن يتولى الخطبتين رجل واحد، لأن كلاً منهما منفصلة عن الأخرى، بل يستحب ذلك، خروجاً من الخلاف في كل ما ذكر.
ويستحب أن يجلس بين الخطبتين جلسة خفيفة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك. فإن خطب جالساً لعذر فصل بين الخطبتين بسكتة.
ويسن أن يستقبل الخطيب الناس بوجهه؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك، ولأنه أبلغ في سماع الناس، وأعدل بينهم. ولو خالف هذا واستدبر الناس واستقبل القبلة، صحت الخطبة لحصول المقصود بدونه.
3 - الجلوس على المنبر قبل الشروع في الخطبة، عملاً بالسنة لحديث ابن عمر السابق عند أبي داود، وهو متفق عليه.
4 - استقبال القوم بوجهه دون التفات يميناً وشمالاً، سنة بالاتفاق، لما روى ابن ماجه عن عدي بن ثابت عن أبيه عن جده قال: كان النبي صلّى الله عليه وسلم إذا قام على المنبر استقبله الناس بوجوههم.
5 - أن يسلم على الناس إذا صعد المنبر، اتباعاً للسنة، عند الشافعية والحنابلة، وحال خروجه للخطبة عند المالكية، لما روى ابن ماجه عن جابر قال: «كان النبي صلّى الله عليه وسلم إذا صعد المنبر سلم»؛ لأنه استقبال للناس بعد استدبار في صعوده، أشبه من فارق قوماً، ثم عاد إليهم. ويجب رد السلام.
ولا يسلم على القوم عند الحنفية؛ لأنه يلجئهم إلى ما نهوا عنه من الكلام، والحديث الثاني غير مقبول.
6 - أن يؤذن مؤذن واحد، لا جماعة، بين يدي الخطيب، إذا جلس على المنبر، وهذا هو الأذان الذي كان على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم. وهذا متفق عليه، روى البخاري عن السائب بن يزيد أنه قال: «النداء يومَ الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر، على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، فلما كان عثمان وكثُر الناس زاد النداء الثالث على الزَّوراء ، ولم يكن للنبي صلّى الله عليه وسلم مؤذن غير واحد».
7 - البداءة بحمد الله والثناء عليه، والشهادتين، والصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم، والعظة والتذكير، وقراءة آية من القرآن، وخطبتان، والجلوس بين الخطبتين. وإعادة الحمد والثناء، والصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم في ابتداء الخطبة الثانية، والدعاء فيها للمؤمنين والمؤمنات بالمغفرة لهم وإجراء النعم ودفع النقم، والنصر على الأعداء، والمعافاة من الأمراض والأدواء، والاستغفار.
وهذا كله سنة عند الحنفية، مندوب عند المالكية، ومنها أركان خمسة عند الشافعية، وهي شروط أربعة ما عدا الدعاء عند الحنابلة، بيناها.
وروي أنه صلّى الله عليه وسلم كان يقرأ في الخطبة: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً .. } إلى قوله تعالى {فوزاً عظيماً}
ويندب عند المالكية ختم الخطبة الأولى بشيء من القرآن، وختم الثانية بقول: يغفر الله لنا ولكم. كما يندب الترضي على الصحابة، والدعاء لولي الأمر بالنصر على الأعداء وإعزاز الإسلام به.
وقال الشافعية: يسن أن يختم الخطبة الثانية بقوله: أستغفر الله لي ولكم.
8 - إسماع القوم الخطبة، ورفع الصوت بها: سنة عند الجمهور، مندوب عند المالكية؛ لأنه أبلغ في الإعلام، روى مسلم عن جابر، قال: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا خطب احمرَّت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: صبَّحكم ومسَّاكم، ويقول: أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله ... ».
9 - اعتماد الخطيب بيساره أثناء قيامه على نحو عصا أو سيف أو قوس: سنة عند الجمهور، مندوب عند المالكية، لما روى الحكم بن حزن قال: «وفدت على النبي صلّى الله عليه وسلم، فشهدنا معه الجمعة، فقام متوكئاً على سيف أو قوس أو عصا، مختصراً»، ولأنه أمكن له، فالاستناد إلى شيء يعطي قوة للخطيب. كما أنه يجعل يمناه على المنبر.
10 - تقصير الخطبتين، وكون الثانية أقصر من الأولى: سنة عند الجمهور، مندوب عند المالكية، لما روى مسلم عن عمار مرفوعاً: «إن طول صلاة الرجل، وقصر خطبته مئنة فقهه، فأطيلوا الصلاة، وقصِّروا الخطبة».
ويسن أيضاً كون الخطبة بليغة مفهومة بلا تمطيط كالأذان، وأن يتعظ الخطيب بما يعظ به الناس، ليحصل الانتفاع بوعظه، ولقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلون، كبُر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون}.
11 - الإنصات أثناء الخطبة: سنة عند الشافعية للحاضرين، ويكره لهم الكلام فيها، وفي الجديد: لا يحرم عليهم الكلام، لقوله تعالى: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} ذكر كثير من المفسرين أنه ورد في الخطبة.
وكراهة الكلام، لقوله صلّى الله عليه وسلم: «إذا قلت لصاحبك: أنصت يوم الجمعة، والإمام يخطب، فقد لغوت» وقوله عليه السلام: «ومن قال: صَهْ، فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له» قال العلماء: معناه لا جمعة له كاملة للإجماع على سقوط فرض الوقت عنه. وروى أحمد عن ابن عباس حديثاً: «من تكلم يوم الجمعة، والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفاراً، والذي يقول له: أنصت، ليست له جمعة».
وعدم حرمه الكلام في الخطبة: للأخبار الدالة على جوازه، كخبر الصحيحين عن أنس: «بينما النبي صلّى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، فقام أعرابي، فقال: يا رسول الله، هلك المال، وجاع العيال، فادع الله لنا، فرفع يديه ودعا» فلم ينكر عليه الكلام، ولم يبين له وجوب السكوت، والحاضرون كلهم في ذلك سواء.
واستثنى الشافعية ومثلهم الحنابلة من الإنصات أموراً: منها إنذار أعمى من الوقوع في بئر، أو من دب إليه عقرب مثلاً، ويستحب أن يقتصر على الإشارة إن أغنت، ومنها: تحية المسجد للداخل بركعتين خفيفتين يقتصر فيهما على الواجبات، ومنها تشميت العاطس إذا حمد الله تعالى، وحمد العاطس إذا عطس خفية، ومنها رد السلام، وإن كان البدء به للداخل مكروهاً، لأن رد السلام واجب، ومنها: الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم عند سماع ذكره.
وأباح الحنابلة أيضاً: الكلام إذا شرع الخطيب في الدعاء؛ لأنه يكون قد فرغ من أركان الخطبة، والدعاء لا يجب الإنصات له، وأباحوا لمن بعد عن الخطيب ولم يسمعه الاشتغال بالقراءة والذكر والصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم خفية، وفعله أفضل من سكوته لتحصيل الأجر، ويسجد للتلاوة لعموم الأدلة، وليس له الجهر بصوته، ولا إقراء القرآن، ولا المذاكرة في الفقه، لئلا يشتغل غيره عن الاستماع، ولا أن يصلي؛ لأنه يحرم ابتداء غير تحية مسجد بعد خروج الإمام، ولا أن يجلس في حلقة؛ لأنه يكره التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم «نهى عن التحلق يوم الجمعة قبل الصلأفض.
ويجب الإنصات من حين يأخذ الإمام في الخطبة عند المالكية والحنابلة، وبمجرد صعود الإمام المنبر عند أبي حنيفة، ويحرم الكلام عند المالكية والحنابلة من غير الخطيب، ولا يسلم ولا يرد السلام ولا يشمِّت العاطس عند المالكية، ويكره تحريماً عند الحنفية الكلام من قريب أو بعيد، ورد السلام، وتشميت العاطس، وكل ما حرم في الصلاة حرم في الخطبة، فيحرم أكل وشرب وكلام ولو تسبيحاً أو أمراً بمعروف، بل يجب عليه أن يستمع ويسكت. وإشارة الأخرس المفهومة ككلام لقيامها مقامه في البيع وغيره.
ويباح الكلام قبل البدء في الخطبة وبعد الفراغ منها اتفاقاً، وفي أثناء الجلوس بين الخطبتين عند الحنابلة والشافعية وأبي يوسف، ويحرم في أثناء الجلوس المذكور عند المالكية ومحمد بن الحسن.
ويندب عند المالكية حمد الله تعالى سراً لعاطس حال الخطبة، ويجوز عندهم مع خلاف الأولى ذكر الله تعالى كتسبيح وتهليل سراً إذا قل، حال الخطبة، ومنع الكثير جهراً؛ لأنه يؤدي إلى ترك واجب، وهو الاستماع.
ولا يحرم الكلام على الخطيب، ولا على من سأله الخطيب، كأن يأمر إنساناً لغا أو خالف السنة أو ينهاه، فيقول: أنصت، أو لا تتكلم، أو لا تتخط أعناق الناس ونحو ذلك، وجاز للمأمور إجابته إظهاراً لعذره؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم «سأل سليكاً الداخل، وهو يخطب: أصليت؟ قال: لا» وعن ابن عمر: «أن عمر بينا هو يخطب يوم الجمعة، إذ دخل رجل من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فناداه عمر: أية ساعة هذه قال: إني شغلت اليوم، فلم أتقلب إلى أهلي، حتى سمعت النداء، فلم أزد على أن توضأت، قال عمر: الوضوء أيضاً؟! وقد علمت أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم كان يأمر بالغسل»،ولأن تحريم الكلام علته الاشتغال عن الإنصات الواجب وسماع الخطبة، ولا يحصل ههنا. وكذلك من كلم الإمام لحاجة، أو سأله عن مسألة، بدليل الخبر المذكور.
ومن المكروه عند الحنابلة: استدبار الخطيب القوم حال الخطبة، ورفع يديه حال الدعاء في الخطبة، وفاقاً للمالكية والشافعية وغيرهم.
وأجاز الحنابلة الاحتباء مع ستر العورة، لأنه فعله جماعة من الصحابة،
وضعّفوا حديث النهي عنه، كما أجازوا القرفصاء: وهي الجلوس على أليتيه رافعاً ركبتيه إلى صدره، مفضياً بأخمص قدميه إلى الأرض. وكان الإمام أحمد يقصد هذه الجلسة، ولا جلسة أخشع منها.
ويكره عند الحنابلة والشافعية التشبيك في المساجد، ومن حين يخرج المصلي من بيته قاصداً المسجد، لخبر أبي سعيد أنه صلّى الله عليه وسلم: «إذا كان أحدكم في المسجد، فلا يشبكنَّ، فإن التشبيك من الشيطان، وإن أحدكم لا يزال في صلاة ماكان في المسجد حتى يخرج منه» قال بعض العلماء: إذا كان ينتظر الصلاة، جمعاً بين الأخبار، فإنه ورد أنه «لما انفتل صلّى الله عليه وسلم من الصلاة التي سلم قبل إتمامها، شبك بين أصابعه».
وأجاز الحنابلة التخطي لفرجة لمن عادته الصلاة في موضع، كذلك أجاز الشافعية التخطي لفرجة، وأضافوا أنه يجوز التخطي إذا كان المتخطي ممن لا يتأذى به كرجل صالح أو عظيم، أو كانت الصفوف الأولى ممن لا تنعقد بهم الجمعة كالصبيان، فيجب التخطي في هذه الحالة.
وقال الحنفية: لا بأس بالتخطي بشرطين: الأول ـ ألا يؤذي أحداً به بأن يطأ ثوبه أو يمس جسده، والثاني ـ أن يكون ذلك قبل شروع الإمام في الخطبة، وإلا كره تحريماً، إلا إذا كان التخطي لضرورة كأن لم يجد مكاناً إلا بالتخطي. فلا بأس بالتخطي عندهم ما لم يأخذ الإمام في الخطبة، ولم يؤذ أحداً.
وأما كراهةالتشبيك أثناء الذهاب للمسجد: فلحديث كعب بن عُجرة أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه، ثم خرج عامداً إلى المسجد، فلا يشبِّك بين أصابعه، فإنه في صلاة».
ويكره العبث حال الخطبة، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم: «من مس الحصى فقد لغا»، ويكره الشرب مالم يشتد عطشه.
والاشتغال بالقراءة أو الذِّكر: لقوله صلّى الله عليه وسلم: «إن الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مجلسه، تقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه ما لم يحدث، وإن أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه» فدل أن شأن المصلي الاشتغال بالقراءة والذكر. والتبكير للجمعة سنة لغير الإمام، أما هو فلا يسن له التبكير ......
التصدق وقت الخطبة:
قال الحنفية: يكره تحريماً التخطي للسؤال بكل حال. واختاربعض الحنفية: جواز السؤال والإعطاء إن كان لا يمر السائل بين يدي المصلي، ولا يتخطى الرقاب، ولا يسأل إلحافاً.
وكذلك قال الحنابلة وغيرهم: ولا يتصدق على سائل وقت الخطبة؛ لأن السائل فعل ما لا يجوز له فعله، فلا يعينه المرء على مالا يجوز، قال أحمد: وإن حصب السائل كان أعجب إلي؛ لأن ابن عمر فعل ذلك لسائل سأل، والإمام يخطب يوم الجمعة، ولا ينال السائل الصدقة حال الخطبة؛ لأنه إعانة على محرم.
فإن سأل أحد الصدقة قبل الخطبة، ثم جلس للخطبة، جاز التصدق عليه ومناولته الصدقة.
وأجاز الحنابلة الصدقة حال الخطبة على من لم يسأل، وعلى من سألها الإمام له.
والصدقة على باب المسجد عند الدخول والخروج أولى من الصدقة حال الخطبة.
3ً - تنظيف الجسد وتحسين الهيئة قبل الصلاة: بتقليم الأظفاروقص الشارب ونتف الإبط وحلق العانة ونحو ذلك كإزالة الرائحة الكريهة بالسواك للفم وغيره من مواطن الرائحة في الجسم. ويسن للإمام أن يزيد في حسن الهيئة والعِمَّة والارتداء، اتباعاً للسنة، ولأنه منظور إليه.
وكما يسن أخذ الظفر إن طال يوم الجمعة، يسن أيضاً يوم الخميس، ويوم الاثنين، دون بقية الأيام.
ودليل كون التحسين يوم الجمعة ما روى البغوي بسنده عن عبد الله بن عمرو ابن العاص أن النبي صلّى الله عليه وسلم «كان يأخذ أظفاره وشاربه كل جمعة».
وقال الحنفية: الأفضل حلق الشعر وقلم الظفر بعدها أي بعد الجمعة، ويكره ذلك في يوم الجمعة قبل الصلاة، لما فيه من معنى الحج، والحلق ونحوه قبل الحج غير مشروع.
الترقية بين يدي الخطيب:
وهي قراءة: {إن الله وملائكته يصلون على النبي} وإيراد الحديث المتفق عليه: «إذا قلت لصاحبك أنصت فقد لغوت». وحكمها أنها بدعة لحدوثها بعد الصدر الأول، قيل: لكنها حسنة لما فيها من التذكير بمضمون الحديث والآية، غير أنها مكروهة تحريماً عند أبي حنيفة لحرمة أي كلام بعد صعود الإمام المنبر، وجائزة عند الصاحبين، وبدعة مكروهة عند المالكية إلا إذا شرطها الواقف في كتاب وقفه، وقال الشافعية: هي بدعة حسنة فيها تذكير بخير، وأجاز الحنابلة الكلام قبل الخطبة وفي الجلوس بين الخطبتين.
12 - تحية المسجد للداخل والإمام يخطب: سنة عند الشافعية والحنابلة لما روى جابر قال: جاء رجل إلى النبي صلّى الله عليه وسلم وهو يخطب الناس، فقال: «وصليت يا فلان؟» قال: لا، قال: «قم فاركع» وفي رواية: «فصل ركعتين» وقال صلّى الله عليه وسلم في رواية: «إذا جاء أحدكم والإمام يخطب، فليصل ركعتين» وماعدا التحية تحرم الصلاة بمجرد صعود الخطيب المنبر، حتى وإن لم يباشر بالخطبة.
وقال أبو حنيفة ومالك: إذا خرج الإمام إلى المنبر فلا صلاة ولا كلام، فلا تصلى تحية المسجد وتكره، وإنما يجلس الداخل ولا يركع؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم قال للذي جاء يتخطى رقاب الناس: «اجلس، قد آذيت» وأجاز المالكية التحية لداخل يقتدى به من عالم أو سلطان أو إمام، لا لغيرهم.
13 - نزول الإمام عن المنبر: قال الشافعية: يبادر الخطيب بالنزول عن المنبر ليبلغ المحراب، مع فراغ المؤذن من الإقامة، مبالغة في تحقيق الموالاة ما أمكن بين الخطبة والصلاة.
وقال الحنابلة: إذا فرغ الإمام من الخطبة، نزل عند قول المؤذن: قد قامت الصلاة، كما يقوم إلى الصلاة عندهم غير الخطيب حينئذ. ويستحب أن يكون حال صعود الخطيب على تؤدة، وإذا نزل يكون مسرعاً من غير عجلة، مبالغة في الموالاة بين الخطبتين والصلاة.
والجمهور غير الشافعية الذين لم يشترطوا الطهارة في الخطبتين، جعلوها سنة.
سنن الجمعة ومكروهاتها:
يسن لصلاة الجمعة ما يأتي:
1ً - الاغتسال والتطيب ولبس أحسن الثياب لمن يأتي الجمعة: سنة عند الجمهور، مستحب عند المالكية، لحديث أبي هريرة السابق في التبكير إلى الجمعة: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح، فكأنما قرب بَدَنة .. » ولخبر البيهقي بسند صحيح: «من أتى الجمعة من الرجال والنساء، فليغتسل، ومن لم يأتها فليس عليه غسل». وقد سبق ذكر حديثين في الأغسال المسنونة وهما: «غسل الجمعة واجب على كل محتلم» والوجوب محمول على السنية، للحديث الثاني: «من توضأ يوم الجمعة، فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل». وروى البخاري ومسلم: «إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل».
ووقت الغسل من فجر الجمعة إلى الزوال، وتقريبه من ذهابه للصلاة أفضل؛ لأنه أبلغ في المقصود من انتفاء الرائحة الكريهة، ويشترط عند المالكية: اتصاله بالرواح إلى المسجد، ولا يضر الفصل اليسير، فإن فصل كثيراً أو تغذى خارج المسجد، أو نام خارجه اختياراً أو اضطراراً، أعاده لبطلانه فلا يجزئ الغسل عندهم قبل الفجر، ولا غير متصل بالرواح. ويفتقر الغسل إلى النية؛ لأنه عبادة محضة، فاحتاج إلى النية كتجديد الوضوء، فإن اغتسل للجمعة والجنابة غسلاً واحداً، ونواهما، أجزأه بلا خلاف. والغسل سنة مؤكدة.
وليس ترك السنن المتقدمة عند الشافعية والحنابلة مكروهاً على إطلاقه، بل منه ما هو مكروه، ومنه ما هو خلاف الأولى.
فمن المكروه في الخطبة عند الشافعية: أن يتكلم سامعها أثناءها، وأن يؤذّن جماعة بين يدي الخطيب وهو مكروه أيضاً عند الحنابلة، وأن يلتفت الإمام في الخطبة الثانية، وأن يشير بيده أو غيرها، وأن يدق درج المنبر. ويكره الاحتباء (الاحتباء: الجلوس على الأليتين، وضم الفخدين والساقين إلى البطن بالذراعين ليستند) للحاضرين في الخطبة، لما صح من النهي عنه، ولأنه يجلب النوم.
ومن خلاف الأولى عند الشافعية: أن يغمض السامع والإمام عينيه لغير حاجة حال الخطبة. ومن نعس سن انتقاله من مكانه إن لم يتخط أحداً في انتقاله، لحديث الترمذي وصححه وأبي داود: «إذا نعس أحدكم في مجلسه، فليتحول إلى غيره» فالسنة مطاردة النعاس ومغالبته.
وأما التطيب ولبس أحسن الثياب أو التجمل فلحديث: «من اغتسل يوم الجمعة، ومسَّ من طيب إن كان عنده، ولبس من أحسن الثياب ثم خرج وعليه السكينة، حتى يأتي المسجد، فيركع إن بَدَا له ولم يؤذ أحداً، ثم أنصت إذا خرج إمامه، حتى يصلي، كانت له كفارة لما بينها وبين الجمعة الأخرى» والمندوب لبس الأبيض يوم الجمعة، فالثياب البيض أفضل الثياب لحديث «البسوا الثياب البيض، فإنها أطهر وأطيب، وكفنوا فيها موتاكم».
2ً - التبكير للجمعة ماشياً بسكينة ووقار والاقتراب من الإمام. والاشتغال في طريقه بقراءة أو ذكر؛ لما ثبت في السنة، كحديث أبي هريرة السابق، وخبر: «من غَسَل يوم الجمعة واغتسل، وبكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام، فاستمع، ولم يلغ، كان له بكل خطوة عمل سنة، أجر صيامها وقيامها».
وقال المالكية: الذهاب للجمعة وقت الهاجرة، وتبتدئ بقدر ساعة قبل الزوال. وفي حديث آخر مفاده أن الاقتراب من الإمام مطلوب: «احضروا الذِّكْر، وادنوا من الإمام، فإن الرجل لا يزال يتباعد، حتى يؤخر في الجنة، وإن دخلها» والمشي بالسكينة، لحديث الصحيحين: «إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة يجوز الركوب لعذر في الذهاب والإياب.»
مكروهات الخطبة:
مكروهات الخطبة عند الحنفية والمالكية: هي ترك سنة من السنن المتقدمة، ومن أهمها تطويل الخطبة وترك الطهارة، فكلاهما مكروه، ومنها عند الحنفية: أن يسلم الخطيب على القوم إذا استوى على المنبر.
ويكره باتفاق العلماء تخطي الرقاب أثناء الخطبة لغير الإمام ولغير فرجة؛ لأنه يؤذي الجالسين، ولنهي النبي صلّى الله عليه وسلم عنه في حديث عبد الله بن بُسْر المتقدم: «اجلس فقد آذيت» والكراهة تحريمية عند الحنفية والشافعية على المختار، ويجوز إن كان هناك فُرْجة لتقصير القوم بإخلاء فرجة، مع كونه خلاف الأولى عند المالكية، وكراهة التخطي عند الشافعية والحنابلة مطلقة، سواء أكان قبل الخطبة أم أثناءها، لأن العلة هي إيذاء الجالسين، ويكره التخطي عند المالكية قبل جلوس الخطيب على المنبر لغير فرجة، لأنه يؤذي الجالسين، ولكنهم أجازوا التخطي بعد الخطبة للصلاة، وقبل الصلاة لفرجةأو غيرها، كما أجازوا مع غيرهم المشي بين الصفوف مطلقاً ولو حال الخطبة؛ لأنه ليس من التخطي.
4ً - قراءة سورة الكهف يوم الجمعة وليلتها: لقوله صلّى الله عليه وسلم: «من قرأ الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين» وفي رواية: «من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أو ليلتها، وقي فتنة الدجال» وقراءتها نهاراًآكد، والحكمة من قراءتها: أن الساعة تقوم يوم الجمعة، كما ثبت في صحيح مسلم، والجمعة مشبهة بها لما فيها من اجتماع الخلق، وفي الكهف ذكر أهوال القيامة.
5ً - الإكثار من الدعاء يومها وليلتها: أما يومها فلرجاء أن يصادف ساعة الإجابة؛ «لأنه صلّى الله عليه وسلم ذكر يوم الجمعة، فقال: فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم، وهو قائم يصلي، يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه إياه، وأشار بيده يقللها» وفي رواية لمسلم: «وهي ساعة خفيفة» والصواب في ساعة الإجابة ـ كما بينا ـ ما ثبت في صحيح مسلم: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: هي ما بين أن يجلس الإمام، إلى أن يقضي الصلاة».
6ً -الإكثار من الصلاة على رسول الله صلّى الله عليه وسلم يومها وليلتها: لخبر: «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي» وخبر: «أكثروا علي من الصلاة ليلة الجمعة ويوم الجمعة، فمن صلى علي صلاة، صلى الله عليه بها عشراً».
وصيغة الصلاة أن يقول: (اللهم صل على محمد عبدك ونبيك ورسولك النبي الأمي) أو (اللهم صل على محمد، كلما ذكرك الذاكرون، وصل على محمد وعلى آل محمد، كلما غفل عن ذكره الغافلون).
7ً - يقرأ الإمام جهراً بعد الفاتحة في الركعة الأولى «الجمعة» وفي الثانية «المنافقون» اتباعاً للسنة ـ رواه مسلم. وروي أيضاً أنه صلّى الله عليه وسلم كان يقرأ في الجمعة: سبح اسم ربك الأعلى، و: «هل أتاك حديث الغاشية».
8ً - قراءة: الم. السجدة، و: هل أتى على الإنسان: سنة في صلاة الصبح يوم الجمعة: لما روى ابن عباس وأبو هريرة: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة: الم. تنزيل و: هل أتى على الإنسان حين من الدهر» ولا تستحب المداومة عليها؛ لأن لفظ الخبر يدل عليها، وخشية ظن افتراضها.
9ً - صلاة أربع ركعات قبل الجمعة، وأربع بعدها، كالظهر مستحب عند الجمهور: لأن النبي صلّى الله عليه وسلم «كان يركع من قبل الجمعة أربعاً» وكان الصحابة يصلون قبل الجمعة أربع ركعات، وكان ابن مسعود يصلي قبل الجمعة أربع ركعات، وبعدها أربع ركعات.
وروى الجماعة إلا البخاري عن أبي هريرة أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «إذا صلى أحدكم ركعتين». وأكثر السنة بعدها ست ركعات لقول ابن عمر: «كان صلّى الله عليه وسلم يفعله»، أو أربع ركعات لما رواه مسلم عن أبي هريرة. والتنفل قبل الجمعة ما لم يخرج الإمام إلى المنبر إلا تحية المسجد، لما رواه أحمد عن نبيشة الهذلي عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «إن المسلم إذا اغتسل يوم الجمعة، ثم أقبل إلى المسجد، لا يؤذي أحداً، فإن لم يجد الإمام خرج، صلى ما بدا له، وإن وجد الإمام قد خرج، جلس، فاستمع وأنصت، حتى يقضي الإمام جمعته، إن لم يُغفر له في جمعته تلك ذنوبُه كلها: أن تكون كفارة للجمعة التي تليها».
وقال المالكية: يكره التنفل عند الأذان الأول، لا قبله، لجالس في المسجد، لا داخل يقتدي به من عالم أو سلطان أو إمام، لا لغيرهم، خوف اعتقاد العامة وجوبه. ويكره التنفل بعد صلاة الجمعة أيضاً إلى أن ينصرف الناس.
ويسن لمن صلى السنة: أن يصليها عند الحنابلة في مكانه في المسجد، وأن يفصل عند الشافعية والحنابلة بينها وبين الجمعة بكلام أو انتقال من مكانه، أوخروج إلى منزله، لما روى السائب بن يزيد، قال: «صليت مع معاوية الجمعة في المقصورة، فلما سلَّم الإمام قمت في مقامي، فصليت، فلما دخل أرسل إلي، فقال: لا تعُد لما فعلت، إذا صليت الجمعة، فلا تصليها بصلاة حتى تتكلم أو تخرج، فإن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أمرنا بذلك ألا نوصل صلاة حتى نتكلم أو نخرج» قال الشافعية: يسن ألا يصل صلاة الجمعة بصلاة، للاتباع، ورواه مسلم، ويكفي الفصل بينهما بكلام أو تحول أو نحوه.
مكروهات الجمعة:
يكره يوم الجمعة ما يأتي بالإضافة لمكروهات الخطبة السابقة:
1ً - قال الحنفية: يكره تحريماً صلاة الظهر يوم الجمعة بجماعة، في مكان إقامة الجمعة وهو المصر، في سجن أو غير سجن، كما روي عن علي رضي الله عنه.
2ً - وقال الحنفية أيضاً: يكره تحريماً البيع والشراء يوم الجمعة إذا صعد الإمام المنبر، وأذن المؤذنون بين يديه، لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة، فاسعوا إلى ذكر الله، وذروا البيع}، والأمر بترك البيع يكون نهياً عن مباشرته، وأدنى درجات النهي الكراهة.
3ً - يكره التخطي باتفاق العلماء، على التفصيل المذكور في مكروهات الخطبة.
4ً - يحرم أن يقيم إنساناً من مكانه، ويجلس فيه، لما روى ابن عمر قال: «نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن يقيم الرجل ـ يعني أخاه ـ من مقعده، ويجلس فيه»، ولأن المسجد بيت الله، والناس فيه سواء، قال الله تعالى: {سواء العاكف فيه، والباد}، فمن سبق إلى مكان فهو أحق به، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم: «من سبق إلى ما لم يسبق إليه، فهو أحق به».
وإن وجد مصلىً مفروشاً في موضع، فليس لغيره عند الحنابلة على الراجح رفعه؛ لأنه كالنائب عنه، ولما فيه من الافتيات على صاحبه، والتصرف في غير ملكه بغير إذنه، ولأنه ربما أفضى إلى الخصومة، ولأنه سبق إليه، فكان كمتحجر الموات، وذلك ما لم تحضر الصلاة، فله حينئذ رفعه والصلاة مكانه؛ لأنه لا حرمة له بنفسه، وإنما الحرمة لصاحبه، ولم يحضر. ويكره الجلوس والصلاة عليه.
5ً - قال المالكية: يكره ترك العمل يوم الجمعة لأجله، لما فيه من التشبه باليهود والنصارى في السبت والأحد. ويحرم السلام من داخل أو جالس على أحد، ويحرم رد السلام ولو بالإشارة، وتشميت عاطس والرد عليه، ونهي لاغ أو إشارة له بأن ينكف عن اللغو.
السجود على الظهر ونحوه في الزحمة:
قال الحنفية والشافعية والحنابلة: متى قدر المزحوم على السجود على ظهر إنسان أو قدميه، لزمه ذلك وأجزأه، لما روي عن عمر: «إذا اشتد الزحام، فليسجد على ظهر أخيه»، ولأنه أتى بما يمكنه حال العجز، فصح، كالمريض يسجد على المِرْفقة.
ولا يحتاج هنا إلى إذنه؛ لأن الأمر فيه يسير.
وقال المالكية: لا يفعل، وتبطل الصلاة، إن فعل، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم «ومكِّن جبهتك من الأرض».
10ً - قراءة الفاتحة والإخلاص والمعوذتين بعد الجمعة: روى ابن السني من حديث أنس مرفوعاً: «من قرأ إذا سلم الإمام يوم الجمعة قبل أن يثني رجليه فاتحة الكتاب، وقل هو الله أحد، والمعوذتين سبعاً، غفر له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر، وأعطي من الأجر بعدد من آمن بالله ورسوله».
11ً - يستحب لمن نعس يوم الجمعة أن يتحول عن موضعه، لما روى ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: «إذا نعس أحدكم يوم الجمعة في مجلسه، فليتحول إلى غيره».
مفسدات الجمعة:
تفسد الجمعة بما تفسد به سائر الصلوات الأخرى، ويضاف إليها مفسدات أخرى خاصة بها هي ما يلي:
1 - خروج وقت الظهر في خلال الصلاة عند الجمهور، وقال المالكية لاتفسد؛ لأن الجمعة كغيرها فرض مؤقت بوقت، وهو وقت الظهر، وخروج الوقت لا يفسد.
وكذا تفسد عند أبي حنيفة بخروج الوقت بعدما قعد قدر التشهد، ولا تفسد عند الصاحبين.
2 - فوت الجماعة الجمعة قبل أن يقيد الإمام الركعة بالسجدة، بأن نفر الناس عنه عند أبي حنيفة. وعند الصاحبين: لا تفسد. أما فوت الجماعة أي انفضاضها بعد تقييد الركعة بالسجدة، فلا تفسد باتفاق أبي حنيفة وصاحبيه.
فإن فسدت الجمعة بسبب خروج الوقت أو بفوت الجماعة، تصلى ظهراً.
وإن فسدت بما تفسد به عامة الصلوات من الحدث العمد والكلام وغير ذلك، تصلى جمعة عند وجود شرائطها.
صلاة الظهر يوم الجمعة:
بالرغم من أن صلاة الجمعة هي الفريضة الأصلية، فإنه قد تصلى الظهر بدلاً عنها في حالات:
صلاتها بعد الجمعة، وصلاتها في المنزل قبل الجمعة بغير عذر، وصلاتها بجماعة من أصحاب الأعذار، وتعجيلها ممن لا تجب عليه الجمعة، وصلاة الظهر بسبب خروج الوقت، أو بسبب اختلال شرط من شرائط صحة الجمعة.
أولاً ـ صلاة الظهر بعد الجمعة:
إن كانت الجمعة في البلد موحدة، فهي صحيحة باتفاق الفقهاء، ولا تطلب الظهر من أحد، بل تحرم.
أما إن تعددت الجمع في أجزاء متعددة من كل بلد، كما هو المشاهد في عصرنا، فجمعة الجامع العتيق الذي صليت فيها أول جمعة هي الصحيحة عند المالكية، وعلى المصلين في الجوامع الأخرى أداء الظهر.
وجمعة الحاكم التي اشترك فيها هي الصحيحة عند الحنابلة، وعلى الجوامع الأخرى صلاة الظهر.
والجمعة السابقة براء تكبيرة الإحرام: هي المنعقدة عند الشافعية، وعلى أرباب الجمعات الأخرى صلاة الظهر، والظهر واجبة على من تأخر، أو في حال العلم بسبق جمعة ولم تتعين، أو تعينت ونسيت، إن كان التعدد لغير حاجة، كما هو الغالب في المدن الإسلامية. وتستحب الظهر احتياطاً إن تعددت الجمع لحاجة. وهذا الافتراض يصعب ضبطه الآن بغير إحصاء شامل.
وتصح الجمعات كلها في البلد الواحد في المذهب الحنفي دفعاً للحرج، ويكره تحريماً صلاة الظهر بعد الجمعة بجماعة.
وقد سبق بيان ذلك كله في شرط عدم تعدد الجمعة لغير حاجة. والحق أن الجمعة هي فرض الوقت الأصلي، وليس لمن اشترط عدم تعدد الجمع إلا الواقع العملي في صدر الإسلام، وهو لا يصلح دليلاً، وإن كان الأفضل وحدة الجمعة، ولمن شاء أن يصلي الظهر منفرداً فلا مانع، وينبغي العمل على منع الظهر بجماعة بعد الجمعة حفاظاً على وحدة المسلمين، ولا يصح قياس حالة البلدان الكبرى وكثرة سكانها على حالة (المدينة) في صدر الإسلام حيث كان المسلمون قلة، والخليفة خطيب المسلمين، ومنبره وسيلة إعلام لجميع المسلمين في شؤون الجهاد وعلاج أزمة القحط والوباء ونحو ذلك من الأحداث الكبرى. وبما أن الجمعة كانت واحدة في عهد النبي صلّى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين والصحابة والتابعين، فلم يكن هناك مجال لإعادة صلاة الظهر بعد الجمعة، ولا مجال أيضاً على سبيل الإيجاب إقامة صلاة الظهربجماعة بعد الجمعة بسبب كون تعدد الجمعة في المدن الكبرى والقرى المتسعة لحاجة واضحة، فيبقى الأمر القرآني بأداء صلاة الجمعة هو الواجب فعله فقط دون غيره.
ثانياً ـ صلاة الظهر في المنزل يوم الجمعة بغير عذر: قال الحنفية: من صلى الظهر في منزله يوم الجمعة، قبل صلاة الإمام، ولاعذر له، حرم ذلك، وجازت صلاته جوازاً موقوفاً: فإن بدا له، ولو بمعذرة على المذهب أن يحضر الجمعة، فتوجه إليها، والإمام إليها، والإمام فيها، ولم تُقَم بعد، بطلت صلاة الظهر، وصارت نفلاً عند أبي حنيفة بالسعي، وإن لم يدركها؛ لأن السعي إلى الجمعة من خصائص الجمعة، فينزل منزلتها في حق ارتفاض الظهر احتياطاً، بخلاف ما بعد الفراغ منها؛ لأنه ليس يسعى إليها.
وقال الصاحبان: لا تبطل حتى يدخل مع الإمام؛ لأن السعي دون الظهر، فلا ينقضه بعد تمامه، والجمعة فوق الظهر، فينقضها، وصار كما لو توجه إلى الجمعة بعد فراغ الإمام.
واتفق أبو حنيفة وصاحباه على أن السعي إذا كان بعدما فرغ الإمام من الجمعة، لم يبطل ظهره اتفاقاً.
وقال الجمهور (المالكية والشافعية في الجديد والحنابلة): لا تصح للمرء صلاته الظهر قبل أن يصلي الإمام الجمعة، ويلزمه السعي إلى الجمعة إن ظن أنه يدركها؛ لأنها المفروضة عليه، فإن أدركها معه صلاها، وإن فاتته فعليه صلاة الظهر، وإن ظن أنه لا يدركها، انتظر حتى يتيقن أن الإمام قد صلى، ثم يصلي الظهر، والخلاصة: إنه إن صلى الظهر قبل الجمعة لا تصح وتجب عليه الجمعة، فإن كان بعد صلاة الجمعة أجزأه مع عصيانه.
ودليلهم: أنه صلى ما لم يخاطب به، وترك ما خوطب به، فلم تصح، كما لو صلى العصر مكان الظهر، ولا نزاع في أنه مخاطب بالجمعة، فسقطت عنه الظهر، كما لو كان بعيداً، ولا خلاف في أنه يأثم بتركه، وترك السعي إليها.
ثالثاً ـ صلاة الظهر جماعة من أصحاب الأعذار: قال الحنفية: يكره تحريماً أن يصلي المعذورون من مسافر ومسجون ومريض وغيرهم الظهر بجماعة يوم الجمعة في موطن إقامة الجمعة (في المصر) قبل الجمعة وبعدها؛ لما فيه من الإخلال بالجمعة، إذ هي جامعة للجماعات، وربما يتطرق غير المعذور إلى الاقتداء بهم، ولما فيه من صورة معارضة الجمعة بإقامة غيرها. أما أهل القرى ممن لا جمعة عليهم فلهم صلاة الظهر بجماعة، ويكره أيضاً لمن فاتتهم الجمعة من أهل المصر صلاة الظهر جماعة، وإنما يصلونها فرادى بغير جماعة ولا أذان ولا إقامة، ويستحب للمريض تأخير الظهر إلى فراغ الإمام، وكره إن لم يؤخر على الصحيح.
وقال الجمهور غير الحنفية: يجوز لمن فاتتهم الجمعة لعذر أو لمن لا تجب عليه الجمعة أن يصلوها ظهراً في جماعة، تحصيلاً لثواب الجماعة المذكور في الحديث: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد بخمس وعشرين درجة» وروي عن ابن مسعود أنه فاتته الجمعة، فصلى بعلقمة والأسود.
لكن قال المالكية: تكره صلاة الظهر جماعة يوم الجمعة لغير أرباب الأعذار الكثيرة الوقوع، والأولى الجماعة لأرباب الأعذار الكثيرة الوقوع.
ورأى الحنابلة أنه: لا يستحب إعادتها جماعة في مسجد النبي صلّى الله عليه وسلم، ولا في مسجد تكره إعادة الجماعة فيه، وتكره أيضاً في المسجد الذي أقيمت فيه الجمعة؛ لأنه يؤدي إلى التهمة كالرغبة عن الجمعة، أو أنه لا يرى الصلاة خلف الإمام، أو يعيد الصلاة معه فيه، وربما أفضى إلى فتنة أو لحوق ضرر به وبغيره، وإنما يصليها في منزله أو في موضع لاتحصل هذه المفسدة بصلاتها فيه.
واتفق الجمهور مع الحنفية على أنه يستحب لمن يرجو زوال عذره أن يؤخر الظهر إلى اليأس عن إدراك الجمعة؛ لأنه قد يزول عذره، فإن زال عذره بعد الفراغ من الظهر كأن قدم من السفر، أو شفي من المرض، أو انفك من وثاقه، أعاد الجمعة إن أدركها. كذلك الصبي يعيد الجمعة إذا بلغ بعد أن صلى الظهر.
رابعاً ـ تعجيل صلاة الظهر ممن لا تجب عليه الجمعة: قال أكثر أهل العلم: من لا تجب عليه الجمعة كالمسافر والعبد والمرأة والمريض المزمن وسائر المعذورين، له أن يصلي الظهر قبل صلاة الإمام في الجمعة؛ لأنه لم يخاطب بالجمعة، فصحت منه الظهر، كما لو كان بعيداً من موضع الجمعة.
فإن صلاها، ثم سعى إلى الجمعة، لم تبطل ظهره عند الجمهور، وكانت الجمعة نفلاً في حقه، سواء زال عذره، أو لم يزل. وقال أبو حنيفة كما قال في الحالة الأولى: تبطل ظهره بالسعي إليها.
خامساً ـ صلاة الظهر بسبب خروج وقت الظهر: إذا انتهى وقت الظهر أو ضاق عن الجمعة بأن لم يبق منه ما يسع الخطبة والركعتين، سقطت الجمعة، فلا تقضى جمعة باتفاق العلماء، وإنما تصلى ظهراً، لأن القضاء على حسب الأداء، والأداء فات بشرائط مخصوصة، يتعذر تحصيلها على فرد، فتسقط، بخلاف سائر المكتوبات إذا فاتت عن أوقاتها.
سادساً ـ صلاة الظهر بسبب اختلال شرط من شرائط الجمعة: إذا لم يتوافر شرط من شرائط صحة الجمعة الأخرى غير دخول الوقت، كأن نقص عدد المصلين عن المطلوب، أو لم يدرك المسبوق ركعة مع الإمام عند الجمهور، أو أي جزء من الصلاة ولو سجود السهو عند الحنفية، أو لم يتوافر البنيان وغير ذلك، صلى الناس الظهر بدلاً عن الجمعة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق