ولكنه مع هذا لو صبر، واحتسب، ولم ينطق بكلمة الكفر مع الضغط الشديد، والتهديد الذي يؤدي إلى القتل لكان أفضل؛ لما فيه من إعزاز الدين، وإجلال رب العالمين.
ومن أجل ذلك كان اعتناء الشارع الحكيم بترك المنهيات أشد من اعتنائه بفعل المأمورات، فالمنهيات أشد اهتمامًا من الشارع من المأمورات لما يترتب على المناهي من الضرر المنافي لحكمة الشارع في النهي.
وبهذه القاعدة رد الإمام الشافعي على الإمام أبي حنيفة قوله: إن العريان يصلي قاعدًا، ولا يصلي قائمًا؛ لأنه يناجي ربه فينبغي له أن يناجي ربه على أكمل وجه، ولا يناجيه على حالة يكون فيها مكشوفًا، بل يناجيه على حالة وهو مستور، فهذا خيرٌ من أن يناجيه على حالة أفحش، فرد الشافعي عليه بأن الصلاة المأمور بها يجب أن تكون كاملة الأركان والشروط، فإذا عجز المكلف عن بعضها وتيسر له البعض الآخر فلا يسقط الميسور ـ وهو القيام ـ بالمعسور ـ وهو ستر العورة ـ لقوله: {إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم}.
قال الإمام محيي الدين أبو زكريا يحيي بن شرف النووي (ت: 676 هـ) رحمه الله: "هذا من قواعد الإسلام المهمة، ومن جوامع الكلم التي أُعطِيها ـ ـ ويدخل فيه ما لا يُحصَى من الأحكام".
وقال العلامة أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي الشافعي (ت: 974) رحمه الله: "وهذا من قواعد الإسلام المهمة، مما أُوتِي ـ ـ من جوامع الكلم؛ لأنه يدخل فيه ما لا يُحصَى من الأحكام، وبه وبالآية الموافقة له يُخَصُّ عموم قوله تعالى: ﴿ومَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾ [الحشر: 7]، فإذا عجز عن ركنٍ، أو شرط كنحو وضوءٍ أو صلاةٍ، أو قدر على غسل أو مسح بعض الأعضاء أو التيمم، أو على ستر بعض العورة، أو بعض الفاتحة، أو إزالة بعض المنكر، أتى بالممكن، وصحَّت عبادته، مع وجوب القضاء تارة، وعدمه تارة أخرى".
ومنها: ما روي عن عمران بن الحصين ـ ـ قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ـ ـ عن الصلاة؟ فقال: {صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب}.
فهو دليل على أن الميسور لا يسقط بالمعسور حيث أمَرَه ـ ـ أن يصلي حسب استطاعته، وأسقط عنه ما يعجز عنه من أركان الصلاة؛ كالقيام، والركوع، والسجود.
ومنها: ما روي عن أبي سعيد الخدري رصي الله عنه قال: سمعت رسول الله ـ ـ يقول: {مَن رأَى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان}.
والوجه منه: أن إنكار المنكر واجبٌ على المسلم باللسان واليد والقلب فإذا عجز عن الإنكار باليد، أو اللسان، لم يسقط عنه ما يقدر عليه من إنكار المنكر بالقلب، فالاستطاعة بالقلب وهي النفرة عن المنكر والتنكُّر له بإظهار الأمارات الدالة على ذلك، في مقدور كل شخصٍ، وهي لا تسقط عن المسلم بحال من الأحوال.
ومنها: حديث عمر بن الخطاب وعمار بن ياسر رضِي الله عنهما فيما رواه البخاري ومسلم: أن رجلاً جاء إلى عمر بن الخطاب فقال: إني أجنبت فلم أصب الماء فقال: عمار بن ياسر لعمر بن الخطاب: أمَا تذكر أنَّا كنَّا في سفرٍ أنا وأنت، فأمَّا أنت فلم تصلِّ، وأما أنا فتمعَّكت فصلَّيت، فذكرت للنبي فقال: {إنما كان يكفيك هكذا}، فضرب النبي بكفيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه.
فهو نصٌّ صريح أيضًا في الدلالة على معنى القاعدة؛ فإن عمر لما عجز عن الماء لم يصلِّ، وعمار أتى بما استطاع، وهو التمرُّغ في التراب ثم صلى، فأقرَّه النبي على فعله، وبيَّن له الطريقة الصحيحة للتيمم، فدلَّ ذلك على أن الميسور لا يسقط بالمعسور.
ومنها: ما رواه أبو هريرة ـ ـ في تعليم النبي ـ ـ للرجل الذي أساء في صلاته حيث قال له: {إذا قمت إلى الصلاة فكبِّر، ثم اقرأ ما تيسَّر معك من القرآن... الحديث.
والوجه منه: أن النبي ـ ـ بيَّن أن المصلي يفعل في صلاته ما يقدر عليه، فيقرأ بفاتحة الكتاب وهذا هو الأصل، أو ببعضها إن عجز عنها، أو بأيِّ شيء من القرآن إن عجز عن الفاتحة ولم يحسنها، مما يدلُّ على أن الميسور لا يسقط بالمعسور.
فهذه أربعة عشر دليلاً من القرآن الكريم، وصحيح السنة النبوية، تدلُّ مباشرة على مشروعية هذه القاعدة الفقهية، وصحتها، وحجِّيتها، وكثرة الاستدلال بها في أحكام الشريعة، حرصت على أن تكون جميعًا أدلة واضحة صريحة صحيحة، وفيها بإذن الله تعالى كفاية على التأصيل الشرعي لهذه القاعدة الفقهية، وبيان حجِّيتها، وضبط المطلوب من المكلف وقت العجز والعسر.
ب - المريض يصلِّي قائمًا، فإن لم يستطع صلَّى قاعدًا، فإن لم يستطع صلَّى على جنبه، فإن لم يستطع الإيماء برأسه أومَأ بطرفه، وصلَّى بنيته.
ج - مَن عجز عن النطق بالتكبير أو القراءة في الصلاة لزمه أن يحرِّك لسانه بدلاً عن تحريكه إياه بالقراءة؛ كالإيماء بالركوع والسجود.
د - مَن لم يقدر على الانتصاب في الصلاة بأن تقوَّس ظهره حتى صار في حدِّ الراكعين يقف كذلك راكعًا.
هـ - إذا لم يمكن المصلي رفع اليدين في الصلاة إلا بالزيادة على القدر المشروع أو أنقص منه، أتى بالممكن.
وأشهر الفروع والمسائل لهذه القاعدة على النحو التالي:
1- إذا قدر على بعض الطهارة وعجز عن الباقي؛ إما لعدم الماء، أو لمرضٍ في بعض أعضائه دون بعضٍ، فإنه يأتي من ذلك بما قدر عليه ويتيمم للباقي، سواء في ذلك الوضوء والغسل على المشهور، ومن ذلك:
أ - مقطوع بعض الأطراف، يجب عليه غسل الباقي منها في الطهارة.
ب - مَن عجَز عن بعض غسل الجنابة لزمه الإتيان بما قدر عليه منه؛ لأن تخفيف الجنابة مشروع ولو بغسل أعضاء الوضوء، وسقط عنه ما لا يقدر عليه.
ج - مَن قدر على بعض الماء الصالح للطهارة أو ثمنه، وجب عليه استعماله، ويتيمَّم عن الباقي.
د - إذا كان في بعض بدنه ما يمنع استعمال الماء، غسَل الصحيح، وتيمَّم عن الجريح.
هـ - المُحْدِث الفاقد للماء إذا وجد ثلجًا أو بردًا، لا يقدر على إذابته، وجب عليه استعماله؛ فيتيمم عن الوجه واليدين، ثم يمسح به الرأس، ثم يتيمم عن الرجلين.
و لو خاف الجنب من الخروج من المسجد على نفسٍ أو مالٍ، مكَث فيه وتيمَّم إن وجد غير تراب المسجد.
2- كل ركن أو شرطٍ من أركان الصلاة وشروطها لا يسقط ميسورُه بمعسورِه؛ فيأتي المصلى بما يستطيع منه، ويسقط عنه ما يعجز عنه، ومن ذلك:
أ - إذا عجز المكلَّف عن القيام في الصلاة، أو قراءة الفاتحة، أو استقبال القبلة، أو ستر العورة، أو الطهارة، أو الركوع أو السجود، أو الجلوس بين السجدتين، أو غير ذلك من شروط الصلاة وأركانها، فإنه يسقط عنه ما يعجز عليه منه، ويأتي منه بما تيسَّر عليه، ويصلي على حسب حاله.
3 - إذا لم يجد الرجل موقفًا له في الصلاة إلا خلف الصف منفردًا، فإن يصلي وصلاته صحيحة للحاجة والعجز؛ لأن الاصطفاف واجب وصلاة الجماعة واجبة، فإذا عجز عن أحدهما وقدر على الآخر، أتي بالمقدور عليه.
4 - إذا قدر على إخراج بعض صاعٍ في زكاة الفطر، لزمه ذلك.
5 - مَن ملك من المال ما يبلغ نصابًا، إلا أنه فقد جزءًا منه فصار في يديه نصفه، والنصف الآخر مغصوبًا، أو ضالاًّ، أو دينًا مؤجَّلاً، وقلنا بوجوب الزكاة فيه، فعليه أن يخرج الزكاة عن الموجود عنده، وإذا رجع المغصوب أو الضالُّ أو الدين، أخرج الزكاة عنه.
6 - مَن انتهى في الكفارة الواجبة كفارة القتل أو الظهار إلى المرتبة الأخيرة فلم يجد إلا إطعام ثلاثين مسكينًا، وجب عليه إطعام مَن قدر على إطعامه منهم، ويسقط عنه إطعام البقية.
7 - مَن لم يصم من أول النهار لعذرٍ من سفر أو مرضٍ، ثم قدر على الصيام في أثناء النهار، وتيسَّر له ذلك، أمسك بقية النهار وصحَّ صومه، بشرط ألا يكون قد أتى بمُفَطِّر.
8- ومَن عجز عن الحج ببدنه كالمعضوب الذي لا يستمسك على الراحلة ونحوه، وله مالُ، وجب عليه أن يستنيب مَن يحجُّ عنه.
9- الحائض تفعل ما تقدر عليه من مناسك الحج، ويسقط عنها ما تعجز عنه من الشروط والواجبات كما يسقط عنها طواف الوداع؛ لحديث ابن عباس رضِي الله عنهما قال: {أُمِر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خُفِّف عن المرأة الحائض}.
المسألة الثالثة: تطبيقات القاعدة وفروعها ومسائلها الفقهية:
فروع هذه القاعدة الفقهية ومسائلها كثيرة لا تُحصَى، ولا تنحصر، وفي هذا المبحث أذكر بإذن الله أهم التطبيقات والفروع الفقهية التي ظهرت لي من خلال التتبُّع لكتب القواعد الفقهية، ومُدَوَّنات الفقه الأخرى التي ذكرت هذه القاعدة واستدلَّت بها، والتي علَّل الفقهاء لها بهذه القاعدة الفقهية بألفاظها المختلفة.
والأصل أن ما أذكره في هذا المبحث من فروع ومسائل تطبيقية تدلُّ عليه أدلة مشروعية القاعدة التي سبق بيانها، إلا إذا كان ثَمَّ دليل خاص في المسألة فإني أذكره من باب إتمام الفائدة، وبيان حجِّية هذه القاعدة الفقهية ومشروعيتها وكثرة أدلتها العامة والخاصة، فدونك بيان أهم التطبيقات.
10- إذا اضطرت الحائض إلى الطواف بالبيت كما في طواف الإفاضة، وخشيت فوات الرفقة ونحو ذلك، فلها أن تطوف؛ إذ غايته سقوط الشرط وهو الطهارة بالعجز، وبقاء الواجب وهو الطواف.
11- مَن حجَّ وهو أصلع أو حليق الرأس، استُحِبَّ له أن يُمِرَّ الموسى على رأسه لأنه ميسور، فلا يسقط بالحلق المعسور.
12- مَن عجز عن الطواف بنفسه راكبًا أو راجلاً، وقدر على أن يطوف محمولاً، فإنه يُحمَل ويُطَاف به.
13- ليس على الأعمى والأعرج والمريض حرج في ترك بعض شروط العبادات أو واجباتها أو أركانها التي يعجزون، أو تشقُّ عليهم مشقَّة غير مُحتَمَلة، ويأتون بما يستطيعون ويكون ميسورًا عليهم.
14- تصحُّ توبة الأعمى عن النظر، والمجبوب عن الزنا؛ لأنهما قادران على الندم، فلا يسقط عنهما بعجزهما عن العزم على عدم العَوْدِ؛ إذ لا يُتَصوَّر منهما العَوْدُ عادةً، فلا معنى للعزم على عدمه.
15- مَن عليه نفقة واجبة، وعجز عن جميعها: بدأ بنفسه، ثم بزوجته، فرقيقه، فولده، فوالديه، فالأقرب ثم الأقرب، وكذا الفطرة.
16- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب على مَن قدر عليه باليد، ثم باللسان، ثم بالقلب، ولا يسقط الإنكار بالقلب بحالٍ من الأحوال؛ لأنه في مقدور الجميع.
17 - مَن قدر على تعلُّم بعض العلم أو الدعوة إلى الله تعالى وجب عليه ما يقدر عليه من ذلك، وسقط عنه ما يعجز عنه؛ لقول المصطفى ـ ـ: {بلِّغوا عنِّي ولو آية}.
18- لو أعتق نصيبه في عبدٍ وهو مُوسِر ببعض نصيب شريكه، سرى العتق إلى القدر الذي هو مُوسِر به.
19- لو أوصى بإعتاق عبدٍ، ولم يخرج كله من الثلث، عتق ما يخرج منه دون ذلك؛ محافظة على الواجب قدر المستطاع.
20- المُحرِم إذا كان عليه طيب، وهو مُحدِث، ومعه من الماء ما يكفي أحدهما فقط، فإن أمكنه أن يتوضأ ثم يجمعه ويغسل الطيب، لزمه، وإن لم يمكنه لزمه غسل الطيب به؛ لأن الطهارة لها بدل، بخلافه.
21- جهاد المشركين والكفار واجب على المسلم؛ بالنفس، والمال، واللسان، على حسب الاستطاعة، فما قدر عليه من ذلك قام به، وما عجز عنه سقط عن؛ لما روى أنس بن مالك ـ ـ أن النبي ـ ـ قال: {جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم}.
22- ما يشترط في القضاة والولاة من الشروط يجب فعله وتحقيقه بحسب الإمكان، فهو واجب مع القدرة بتولية المتَّصف بالأوصاف التي يحصل بها مقصود الولاية، وأمَّا مع العجز فالواجب تولية الأمثل فالأمثل؛ لأن الله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها.
23 – إذا وجد المكلف بعض الصاع في الفطرة أي: في زكاة الفطر وجد بعض الصاع- يلزمه إخراجه في الأصح؛ لأنه ميسورٌ، والميسور لا يسقط بالمعسور، وهو إخراج بقية الواجب، وهو الصاع، ومقابل الأصح لا يجب عليه الإخراج إذا كان الصاع ناقصًا؛ لأنه لا يصدق عليه إخراج زكاة الفطر، ولأن التكليف متعلقٌ بالصاع، فالرسول ـ ـ طلب في زكاة الفطر صاعًا، وحيث لا يُوجد الصاع يُعتبر المكلف فقيرًا، وعليه فالفرع خارجٌ عن القاعدة، وعلى الأصح يكون الفرع من القاعدة، والصاع كما قدره علماء الشافعية قدحان، وكذلك الحنفية، وهو قدحٌ وثلث عند المالكية، والتحقيق أن الصاع قدحٌ وثلث كمذهب مالك.
24- مَن اجتمع عليه عقوبة قتل وصلبٍ فمات، فإنه يُصلَب على الصحيح؛ لأن الصلب مقدور، فلا يُترَك بالمعجوز عنه وهو القتل.
25 - إذا فاتت الجمعة وصلاَّها الناس ظهرًا جاز أن تُصلَّى جماعةً لا فُرَادى؛ لأن حصول الجمعة قد تعسَّر، والجماعة متيسِّرة في الظهر، فلا يُترَك الميسور بالمعسور على الأصل في مشروعية الجماعة.
26 - المسافر في الطائرة إذا عجز عن أداء الصلاة قائمًا، وخشي فوات وقتها، فإنه يصلِّيها جالسًا على حسب حاله، يومي بالركوع والسجود؛ لأن الصلاة على هذه الكيفية ميسورة له، والميسور لا يسقط بالمعسور.
27 - استلام الشيك، عند توفُّر شروطه في مسألة صرف النقود بالتحويل في المصارف، يقوم مقام القبض عند تعذُّر القبض؛ لأن استلام الشيك ميسور، فلا يسقط بسقوط القبض المعسور.
28 - الأصل أن يتمَّ التعاقد بين المتعاقدين بالحضور أو التوكيل، فإذا تيسَّر التعاقد بين غائبين لا يجمعهما مكان واحد، ولا يرى أحدهما الآخر معاينة ولا يسمع كلامه، بواسطة الوسائل الحديثة كالبرق والتلكس والفاكس وشاشات الحاسب الآلي والبريد الإلكتروني ففي هذه الحالة ينعقد العقد بينهما عند وصول الإيجاب إلى الموجَّه إليه وقبوله من الطرف الآخر.
29 - الأصل ألاَّ يقضي القاضي بين الخصمين إلا بحضرتهما، فإن تعذَّر حضور أحدهما لغيبة أو مرض، وتيسَّر له التوكيل عنه بالخصومة، جاز ذلك، وللقاضي حينئذ أن يحكم في القضية؛ لأن الميسور لا يسقط بالمعسور.
30 - مَن عجز عن وفاء دينه الذي عليه كله، ولكنه يملك ما يوفي به بعضه وجب عليه الوفاء بما تيسَّر عنده، وينظر بما تعسَّر؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 280].
لكن ينتبه هنا إلى أن ما عجز المكلف عنه من حقوق الآدميين الواجبة عليه لا يسقط عنه إذا أدَّى الميسور منها إلا بالعفو والإبراء، والمسامحة وطيب النفس من الدائن؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لاَ تَأكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29].
لأنها مبنيَّة على المطالبة والمشاحَّة، وقد قال النبي ـ ـ لأصحابه رضِي الله عنهم في خطبته بهم أوسط أيام التشريق: {إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا إلى يوم تلقونه، اسمعوا مِنِّي تعيشوا: ألاَ لا تظلموا، ألاَ لا تظلموا، إنه لا يحلُّ مال امرئ إلا بطيب نفسٍ منه}.
31 - رخَّص الشارع للمكلَّف أن يتطوَّع جالسًا، لكن يستقبل القبلة؛ لأن الاستقبال ممكن مع الجلوس، فلا يسقط عنه، بخلاف تكليفه بالقيام، فإنه قد يشقُّ عليه ترك التطوُّع.
32 - إذا لم يستطع الرجل يوم العيد الخروج مع الإمام للصلاة سقط عنه، وجاز له أن يفعل ما يقدر عليه؛ ليحصل له من العبادة في هذا اليوم ما يقدر عليه؛ فيصلي أربعًا، وتكون الركعتان بدل الخطبة التي لم يصلِّ بها.
33 - يفعل المكلف ما يقدر عليه من واجبات الطواف، ويسقط عنه ما يعجز عنه منها كمَن به نجاسة لا يمكنه إزالتها كالمستحاضة، ومَن به سلَس البول فإنه يطوف ولا شيء عليه باتِّفاق الأئمة.
34 - المسلم الذي يقيم في بلاد الكفر للضرورة، ولا يستطيع الهجرة منها إلى بلاد الإسلام، فإنه يأتي من شرائع الإسلام بما يستطيع ويمكنه فعله، ويسقط عنه ما يعجز عنه.
35 - القاضي يجب عليه أن يحكم بالظاهر من حال الخصوم وبيِّناتهم؛ لأنه ميسور عليه، ولو كانت مخالفة للواقع وبواطن الأمور، ولا يكلف بالبحث عن بواطن الأمور وحقيقة الواقع، ولا يسقط عنه الميسور بالمعجوز عنه، وقد قال النبي ـ ـ: {إنكم تختصمون إليَّ، وإنما أنا بشر، ولعلَّ بعضكم ألحن بحجته أو قد قال: لحجته من بعض، فإني أقضي بينكم على نحو ما أسمع، فمَن قضيت له من حقِّ أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعةً من النار}.
فهذه أشهر التطبيقات والفروع التي ذكرها أهل العلم لهذه القاعدة الفقهية الجليلة، والمقصود منها التمثيل للقاعدة، وأمَّا حصر الفروع المندرجة تحتها فهو غير ممكن؛ إذ يدخل تحتها من الفروع خصوصًا في باب العبادات ما لا يُحصَى، فالقدرة شرطٌ في جميع الواجبات الشرعية فجميع ما أمر الله تعالى به العبد أمرَ إيجابٍ أو استحبابٍ إذا قدر على بعضه وعجز عن باقيه، وجب عليه ما يقدر عليه، وسقط عنه ما يعجز عنه.
المسألة الرابعة: الفروع المستثناة
قال الإمام السيوطي رحمه الله: خرج عن هذه القاعدة مسائل نذكر منها:
1-أن القادر على صوم بعض يومٍ من الفجر إلى الظهر، ولم يستطع أن يُكمل اليوم لا يلزمه الإمساك، وكان مقتضى القاعدة أنه يجب عليه أن يُمسك الوقت الذي يقدر على صومه؛ لأنه ميسورٌ، ولكنه خرج عن القاعدة؛ لأنه لم يُشرع صوم بعض يوم، فليس في شرع الله صوم بعض يوم، وعليه فهذا الفرع خارجٌ عن القاعدة؛ لأننا أسقطنا الميسور بالمعسور.
2- ومن الفروع التي خرجت عن القاعدة: أن حق الشفعة يكون للشريك عند الشافعية، وللشريك والجار عند الأحناف، فلو كان الشفيع ليس معه إلا بعض ثمن النصيب، فهل يلزم الشارع الشريك البائع أن يعطيه بالشفعة؟ هل يلزم ذلك؟ في هذه المسألة لا يأخذ بعض النصيب؛ لأنه في مسألة الشفعة إما أن يأخذ الكل أو يترك الكل، فالشفعة إنما شرعت على خلاف القياس لدفع الضرر، فلو أخذ الشفيع النصف، وترك النصف للمشتري الجديد لتحقق ضرر الشريك البائع وضرر للمشتري، والضرر يزال؛ إذن حق الشفعة لا يتجزأ فإذا سقط بعضها سقط جميعها كالقصاص، فإنه يسقط إذا طلب أحد المستحقين للقصاص الدية، إذا انتقل واحدٌ من القصاص إلى الدية سقط القصاص، وكان مقتضى القاعدة جواز ذلك؛ لأن الميسور لا يسقط للمعسور، وعليه يكون الفرع خارجًا عن القاعدة على سبيل الاستثناء.
3- ومن الفروع التي خرجت عن القاعدة، وهي مستثناة أيضًا: إذا اطلع المشتري على عيب أخفاه عليه البائع؛ فيجب الرد فورًا أو الإشهاد على الرد بالعيب إذا كان البائع غائبًا، فإذا لم يتيسر له الرد، ولا الإشهاد على الرد فلا يلزم منه أن يتلفظ بالفسخ في الأصح، ويؤخر التلفظ بالفسخ لحين الوصول إلى الحاكم أو الوصول إلى البائع، وكان مقتضى هذه القاعدة أن يتلفظ بالفسخ لأنه ميسورٌ، لكنهم قالوا: لا يلزمه التلفظ في الأصح، وعليه فالفرع مستثنى من هذه القاعدة، ومقابل الأصح يلزمه أن يتلفظ بالفسخ لأنه ميسورٌ، فلا يسقط بالمعسور، وهو وجود البائع أو الحاكم، وعليه يكون الفرع من القاعدة.
المسألة الخامسة: شروط تطبيق القاعدة:
يُشتَرط لتطبيق قاعدة: (الميسور لا يسقط بالمعسور) جملة من الشروط من خلالها يتبيَّن ضبط القاعدة وحدود تطبيقها، وبيان ما يندرج تحتها من المسائل وما يُستَثنى منها كما يتَّضح من خلالها أيضًا أن المكلَّف إنما كُلِّف بما يقدر عليه من الأعمال الشرعية، وما يعجز عنه فإنه ساقط معفوٌّ عنه إذ ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286].
وأهم شروط تطبيق القاعدة على النحو التالي:
الشرط الأول: أن يكون المكلَّف معذورًا حقيقة وفعلاً، لا توهُّمًا وادِّعاءً، بترك بعض المأمور به (بترك المعسور) لسبب شرعي يقتضي ذلك؛ كالمرض، والكبر، ونحوهما.
الشرط الثاني: ألا يؤدي بناء الحكم على القاعدة وإعمالها إلى تفويت ما هو أهمُّ أو أعظم مصلحة منها، وهذا يتَّصل بمسألة تعارض المصالح والترجيح بينها، فالمصلحة المجلوبة بسقوط المعسور وفعل الميسور لا يجوز أن تكون مؤدِّية إلى تفويت مصلحة أعظم منها.
الشرط الثالث: ألا يكون للمعجوز عنه بدلٌ؛ لأنه إذا كان له بدل انتقل المكلَّف إلى بدله ولم يعمل بهذه القاعدة، إلا إذا قلنا: إن الانتقال إلى البدل هو أخذ بالميسور ومن الأمثلة على ذلك:
1- المعضوب الذي لا يستمسك على الراحلة، وله مال يقدر أن يحجَّ به عنه، فالصحيح وجوب الحج عليه بماله لقدرته على المأمور به، وإن عجز عن مباشرته هو بنفسه، ونظيره القادر على الجهاد بماله العاجز عنه ببدنه يجب عليه الجهاد بماله.
2- الشيخ الكبير العاجز عن الصوم، القادر على الإطعام، فهذا يجب عليه الإطعام عن كلِّ يوم مسكينًا في أصح أقوال أهل العلم.
3- المريض العاجز عن استعمال الماء في الطهارة فهذا حكمه حكم العادم للماء، وينتقل إلى بدله وهو التيمم.
4- مَن عجز عن الرقبة في الكفارة فإنه ينتقل إلى الصيام.
الشرط الرابع: أن يكون الميسور عبادة مقصودة مشروعة في نفسه بانفراده، فإن لم يكن عبادةً مشروعةً في نفسه بانفراده فإنه يسقط بسقوط المعجوز عنه، ولا يلزم المكلف الإتيان به ولو تيسَّر، ويكون مستثنًى من قاعدة: (الميسور لا يسقط بالمعسور).
ومن الأمثلة على هذا:
1- صوم بعض اليوم لِمَن قدر عليه وعجز عن إتمامه، فلا يلزم بغير خلاف.
2- عتق بعض الرقبة في الكفارة، فلا يلزم القادر عليه إذا عجز عن التكميل؛ لأن الشارع قصده تكميل العتق مهما أمكن فلا يشرع عتق بعض الرقبة، وينتقل إلى البدل بلا خلاف.
3- إذا قال الموصي: اشتروا بِثُلُثِي رقبةً وأعتقوها، فلم يجدوا به رقبةً كاملةً، لا يُشتَرى البعض؛ لأنه لا يفيد الاستقلال.
الشرط الخامس: ألا يكون الميسور واجبًا تبعًا لغيره على وجه التكميل واللواحق، فهذا لا يلزم الإتيان به عند سقوط المعجوز الذي هو الأصل، ويكون مستثنًى من القاعدة.
ومن أمثلة ذلك:
رمي الجمار، والمبيت بمنى لِمَن لم يدرك الحج، فالمشهور عند أهل العلم أنه لا يلزمه؛ لأن ذلك من توابع الوقوف بعرفة، فلا يلزم مَن لم يقف بها.
المريض إذا عجز في الصلاة عن وضع جبهته على الأرض، وقدر على وضع بقية أعضاء السجود، فإنه لا يلزمه ذلك على الصحيح؛ لأن السجود على بقية الأعضاء إنما وجب تبعًا للسجود على الوجه وتكميلاً له.
الشرط السادس: ألا يكون المقدور عليه ليس مقصودًا بالعبادة لذاته، وإنما هو وسيلة محضة إليها فهذا لا يلزم الإتيان به عند العجز عن العبادة، بل يسقط؛ لأنه إنما وجب ضرورةً للعبادة الأصل، وقد سقط الأصل فسقط ما هو من ضرورته، وهو مستثنًى من القاعدة.
ومن أمثلة ذلك:
تحريك اللسان في القراءة في الصلاة هل يلزم الأخرس لأنه المقدور عليه، أم يسقط لأن النطق وهو الأصل قد سقط عنه؟ الأصح والأشهر أنه لا يجب لأن التحريك بمجرده لا يُناسِب القراءة ولا يُدانِيها، بل هو عبث لا يَرِدُ الشرع به، فإقامته بدلاً عن القراءة بعيدٌ، وهو مستثنى من القاعدة.
إمرار المكلَّف الموسى على رأس الحاج والمعتمر في الحلق وكذا في الختان (للمجبوب)، فهذا ليس بواجب للقدرة عليه، بل هو مستثنًى من القاعدة؛ لأنه إنما وجب لقصد الحلق والقطع، وقد سقط المقصود فتسقط الوسيلة.
وفي كل هذا إشارة جلية إلى أن جميع ما أوجبه الله تعالى على المكلَّف يُشتَرَط فيه القدرة والاستطاعة، فمَن قدر عليه أتى به، ومَن لم يقدر عليه وعجز عنه سقط عنه وجوبه، والله تعالى يعفو عنه ويتجاوز بمنِّه وكرمه، ومَن قدر على بعضه وذلك البعض عبادة، وجب ما يقدر عليه منه، وسقط عنه ما يعجز عنه.
المسألة السادسة: بيان أهمية القاعدة وصلتها بقواعد الشريعة ومقاصدها:
تُعَدُّ هذه القاعدة من أصول الإسلام الشهيرة، وقواعد الفقه المهمَّة، ومباني الشريعة العظيمة، ويندرج تحتها ما لا يُحصَر من الأحكام الشرعية، وقد تداولها جمهور الفقهاء، وعملوا بها، وفرعوا عليها، واستدلُّوا بها كثيرًا حتى عدَّها إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني الشافعي (ت: 478 هـ) رحمه الله من الأصول الشائعة التي لا تكاد تنسى ما أقيمت أصول الشريعة.
وعدَّها الإمام تاج الدين عبد الوهاب بن علي بن السبكي الشافعي (ت: 771هـ) رحمه الله من أشهر القواعد.
وهي قاعدة كلية كبرى تتعلَّق بأعظم مقصدٍ من مقاصد الشريعة الإسلامية ألاَ وهو: (التكليف بما يُطاق)، و(فعل الميسور عند العجز وعدم القدرة)، وهذا يتفق مع مبدأ التيسير ورفع الحرج، وإزالة كل ما يؤدِّي إلى الضيق والمشقَّة عن العباد، وبيان المطلوب من المكلَّف حال العجز عن الواجبات، "فأوامر الشريعة كلها معلَّقة بقدرة العبد واستطاعته، فإذا لم يقدر على واجبٍ من الواجبات بالكلية، سقط عنه وجوبه، وإذا قدر على بعضه، وكان ذلك البعض عبادةً، وجب ما يقدر عليه منه، وسقط عنه ما يعجز عنه".
و"أصول الشريعة تفرِّق في جميع مواردها بين القادر والعاجز، والمفرط والمعتدي، ومَن ليس بمفرطٍ ولا معتدٍ، والتفريق بينهما أصل عظيم معتمد وهو الوسط الذي عليه الأمة الوسط".
وهي قائمة على أنَّ ما عجز عنه العبد، سقط عنه وجوبه، فلم يُوجِب الله ما يعجز عنه العبد.
ولأهمية هذه القاعدة عدَّها الإمام أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب بن قيِّم الجوزية الحنبلي (ت: 751 هـ) رحمه الله قاعدة العبادات فقال: "إن ما أوجبه الله تعالى ورسوله أو جعله شرطًا للعبادة أو ركنًا فيها، وقف صحتها عليه، فهو مقدور بحالٍ القدرة لأنها الحال التي يُؤمَر فيها العبد، أمَّا في حال العجز فغير مقدورٍ ولا مأمورٍ، ولا تتوقف صحة العبادة عليه".
فمن خلال تطبيق هذه القاعدة الفقهية المهمة وإعمالها تبرز لنا أهم سمات الحنيفية السمحة، المتمثِّلة في التيسير والتخفيف والاعتدال، ورفع الحرج والمشقَّة عن هذه الأمة، لا الإتيان بما هو مُستَطاع للمكلَّف فإنها تنصُّ على أن لا تكليف إلا على قدر الاستطاعة، فكلُّ ما يعجز عنه العبد من الواجبات، فهو ساقط عنه شرعًا، معفوٌّ عنه.
قال شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيميَّة الحراني الحنبلي (ت: 728هـ) رحمه الله: "فمَن استقرأ ما جاء به الكتاب والسنة تبيَّن له أن التكليف مشروطٌ بالقدرة على العلم والعمل، فمَن كان عاجزًا عن أحدهما سقط عنه ما يعجزه، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها... وهذه قاعدةٌ كبيرةٌ، تحتاج إلى بسطٍ ليس هذا موضعه"
"فالحرج مرفوع، وكلُّ ما يؤدي إليه فهو ساقط برفعه، إلا بدليل على وضعه".
والشارع الحكيم لم يقصد إلى التكليف بالمشاقِّ والإعنات فيه، وإنما قصد اليسر ورفع الحرج عن المكلَّفين، قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]، ولهذا جاء في صفته ـ ـ وصفة أمته قول الحق سبحانه وتعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: 157]، وثبت عنه ـ ـ أنه قال: {إن الدين يسر، ولن يشادَّ الدينَ أحدٌ إلا غلبه، فسدِّدوا، وقاربوا، وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة}.
أي: لن يشاد هذا الدينَ أحدٌ ويتعمق في الأعمال الدينية، ويترك الرفق، إلا غلبه الدين، وعجز وانقطع، فوجب على المكلَّف لزوم السداد وهو التوسُّط في العمل من غير إفراط ولا تفريط، فإن لم يستطع الأكمل، فعل ما يقرب منه.
ويتَّضح وجه اشتمال هذه القاعدة على التيسير ورفع الحرج عن المكلف في أنها تتضمَّن تخفيفًا لبعض التكاليف التي لا يقدر عليها، واستثناءً لبعض ما ورد الأمر العام بفعله إذا وُجِد ما يقتضي ذلك التخفيف والتيسير؛ إذ معناها أنه يسقط عن المكلَّف ما لا يقدر عليه.
فالمكلف مُطالَب ببذل الوسع للقيام بالفرائض والمندوبات، والكفِّ عن المحرَّمات والمكروهات، والاحتراز عن كلِّ الخبائث والسيئات، فما تيسَّر له منها امتثل ووقف فيه عمَّا حدَّه الله تعالى له، وما تعذَّر بعذر شرعي فإنه يسقط عنه؛ ذلك أن من أعظم شروط التكليف: القدرة والاستطاعة والشارع لم يقصد التكليف بما يشقُّ على المكلَّف ويعجز عنه وكل قصد يخالف قصد الشارع باطل، فالقصد إلى المشقة باطل.
وهذه القاعدة تندرج تحت القاعدة الكلية الكبرى: (المشقة تجلب التيسير) وهي تعتبر قيدًا فيها، فإذا تعذَّر على المكلَّف القيام ببعض الواجب الذي كُلِّف به وأُمِر وأمكنه القيام ببعضه، وجب عليه القيام بالبعض الممكن، وسقط عنه ما تعذَّر عليه أو عجز عنه، وإذا كانت قاعدة: (الضرورة تقدر بقدرها)، قيدًا يُعمَل به في نطاق المنهيات، فإن قاعدة (الميسور لا يسقط بالمعسور) قيد يُعمَل به في نطاق المأمورات، ولأجل هذا جمع بينهما العلامة أبو عبدالله محمد بن أبي بكر ابن أيوب بن قيِّم الجوزية الحنبلي (ت: 751 هـ) رحمه الله في قاعدة واحدةٍ فقال: "لا واجب مع عجزٍ، ولا حرام مع ضرورة".
وهي تُعتَبَر استثناءً من الأصل الذي هو لزوم التكاليف الشرعية للمكلف.
من خلال هذا كلِّه تتَّضح أهمية هذه القاعدة الفقهية، وأنها قاعدة شرعية عظيمة النفع، جليلة القدر، واضحة الحكمة، تتَّصل بقواعد الفقه الكلية ومقاصد الشريعة الإسلامية، ومبادئ الحنيفية السمحة القائمة على التيسير ورفع الحرج عن المكلفين، وبيان أن المكلف يأتي من الواجب بما يقدر عليه، وما يعجز عنه فإنه يسقط عنه، والله عز وجل لا يكلف نفسًا إلا وسعها.
حتى قال الإمام عبد الرؤوف بن علي المناوي (ت: 1031 هـ) رحمه الله: "وجريان شرائع الأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام إنما يستمرُّ عند استحكام هذه القاعدة في الإسلام".
وتظهر أهمية هذه القاعدة أيضا فيما يأتي:
1- هذه القاعدة الفقهية تضبط القاعدة الكلية الكبرى: (المشقة تجلب التيسير)، وتُعتَبَر قيدًا فيها يُعمَل به في نطاق المأمورات، فإذا تعذَّر على المكلَّف القيام ببعض الواجب الذي كُلِّف به وأُمِر، وأمكنه القيام ببعضه وجب عليه القيام بالبعض الممكن، وسقط عنه ما عجز عنه، والله عز وجل لا يُكلِّف نفسًا إلا وسعها.
2- هذه القاعدة الفقهية محلُّ اتفاق بين جمهور أهل العلم من المالكية والشافعية والحنابلة، وأمَّا الحنفية فلم ينصُّوا عليها، ولكنهم قالوا بما دلَّت عليه في جملةٍ من المسائل والأحكام.
3- ألفاظ هذه القاعدة الفقهية عند أهل العلم كثيرة، ولكنها كلها بمعنى واحدٍ يفيد: أن الإنسان لا يُكلَّف إلا بما يقدر عليه ويستطيعه، وأن الميسور لا يسقط بالمعسور.
4 أدلة هذه القاعدة من الكتاب والسنة كثيرة وصريحة وواضحة في إفادة معنى القاعدة المقصود بها شرعًا عند أهل العلم.
5 - مسائل هذه القاعدة وفروعها وتطبيقاتها كثيرة جدًّا، لا يمكن حصرها، وهي في أبواب العبادات أغلب وأكثر، بل عدَّها الإمام أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيِّم الجوزية الحنبلي (ت: 751هـ) رحمه الله قاعدة العبادات، والفقهاء رحمهم الله تعالى يستعملونها كثيرًا في الاستدلال والتعليل بها، مما يدلُّ على أهميتها، ومكانتها في الفقه الإسلامي.
6- لتطبيق هذه القاعدة على الفروع والمسائل الفقهية لا بُدَّ من معرفة نوع العبادة المعجوز عنها، وما هو الأصل فيها وما هو التبع؟ وهل العبادة مقصودة لذاتها أم وجبت على المكلَّف تَبَعًا؟ ونحو ذلك من الضوابط التي سبق بيانها في مبحث شروط القاعدة، والتي يتبيَّن من خلالها: متى يُستَثنَى الفرع من القاعدة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق