اولاالوصية و
احكامها
الحمد لله
والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
فالأصل في
الوصية قول الله _عز وجل_: "كُتِبَ عَلَيْكُمْ
إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ
لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ"
(البقرة:180)،
وأكد ذلك النبي _صلى الله عليه وسلم_ فيما رواه البخاري عن ابن عمر _رضي الله
عنهما_ أن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ قال: "ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي
فيه يبيت ليلتين ولمسلم (ثلاث ليال) إلا ووصيته مكتوبة عنده" متفق عليه.
زاد مسلم: قال ابن عمر: ما مرت علي ليلة منذ
سمعت رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ قال ذلك إلا وعندي وصيتي.
والمراد
بالوصية: العهد بشيء بعد الموت من حق أو واجب.
ومع كونها
مشروعة في الأصل إلا أن لها أربعة أحكام:
1)فقد تكون الوصية واجبة وذلك في كل حق واجب على الموصي ليس
عليه بينة كشهود يشهدون به لصاحبه، فيوصي به خشية أن يجحده الورثة، أو لا يصدقوا
مدعيه، مثل أن تكون عند المرء زكاة لا يعلم بها إلا هو ولا يتمكن من إخراجها في
الوقت الحاضر، أو يكون عليه لآخر دين بسبب اقتراض أو مبايعة بأجل أو شراكة بينهما
في مال ولا بينة لما تقدم.
2)وقد تكون مستحبة وذلك في غير الحقوق الواجبة مما هو مشروع
كالوصية بإنفاق ثلث ماله أو أقل منه في وجوه البر.
3)وقد تكون الوصية مباحة وذلك بالوصية ببعض ماله في الوجوه
المباحة لكنها ليست من وجوه البر التي تبذل فيها الصدقة كهدية لغني.
4)وقد تكون مكروهة أو محرمة وذلك إذا أوصى لجهة غير مباحة
كالوصية لجهة لهو أو عبث، أو الوصية للأضرحة وتشييد القبور، أو الوصية بإقامة
المآتم، أو إقامة الحفلات الغنائية المحرمة، أو الوصية لوارث أو بأكثر من الثلث.
ويشترط لصحة
الوصية ثلاثة شروط:
1)أن يكون المال الموصى به حلالاً؛ فلا تصح الوصية بمال
محرم؛ لقوله _صلى الله عليه وسلم_: "إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً".
2)أن تكون في ثلث ماله أو أقل ولا يجوز بأكثر منه لقوله
_صلى الله عليه وسلم_: "الثلث والثلث كثير"، والمستحب أن يوصي بأقل من
الثلث لأن النبي صلى الله عليه وسلم_ وصفه بأنه كثير، وأوصى أبو بكر بخمس ماله
وقال رضيت بما رضي الله به لنفسه الخمس.
ويتأكد الاستحباب إن كان في ماله ضيق وله ورثة؛
بل ويستحب ترك الوصية إذا كان المال قليلاً لا يكاد يكفي الورثة؛ لأن الأقربين وهم
الورثة أولى بالمعروف، ولقوله _صلى الله عليه وسلم_: "إنك أن تذر ورثتك
أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس" متفق عليه.
3)أن تكون الوصية لغير وارث، لقوله _صلى الله عليه وسلم_: "لا
وصية لوارث" فليس لأحد أن يوصي لولده أو والده أو زوجه، وله أن يوصي لقريب له
لا يرث كأخ مع وجود الابن وهكذا.
وقول النبي _صلى الله عليه وسلم_ في حديث ابن
عمر: "إلا ووصيته مكتوبة عنده" يدل على أنه ينبغي على الموصي العناية
بتوثيق وصيته وحفظ محتواها من خلال أمرين: كتابة الوصية لتوثيقها وعدم الشك في شيء
منها، والثاني: حفظها عنده أو عند من يثق فيه؛ لئلا تضيع.
وقد استحب أهل
العلم أن تصدر الوصية بالبسملة وحمد الله والصلاة على نبيه ثم يقول: (فهذا ما أوصى
به عبد الله والفقير إليه "ويذكر اسمه" أنه يشهد ألا إله إلا الله وحده
لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى
مريم وروح منه، وأن الجنة حق والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله
يبعث من في القبور) وأن تضمن الوصية بتقوى الله والصبر على المصيبة، والله أعلم.
وصلى الله على
نبينا محمد
منقول من موقع
المسلم لفضيلة الشيخ خالد الماجد
************************************************************
ثانياالقصاص و
احكامه
الفرق بين قتل
القصاص والحرابة:
1)أن قتل القصاص يُرجع فيه إلى أولياء القتيل، فلا يقتل الإمام
القاتل إلا بطلب أولياء القتيل وإذنهم؛ لأن الحق لهم.
2)أما في قتل الحرابة فلا يَرجع الإمام إلى أولياء القتيل ولا
يستأذنهم؛ لأن الحق لله، وصيانة للأنفس والأموال من العابثين.
.حكم قتل الصبي
والمجنون:
من قَتل صبياً
أو مجنوناً قُتل به قصاصاً.
وإذا قتل الصبي
أو المجنون أحداً فلا يقاد به، ولكن تجب عليه الدية؛ لأن القاتل مرفوع عنه القلم،
وغير مكلف، وغير مؤاخذ.
وهكذا لو أن غير
المكلف قطع عضواً، أو ضرب شخصاً فأتلف عضواً، فإنه يجب ضمان هذه الجناية، ولا يجب
عليه القصاص.
عَنْ عَلِيٍّ
رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:
«رُفِعَ القَلَمُ عَنْ
ثلاَثةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبيِّ حَتَّى
يَحْتَلِمَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ»
.
أخرجه أحمد وأبو داود.
.عصمة الإنسان:
يكون الإنسان
معصوم الدم بأحد أمرين:
الإيمان..
والأمان.
فالمسلم إيمانه
قد عصم دمه وماله.
وأما العصمة
بالأمان فهي نوعان:
الأول: أمان
مؤبد، وهذا هو عقد الذمة.
الثاني: أمان
مؤقت وهذا هو المستأمن.
وهذا الأمان
بنوعيه يعقده الإمام مع غير المسلمين، فيصبح الذمي بعقد الذمة من مواطني دار
الإسلام لا يجوز الاعتداء عليه.
والأمان المؤقت
يمنحه الإمام لمن أراد دخول دار الإسلام لحاجة، ثم يخرج إلى بلده، فهذا يحرم
الاعتداء عليه.
قال الله تعالى:
{وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ
فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ
بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ } [التوبة: 6].
.أصناف غير المعصومين:
1)الكافر الحربي فلا قصاص على من قتله، سواء قتله في داره، أو في
دار الإسلام إذا دخلها متلصصاً بغير أمان؛ لأنه مهدَر الدم.
2)المستأمن الذمي وهو الكافر الحربي الذي دخل دار الإسلام بأمان
إذا ارتكب جرماً صيَّره مهدَر الدم.
3)المرتد عن الإسلام فمن قتل المرتد عن الإسلام لا قصاص عليه، لكن
يعاقب تعزيراً؛ لافتياته على السلطة العامة.
4)القاتل عمدا فالقاتل عمداً مهدَر الدم، فمن قتله من أولياء
القتيل لا قصاص عليه؛ لأن الحق لهم فقط، ومن قتله من غيرهم فعليه القصاص.
5)قاطع الطريق فلا قصاص على من قتل قطاع الطريق، لكن يعزر،
لافتياته على الحاكم، لأن إقامة الحدود عن طريق الحاكم.
6)الباغي وهو من يخرج على الإمام العادل من البغاة بقوة
السلاح، وله شوكة ومَنَعة، فيُقتل الباغي بالعادل، ولا يُقتل العادل بالباغي؛ لأن
الباغي مهدَر الدم.
7)الزاني المحصن فلا قصاص ولا دية ولا كفارة على من قتل
الزاني المحصن؛ لأنه مباح الدم كالمرتد، ولكن يعزر؛ لافتياته على الحاكم.
.أولياء القتيل:
أولياء الدم
الذين لهم أن يقتصوا أو يعفو هم جميع ورثة المقتول من الرجال والنساء، والكبار
والصغار.
فإن اختاروا
كلهم القصاص وجب القصاص، وإن عفا أحدهم سقط القصاص أيضاً ولو لم يعف الباقون،
وتعيَّن لمن لم يعف نصيبه من الدية.
وإن كثر التحيل
لإسقاط القصاص، وخيف اختلال الأمن بكثرة العفو، اختص العفو بالعصبة من الرجال دون
النساء.
والحكم يدور مع
علته، والضرورة تقدَّر بقدرها.
.أحكام القصاص:
1)يُقتل المسلم إذا قتل مسلماً.. ويقتل الكافر إذا قتل مسلماً أو
كافراً
ولا يُقتل
المسلم إذا قتل كافراً؛ لعدم المكافأة في الدين.
2)يُقتل الكافر الذمي بالكافر الذمي، سواء اتفق دينهما أو اختلف..
ولا يُقتل كافر ذمي بكافر حربي؛ لأنه مباح الدم، فلا عصمة له.
3)يُقتل الكافر المستأمن بالكافر المستأمن؛ للمساواة بينهما.
4)يُقتل الحر بالعبد.. والعبد بالحر.. والسيد بعبده.. والعبد
بسيده.. والذكر بالأنثى.. والأنثى بالذكر.
5)تُقتل الجماعة بالواحد, ويُقتل الواحد بالجماعة؛ سداً للذرائع،
ودفعاً للشر.
وإن طلب بعضهم
القصاص، وبعضهم الدية، فيُقتل الجاني لمن أراد القصاص، ويعطى أولياء القتلى
الآخرون الديات من مال الجاني؛ لأن لكل نفس معصومة حق مستقل.
.كيفية تعيين القاتل
إذا تعدد الجناة:
إذا اعتدى
الجناة على أحد ثم مات فلذلك صور:
الأولى
إذا فوَّت الأول
الحياة على المجني عليه فهو القاتل، كما لو شق بطنه وأخرج ما فيه، ثم جاء آخر
فأجهز عليه، فالقاتل الأول؛ لأنه لا يبقى مع جنايته حياة.
الثانية:
إذا ألقى أحد
شخصاً من شاهق، ثم تلقاه آخر بسيف أو رصاصة فقتله، فالقاتل الثاني؛ لأنه فوت عليه
حياته، لأن الإلقاء يجوز أن يسلم منه.
الثالثة:
إذا قطع شخص يد
المجني عليه من الكوع، ثم جاء آخر فقطعها من المرفق، ثم مات المجني عليه، فالقصاص
عليهما معاً، وإن عفا الأولياء إلى الدية فعليهما معاً دية واحدة.
الرابعة:
إذا اجتمع جماعة
على إنسان فقال أحدهم: أنا أمسكته ليُقتل، والثاني ذبحه، والثالث بقر بطنه،
والرابع أشعل فيه النار، فيقتص منهم جميعاً؛ لاشتراكهم جميعاً في تنفيذ الجريمة.
.حكم سراية الجناية:
إذا اعتدى إنسان
على آخر فقطع أصبعه، ثم سرت الجناية إلى بدنه فمات.
فهذه السراية
لها ثلاثة أحوال:
1)إن كانت السراية بسبب إهمال المجني عليه حيث لم يذهب إلى الطبيب
حتى تسمم الجرح، فالضمان عليه لا على الجاني.
2)إن كانت السراية بسبب إهمال الطبيب أو تجاوزه، فالضمان على
الطبيب؛ لأنه يضمن إذا قصر أو اعتدى.
3)إن كانت السراية بسبب الجناية، فالمجني عليه حضر للطبيب، والطبيب
بذل ما في وسعه، ولكن المرض استفحل، فالضمان على الجاني.
************************************************************
.وظيفة الطب
الطب في الإسلام
له جانبان، إن خرج عنهما فليس بطب:
الأول: إصلاح
الفاسد في الجسد، وهي الأمراض والأسقام التي تصيب الأبدان.
الثاني: بذل
الأسباب التي تَحُول بين الإنسان وبين الوقوع في المرض.
فالأول يسمى
الطب العلاجي.. والثاني يسمى الطب الوقائي.
فإن فعل الطبيب
بالآدمي غير هذين فقد خرج عن الإذن الشرعي، فلا دخل للطبيب في الحياة والموت
والشفاء.
إن أمكنه أن
يداوي فليفعل ما في وسعه، وإن لم يمكنه فليقف ولا يتدخل بين المخلوق وخالقه، فالله
أرحم بعباده من كل رحيم، يرحم سبحانه بهذه الأمراض من يشاء.. ويرفع درجاتهم.. ويعظ
آخرين.. ويزيد في حسنات آخرين.. ويكفِّر سيئات آخرين.. ويبتلي آخرين.. والله حكيم
عليم.
.حكم إنهاء حياة المريض:
إذا كان المريض
ميئوساً من علاجه، فلا يجوز لأحد أن يعطيه إبرة تقضي على حياته ليرتاح من عذاب
المرض.
والبعض يسمي هذا
قتل الرحمة، وهو في الحقيقة ظلم وعدوان، وقتل عمد فيه القصاص.
ومثل ذلك حقن
المواد السامة في جسم المجنون أو المشلول ونحوهما، ليرتاح مما نزل به، ويرتاح منه
أهله.
فهذا كله
وأمثاله من قتل العمد الذي يوجب القصاص، ومن التعدي على حدود الله بقتل خلقه.
1)قال الله تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ
كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ
أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ
أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ
رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي
الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ
[المائدة: 32].
2)وقال الله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ
مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ
عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا } [النساء: 93].
3)وَعَنْ عَبْدِالله رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ
الله صلى الله عليه وسلم: «لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ أَنْ لاَ
إلَهَ إلاّ اللهُ، وَأَنّي رَسُولُ الله، إلاّ بِإِحدَى ثَلاَثٍ: الثّيّبُ
الزَّانِي، وَالنّفْسُ بِالنّفْسِ، وَالتّارِكُ لِدِينِهِ، المُفَارِقُ
لِلْجَمَاعَةِ». متفق عليه.
.حكم إسقاط الجنين:
لا يجوز إسقاط
الحمل في مختلف مراحله إلا لمبرر شرعي.
1)فإن كان الحمل في مدة الأربعين الأولى، وكان في إسقاطه مصلحة
شرعية، أو دفع ضرر متوقَّع، جاز إسقاطه.
2)لا يجوز إسقاط الحمل إذا كان علقة أو مضغة، إلا إذا قررت لجنة
طبية موثوقة أن في بقائه خطر على سلامة أمه.
3)بعد الطور الثالث بعد إكمال أربعة أشهر لا يحل إسقاط الحمل بحال،
إلا إذا قررت تلك اللجنة أن في بقاء الجنين في بطن أمه يسبب موتها؛ دفعاً لأعظم
الضررين بأخفهما.
4)إذا ثبت أن الجنين مشوه تشويهاً غير قابل للعلاج، وأنه إذا ولد
ستكون حياته سيئة وآلاماً عليه وعلى أهله، وكان ذلك قبل تمام أربعة أشهر، وطلب
والديه إسقاطه، جاز ذلك للضرورة.
************************************************************
.شروط استيفاء القصاص:
يشترط لاستيفاء
القصاص ما يلي
1)أن يكون ولي الدم بالغاً عاقلاً حاضراً.
فإن كان صغيراً
أو غائباً حُبس الجاني حتى يبلغ الصغير، ويقدم الغائب، ثم إن شاء اقتص، أو أخذ
الدية، أو عفا وهو الأفضل.
أما المجنون فلا
يُنتظر، لأنه لا يرجى زوال جنونه، فيقوم وليه مقامه.
2)اتفاق جميع أولياء الدم على استيفائه، فإن عفا أحد
الأولياء عن القصاص سقط، وتعينت الدية.
3)أن يؤمن عند الاستيفاء التعدي إلى غير القاتل.
فإذا وجب القصاص
على امرأة حامل لم يقتص منها حتى تضع ولدها، وتسقيه اللبأ، فإن وجد من يرضعه وإلا
أُمهلت حتى تفطمه، ثم اقتص منها.
.من يستوفي القصاص:
ولي المقتول هو
الذي له الحق في استيفاء القصاص.
1)إن كان ولي الدم واحداً فقط، وكان بالغاً عاقلاً قادراً على
استيفاء القصاص بنفسه، مكَّنه الحاكم منه؛ لأنه حقه، وإن لم يتمكن بنفسه استوفى
القصاص الحاكم نيابة عنه.
2)إن كان مستحق القصاص جماعة فلهم أن يوكلوا واحداً منهم في
استيفاء القصاص، ولهم أن يفوضوا الحاكم باستيفائه نيابة عنهم.
3)إن كان مستحق القصاص صغيراً أو مجنوناً، انتظر بلوغ الصغير؛ لأن
الحق له، أما المجنون فيقوم وليه مقامه.
وإن قَتل الصغير
أو المجنون الجاني القاتل فقد استوفى حقه.
4)إن كان من له القصاص جماعة، وفيهم صغير أو غائب، انتظر بلوغ
الصغير، وقدوم الغائب.
5)إذا قتل أحد أولياء الدم الجاني بلا إذن الباقين فلا يجب عليه
القصاص، لكن يضمن من الدية حصة شريكه إن اختار الدية، ويدفعها له من ماله.
6)إذا لم يكن للمقتول وارث فالسلطان وليه في استيفاء القصاص.
7)يجب استئذان الإمام في استيفاء القصاص، ولا يشترط حضور الإمام
عند الاستيفاء، وإن حضر فهو أحسن؛ منعاً للجور، وإظهاراً لجدية ولي الأمر في تنفيذ
أحكام الله، وإذا لم يحضر الإمام أقام من ينوب عنه.
قال الله تعالى:
{وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا
لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا[33]
}
[الإسراء: 33].
.حكم تأجيل استيفاء
القصاص:
1)يجوز لولي المقتول تأجيل استيفاء القصاص بعد ثبوته؛ لأن الحق له.
ولا يجوز إجباره
على سرعة الاستيفاء؛ لاحتمال أن يعفو عن القصاص، أو أخذ الدية.
2)إذا وجب القصاص على امرأة حامل أُمهلت حتى تضع ولدها وترضعه حتى
تفطمه إن لم يوجد من يرضعه.
فإنْ قتلها ولي
الدم وهي حامل فهو آثم، وعليه دية الجنين غُرّة عبد أو أمة.
3)يُحبس القاتل عند تأخر الاستيفاء؛ حفظاً لحق مستحق القصاص، وإن
أحضر القاتل كفيلاً لم يُقبل منه؛ لأنه لا يمكن الاستيفاء من الكفيل إذا هرب
القاتل.
عَنْ عِمْرَانَ
بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ أَتَتْ نَبِيّ الله
صلى الله عليه وسلم، وَهِيَ حُبْلَى مِنَ الزّنَى. فَقَالَتْ: يَا نَبِيّ الله
أَصَبْتُ حَدّاً فَأَقِمْهُ عَلَيّ
.
فَدَعَا نَبِيّ الله؟ وَلِيّهَا، فَقَالَ: «أَحْسِنْ
إلَيْهَا. فَإذَا وَضَعَتْ فَائْتِنِي بِهَا» فَفَعَلَ. فَأَمَرَ بِهَا نَبِيّ
الله؟.
فَشُكّتْ
عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، ثُمّ أَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ، ثُمّ صَلّىَ عَلَيْهَا.
فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: تُصَلّي عَلَيْهَا يَا نَبِيّ الله وَقَدْ زَنَتْ؟ فَقَالَ:
«لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ
لَوَسِعَتْهُمْ، وَهَلْ وَجَدْتَ تَوْبَةً أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا
لله تَعَالَىَ؟». أخرجه مسلم.
.مكان استيفاء القصاص:
يُستوفى القصاص
في الأماكن العامة، والساحات الواسعة، ويقتص من الجاني ولو كان في الحرم.
فإن التجأ
الجاني إلى الكعبة، أو المسجد الحرام، أو غيره من المساجد، أُخرج منه وقتل؛ صيانة
للمساجد من التلوث.
.وقت استيفاء القصاص:
يستوفى القصاص
من الجاني في أي وقت في النهار أو الليل، وفي الحر أو البرد، وفي حال الصحة أو
المرض.
والمرأة الحامل
لا يقتص منها حتى تضع ولدها كما سبق.
ولا يستوفى
القصاص إلا بإذن الإمام أو نائبه.
عَنْ أنَسٍ
رَضيَ اللهُ عَنهُ أنَّ يَهُودِيّاً رَضَّ رَأْسَ جَارِيَةٍ بَيْنَ حَجَرَيْنِ،
قِيلَ: مَنْ فَعَلَ هَذَا بِكِ، أفُلانٌ؟ أفُلانٌ حَتَّى سُمِّيَ اليَهُودِيُّ،
فَأوْمَأتْ بِرَأْسِهَا، فَأخِذَ اليَهُودِيُّ فَاعْتَرَفَ، فَأمَرَ بِهِ النَّبِيُّ
صلى الله عليه وسلم فَرُضَّ رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ. متفق عليه.
.حكم أخذ الدية بدل
القصاص:
يجوز أخذ الدية
بدل القصاص في قتل العمد، ويجوز لولي الدم أخذها في قتل شبه العمد والخطأ، فتؤخذ
وتوزع على ورثة القتيل.
1)إذا كان القاتل غنياً لا تهمه الدية، وهناك فقراء وضعفاء في
قرابة المقتول، فأحب وليه أن يأخذ الدية، ويتصدق بها على الفقراء من أقاربه، فهذا
فيه ثواب عظيم، وإحسان بالصدقة على ذوي رحمه.
2)إن كان أولياء القاتل ضعفاء وفقراء لا يستطيعون تحمل الدية، أو
يكون القاتل عمداً فقيراً لا يستطيع حمل الدية فهنا العفو أفضل وأحسن.
1)قال الله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ
الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ
وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ
بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ
وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ}
[البقرة: 178
2)وقال الله تعالى: {وَإِنْ تَعْفُوا
وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التغابن:
14
.كيفية استيفاء القصاص:
1)إقامة القصاص إذا ثبت واجبة على الإمام أو نائبه إذا طلب أولياء
القتيل ذلك من الإمام.
2)يُستوفى القصاص بإذن الإمام أو نائبه، ويحسن حضوره أو من ينيبه.
3)الأصل في القصاص أن يُقتل الجاني بمثل ما قَتل به المجني عليه.
فلو قتله الجاني
بالسيف، أو الرصاص، أو الحجر، أو النار، أو أغرقه، أو جوَّعه، أو دفنه فمات، فلولي
القتيل قتل الجاني بمثل ما قَتل به.
ويجب استيفاء
القصاص بآلة ماضية من سيف ونحوه.
4)يجب على ولي المقتول أن يحسن إلى الجاني عند استيفاء القصاص،
فيقتص منه بآلة حادة لا يتعذب بها الجاني.
5)يسن تذكير الجاني بالتوبة النصوح، وصلاة لم يؤدها، وديوناً لم
يقضها، والوصية بما له وما عليه.
6)يجب الرفق بالجاني عند سَوْقه إلى مكان الاستيفاء، وستر عورته.
7)من قتل غيره بمحرم كزنا، أو فِعْل فاحشة قوم لوط، أو شُرب خمر،
فلا يقتص منه بمثل فعله، ولكن يقتل بالسيف.
8)لا يجوز أن يعطى الجاني المخدِّر عند القتل، قصاصاً أو حداً، أو
عند القصاص في الأطراف؛ لأن المجني عليه تألم وتضرر، فيجب أن يتألم الجاني ويتضرر؛
ليتحقق العدل، ويحصل الروع.
1)قال الله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ
فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ
لِلصَّابِرِينَ [126
[النحل: 126].
2)وقال الله تعالى: {الشَّهْرُ
الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى
عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا
اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ } [البقرة: 194
3)وَعَنْ شَدّادِ بْنِ أَوْسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ:
ثِنْتَانِ حَفِظْتُهُمَا عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «إنّ اللهَ
كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ، فَإذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا
القِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذّبْحَ، وَلْيُحِدّ أَحَدُكُمْ
شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ». أخرجه مسلم
منقول من موقع
الايمان
************************************************************
ثالثاالصيام و
احكامه
و فيه ستة عشر
مسألة
المسألة الأولى
حكم صيام رمضان
صوم رمضان واجب بدليل الكتاب
والسنة والإجماع ،
أما الكتاب فقول الله عز وجل
يَاأَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ
مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون},
وأما السنة فقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ {بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا
اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ
الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ}متفق عليه , وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَارِزًا يَوْمًا
لِلنَّاسِ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ
{مَا
الْإِيمَانُ قَالَ الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ
وَكُتُبِهِ وَبِلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ قَالَ مَا
الْإِسْلَامُ قَالَ الْإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ
شَيْئًا وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ وَتَصُومَ
رَمَضَانَ} متفق عليه ,
وأما الإجماع
فلم ينقل إلينا عن أحد من المسلمين القول بعدم وجوبه.
*وقد فرض صيام
رمضان في شعبان في السنة الثانية من الهجرة قبل بدر.
المسألة
الثانية: مراحل تشريع صيام شهر رمضان؟
مر تشريع شهر
رمضان بثلاثة مراحل:
المرحلة الأولى
:
إيجابه بوصف
التخيير {من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم} فرخص الله سبحانه وتعالى لمطيق الصيام في
الفطر على أن يطعم على كل يوم مسكيناً ,عن ابْنُ أَبِي لَيْلَى حَدَّثَنَا
أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {نَزَلَ رَمَضَانُ فَشَقَّ
عَلَيْهِمْ فَكَانَ مَنْ أَطْعَمَ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا تَرَكَ الصَّوْمَ
مِمَّنْ يُطِيقُهُ وَرُخِّصَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ فَنَسَخَتْهَا {وَأَنْ تَصُومُوا
خَيْرٌ لَكُمْ} فَأُمِرُوا بِالصَّوْمِ}البخاري معلقاً بصيغة الجزم, وعَنْ يَزِيدَ
مَوْلَى سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ عَنْ سَلَمَةَ قَال{لَمَّا نَزَلَتْ {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}
كَانَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُفْطِرَ وَيَفْتَدِيَ حَتَّى نَزَلَتْ الْآيَةُ الَّتِي
بَعْدَهَا فَنَسَخَتْهَا} متفق عليه
.
المرحلة الثانية
تحتيمية، لكن
كان الصائم إذا نام قبل أن يطعم حرم عليه الطعام والشراب إلى الليلة المقبلة ،
عَنْ الْبَرَاءِ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ {كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَائِمًا فَحَضَرَ الْإِفْطَارُ فَنَامَ قَبْلَ
أَنْ يُفْطِرَ لَمْ يَأْكُلْ لَيْلَتَهُ وَلَا يَوْمَهُ حَتَّى يُمْسِيَ وَإِنَّ
قَيْسَ بْنَ صِرْمَةَ الْأَنْصَارِيَّ كَانَ صَائِمًا فَلَمَّا حَضَرَ
الْإِفْطَارُ أَتَى امْرَأَتَهُ فَقَالَ لَهَا أَعِنْدَكِ طَعَامٌ قَالَتْ لَا
وَلَكِنْ أَنْطَلِقُ فَأَطْلُبُ لَكَ وَكَانَ يَوْمَهُ يَعْمَلُ فَغَلَبَتْهُ
عَيْنَاهُ فَجَاءَتْهُ امْرَأَتُهُ فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ خَيْبَةً لَكَ
فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ غُشِيَ عَلَيْهِ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى
نِسَائِكُمْ} ففرِحُوا بِهَا فَرَحًا شَدِيدًا وَنَزَلَتْ {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ
الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ}
البخاري.
المرتبة الثالثة
:
وهى التي استقر عليها الشرع إلى يوم القيامة
.
********************************************
المسألة
الثالثة: عدد السنوات التي صامها النبي صلى الله عليه وسلم
السنوات التي
صامها النبي صلى الله عليه تسع سنين {لأن رمضان فرض في شعبان في السنة الثانية من
الهجرة وتوفى صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الأول في سنة إحدى عشر من الهجرة}.
********************************************
المسألة
الرابعة: فضائل صيام شهر رمضان؟
اعلم يرعاك الله
أنه :قد جاءت أحاديث كثيرة في فضل شهر رمضان وصيامه منها قوله صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّم {إَذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ
وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ وَسُلْسِلَتْ الشَّيَاطِين} البخاري
. وقوله صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ
يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَدْخُلُ مَعَهُمْ أَحَدٌ
غَيْرُهُمْ يُقَالُ أَيْنَ الصَّائِمُونَ فَيَدْخُلُونَ مِنْهُ فَإِذَا دَخَلَ
آخِرُهُمْ أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ} مسلم .
********************************************
المسألة
الخامسة: حكم صيام رمضان
صيام رمضان واجب
على كل مسلم بالغ عاقل صحيح مقيم ويجب على المرأة أن تكون طاهرة من الحيض والنفاس
.
والصبي الغير
بالغ , والمجنون لا يجب عليهما الصوم لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ {رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ
وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ} صححه
الألباني .
المجنون لا
يلزمه الصيام كما دل على ذلك الحديث السابق , وإذا أفاق لا يلزمه قضاء ما فاته في
الجنون سواء أفاق في رمضان أو بعد رمضان وسواء قلة المدة أو كثرت
, ويستحب له إذا أفاق في نهار رمضان أن يمسك بقية يومه .
والمغمى عليه لا يلزمه الصيام في حالة الإغماء ويلزمه القضاء .
ويستحب صيام
الصبي للتعويد عليه , عَنْ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قَالَتْ {أرْسَلَ
النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الْأَنْصَارِ
مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا
فَليَصُمْ قَالَتْ فَكُنَّا نَصُومُهُ بَعْدُ وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا وَنَجْعَلُ
لَهُمْ اللُّعْبَةَ مِنْ الْعِهْنِ فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ
أَعْطَيْنَاهُ ذَاكَ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الْإِفْطَارِ} متفق عليه
.
فالواجب على ولي
أمر الصبي أن لا يمنع الصبي من الصيام وأن يأمره به ليتعود عليه كما ربى السلف
أبناءهم , وإذا نوى الصبي الصيام من الليل فبلغ في أثناء النهار بالاحتلام أو السن
يتم صيامه ولا قضاء عليه , وإن بلغ وهو مفطر استحب له إمساك بقية اليوم ولا يجب
عليه القضاء .
********************************************
المسألة
السادسة: المسافر والمريض لا يجب عليهما الصيام
المسافر والمريض
لا يجب عليهما الصيام قال الله تعالى {يَاأَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ
مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ
مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}البقرة
.
والأفضل للمسافر
والمريض الصيام إن لم يجدا مشقة وإن وجدا مشقة فالفطر أفضل لهما, والدليل قول أَبِو
سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ { كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَمَضَانَ فَمِنَّا الصَّائِمُ
وَمِنَّا الْمُفْطِرُ فَلَا يَجِدُ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ وَلَا
الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ يَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ قُوَّةً فَصَامَ فَإِنَّ
ذَلِكَ حَسَنٌ وَيَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ ضَعْفًا فَأَفْطَرَ فَإِنَّ ذَلِكَ
حَسَنٌ} صححه الألباني .
وعَنْ عَائِشَةَ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيَّ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَأَصُومُ فِي السَّفَرِ وَكَانَ كَثِيرَ الصِّيَامِ فَقَالَ
{إِنْ شِئْتَ فَصُمْ وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ} البخاري , وقوله صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّم {إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا
كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا}البخاري .وإذا عاد المسافر من سفره أثناء النهار
فلا يجب عليه الإمساك , وكذلك المريض.
********************************************
المسألة
السابعة: صيام الشيخ الكبير والمرأة العجوز والمريض الذي لا يرجى برؤه والحبلى و
المرضع.
من عجز عن
الصيام لكبر أو نحوه أفطر وأطعم عن كل يوم مسكيناً لقوله تعالى
وَعَلَى
الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}البقرة ,ٍ
عَنْ عَطَاءٍ
أنه سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ هذه الآية, فقَالَ ابْنُ عَبَّاس:{ لَيْسَتْ
بِمَنْسُوخَةٍ هُوَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْمَرْأَةُ الْكَبِيرَةُ لَا
يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا فَيُطْعِمَانِ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا}
البخاري ,
وكذلك الحبلى
والمرضع إذا لم تطيقا الصيام أو خافتا على أولادهما فلهما الفطر وعليهما الفدية
,والدليل قول ابن عباس رضي الله عنه { إذا خافت الحامل على نفسها والمرضع على
ولدها في رمضان ,قال : يفطران , ويطعمان مكان كل يوم مسكيناً ولا يقضيان صوما}
صححه الألباني .
ومن عجز عن
الفدية ممن لا يقدر على الصيام وتلزمه الفدية سقطت عنه الفدية وإن أيسر حاله بعد
ذلك , لأنه كان عاجزاً عنها حال التكليف .
********************************************
المسألة
الثامنة: صيام الحائض والنفساء
لا يجب الصيام
على الحائض والنفساء وإن صامتا لم يجزئهما ويجب عليهما القضاء
,
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ
النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ
تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ فَذَلِكَ نُقْصَانُ دِينِهَا} البخاري , وعَنْ مُعَاذَةَ
قَالَتْ سَأَلْتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ
وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ فَقَالَتْ {أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ قُلْتُ لَسْتُ
بِحَرُورِيَّةٍ وَلَكِنِّي أَسْأَلُ قَالَتْ كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فَنُؤْمَرُ
بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ} مسلم وإذا طهرت الحائض
والنفساء في أثناء الصيام فلا يجب عليهما صيام بقية اليوم ,
وإذا طهرت قبل
الفجر ونوت صح صومها ولا يتوقف على الغسل ,
أما المستحاضة فليس لها حكم الحائض والنفساء
ويباح لها الصيام .
********************************************
: المسألة التاسعة:
أركان الصيام
أركان الصيام
ثلاثة ,
الركن الأول :الزمان وينقسم إلى زمن وجوب {شهر
رمضان} و زمن إمساك {أيام رمضان دون لياليهن} ,
الركن الثاني :
الإمساك عن المفطرات
الركن الثالث :
النية
ويجب تثبيت
النية قبل الفجر في الصيام الواجب , لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
{مَنْ لَمْ يُجْمِعْ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ} صححه
الألباني , ومن المعلوم أن كل شخص يقوم آخر الليل ويتسحر فإنه قد أراد الصيام لأن
كل عاقل يفعل الشيء باختياره لا يمكن أن يفعله إلا بإرادة والإرادة هي النية .
أما صيام
النافلة فلا يجب تثبيت النية من الليل , عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ
قَالَتْ {دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ
يَوْمٍ فَقَالَ هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ فَقُلْنَا لَا قَالَ فَإِنِّي إِذَنْ
صَائِمٌ ثُمَّ أَتَانَا يَوْمًا آخَرَ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أُهْدِيَ
لَنَا حَيْسٌ فَقَالَ أَرِينِيهِ فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا فَأَكَلَ} مسلم
.
********************************************
المسألة
العاشرة: بم يثبت دخول شهر رمضان
شهر رمضان يثبت
بأحد الأمور الآتية :
الأمر الأول :
برؤية الهلال من واحد عدل ,عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ {تَرَاءَى النَّاسُ
الْهِلَالَ فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
أَنِّي رَأَيْتُهُ فَصَامَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِالصِّيَامِ
}
صححه الألباني .
وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ
الْخَطَّابِ أَنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَالَ
أَلَا إِنِّي جَالَسْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ وَسَاءَلْتُهُمْ وَإِنَّهُمْ حَدَّثُونِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ{صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ
وَانْسُكُوا لَهَا فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا ثَلَاثِينَ فَإِنْ شَهِدَ
شَاهِدَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا
}
صححه الألباني.
الأمر الثاني:
فإن لم ير الهلال لغيم أو نحوه أتموا عدة شعبان ثلاثين يوما ، عَنْ عَبْدِ
اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ {الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً فَلَا
تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ
ثَلَاثِينَ} البخاري .
وعن مُحَمَّد بْن زِيَادٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا
هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ قَالَ : قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّم {صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُبِّيَ
عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ} البخاري.
********************************************
المسألة الحادية
عشر : بم يثبت خروج شهر رمضان
دخول شهر شوال
{أي خروج شهر رمضان} لا يثبت إلا بشاهدين اثنين وذلك لقوله صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ وَانْسُكُوا
لَهَا فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا ثَلَاثِينَ فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ
فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا} صححه الألباني.
وعن أَمِيرَ مَكَّةَ الْحَارِثُ بْنُ حَاطِبٍ
قَالَ {عَهِدَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ
نَنْسُكَ لِلرُّؤْيَةِ فَإِنْ لَمْ نَرَهُ وَشَهِدَ شَاهِدَا عَدْلٍ نَسَكْنَا
بِشَهَادَتِهِمَا} صححه الألباني .
فخرج عن{الشرط
وهو شهادة اثنين} دخول شهر رمضان بدليل حديث ابْنِ عُمَرَ قَالَ {تَرَاءَى
النَّاسُ الْهِلَالَ فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ أَنِّي رَأَيْتُهُ فَصَامَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِالصِّيَامِ}صححه
الألباني ,
وبقى خروج شهر رمضان حيث لا دليل على جوازه
بشهادة واحد
********************************************
المسألة الثانية
عشر: قت الصيام
أول زمن الإمساك
هو طلوع الفجر الثاني {الفجر الصادق}
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ { الفجر فجران : فجر يحرم فيه الطعام وتحل فيه الصلاة , وفجر تحرم فيه الصلاة
ويحل فيه الطعام} صححه الألباني .
وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ:
{أُنْزِلَتْ { وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى
يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ}
وَلَمْ يَنْزِلْ{مِنْ الْفَجْر}، فَكَانَ رِجَالٌ إِذَا أَرَادُوا الصَّوْمَ
رَبَطَ أَحَدُهُمْ فِي رِجْلِهِ الْخَيْطَ الْأَبْيَضَ وَالْخَيْطَ الْأَسْوَدَ
وَلَمْ يَزَلْ يَأْكُلُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رُؤْيَتُهُمَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ
بَعْدُ {مِنْ الْفَجْرِ} فَعَلِمُوا أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِي اللَّيْلَ
وَالنَّهَار} البخاري .
وعَنْ سَمُرَةَ
بْنِ جُنْدُبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَا يَغُرَّنَّكُمْ مِنْ سَحُورِكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ
وَلَا بَيَاضُ الْأُفُقِ الْمُسْتَطِيلُ هَكَذَا حَتَّى يَسْتَطِيرَ هَكَذَا
وَحَكَاهُ حَمَّادٌ بِيَدَيْهِ قَالَ يَعْنِي مُعْتَرِضًا} مسلم
.
أما آخر الإمساك
فهو غروب الشمس قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم {إِذَا
أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَا هُنَا
وَغَرَبَتْ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَر َالصَّائِمُ} البخاري.
********************************************
المسألة الثالثة
عشر: مبطلات الصيام
مبطلات الصيام
هي الأكل والشرب والقيء عمداً والجماع والحيض والنفاس.
الأكل أو الشرب
عمداً من مبطلات الصيام لقول الله تعالى {وَكُلُوا
وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ
الْأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ}
، أما من أكل أو
شرب ناسياً فصيامه صحيح ولا قضاء عليه ولا كفارة , والدليل قول النَّبِيِّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا وَهُوَ صَائِمٌ فَلْيُتِمَّ
صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ} البخاري
كذا القيء عمداً
مبطل للصيام ويجب عليه قضاء ذلك اليوم , أما إذا غلبه القيء فلا قضاء عليه ولا
كفارة , لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ {مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ وَمَنْ
اسْتَقَاءَ عَمْدًا فَلْيَقْضِ} صححه الألباني.
والجماع في نهار
رمضان مبطل للصيام قال الله تعالى { فَالآنَ
بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى
يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنْ
الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ}.
وعَنْ عَائِشَةَ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ {جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ احْتَرَقْتُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَ قَالَ وَطِئْتُ امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ
نَهَارًا قَالَ تَصَدَّقْ تَصَدَّقْ قَالَ مَا عِنْدِي شَيْءٌ فَأَمَرَهُ أَنْ
يَجْلِسَ فَجَاءَهُ عَرَقَانِ فِيهِمَا طَعَامٌ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ}مسلم .
وكذا الحيض
والنفاس من مبطلات الصيام ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
قَال:َ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ فَذَلِكَ نُقْصَانُ دِينِهَا} البخاري .
قَال:َ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ فَذَلِكَ نُقْصَانُ دِينِهَا} البخاري .
********************************************
المسألة الرابعة
عشر: ما يباح فعله في الصيام
أولايباح للصائم
الاحتجام , والدليل حديثْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُمَا قَالَ {احْتَجَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ
صَائِمٌ} البخاري , غير أنه يكره الحجامة لمن خشي على نفسه الضعف
,
عن ثَابِت
الْبُنَانِيَّ قَالَ سُئِلَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
{أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ الْحِجَامَةَ لِلصَّائِمِ قَالَ لَا إِلَّا مِنْ أَجْلِ
الضَّعْفِ} البخاري.
وحكم التبرع بالدم كحكم الحجامة , فإن خشي
المتبرع من الضعف لم يتبرع بالنهار إلا لضرورة
ثانيا: يباح
للصائم الاغتسال في نهار رمضان للتبرد
عن أَبِي بَكْرِ
بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال {لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ بِالْعَرْجِ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ الْمَاءَ وَهُوَ صَائِمٌ مِنْ
الْعَطَشِ أَوْ مِنْ الْحَرِّ} صححه الألباني.
ثالثا: من أدركه
الفجر وهو جنب فاغتسل بعد الفجر فصيامه صحيح
والدليل حديث
عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ {قَدْ
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ
فِي رَمَضَانَ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ غَيْرِ حُلُمٍ فَيَغْتَسِلُ وَيَصُومُ}
متفق عليه.
رابعا: لا
يكره للصائم التسوك مطلقاً بل هو سنة في حقه كغيره
لأن عموم الأدلة
تدل على سنية السواك في جميع الأوقات , قال النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّم {السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ} البخاري , ولم
يقيد صلى الله عليه وسلم وقت دون آخر بل أطلق الحكم , و الحكم العام يجب إبقاؤه
على عمومه إلا أن يرد مخصص , وليس لهذا العموم مخصص إلا حديث على رضي الله عنه
قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {إذا صمتم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا
بالعشى} وهذا الحديث ضعيف لا يقوم على تخصيص العموم , لأن الضعيف ليس بحجة ولا
يقوى على إثبات الحكم وتخصيص العموم حكم لأنه إخراج لهذا المخصص عن الحكم العام
وإثبات حكم خاص به فيحتاج إلى ثبوت الدليل المخصص وإلا فلا يقبل
خامسا يجوز
للصائم أن يتمضمض ويستنشق من غير المبالغة قال صلى الله عليه وسلم
{وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ
صَائِمًا}صححه الألباني .
سادسا:
يجوز للصائم أن يتذوق الطعام بشرط عدم دخوله للحلق
والدليل قول ابن عباس {لا بأس أن يذوق الخل أو
شيئاً يريد شراءه}صححه الألباني.
********************************************
المسألة الخامسة عشر:
يستحب للصائم فعل بعض الأمور منها.
أولا السحور : والدليل على
استحباب السحور للصائم، قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
{تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً} متفق عليه كما أن في السحور مخالفة
لأهل الكتاب , عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَالَ {فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ
أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ
مسلم.
ووقت السحور من
منتصف الليل إلى طلوع الفجر ، والمستحب تأخيره فعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال
{تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قمنا إلى الصلاة ، قلت : كم كان قدر
ما بينهما : ؟ قال
خمسين آية} متفق
عليه , ويتحقق السحور ولو بجرعة ماء لقوله صلى الله عليه وسلم{تسحروا ولو بجرعة
ماء} صححه الألباني
ومن سمع الأذان
وطعامه أو شرابه في يده فله أن يأكل أو يشرب قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال
{إِذَا سَمِعَ أَحَدُكُمْ النِّدَاءَ وَالْإِنَاءُ عَلَى يَدِهِ فَلَا يَضَعْهُ
حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ} صححه الألباني .
ثانيايستحب علي
الصائم تعجيل الفطور لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ
{لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ} متفق عليه.
ثالثايستحب
للصائم أن يفطر على رطبات فإن لم يكن فعلى تمرات أو على الماء عنَ أَنَسَ
بْنَ مَالِكٍ قال {كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
يُفْطِرُ عَلَى رُطَبَاتٍ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُطَبَاتٌ
فَعَلَى تَمَرَاتٍ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاء} صححه الألباني
رابعا:
يستحب للصائم الدعاء عند الإفطار عن ابْنَ عُمَرَ قَالَ {كَانَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَفْطَرَ قَالَ ذَهَبَ الظَّمَأُ
وَابْتَلَّتْ الْعُرُوقُ وَثَبَتَ الْأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ}صححه الألباني.
********************************************
المسألة السادسة
عشر: كفارة الجماع في نهار رمضان
كفارة الجماع في
نهار رمضان لمن لم يجد العتق شهرين متتابعين ودليل ذلك عن أَبَى هُرَيْرَةَ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ قَالَ {بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْتُ قَالَ
مَالَكَ قَالَ وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا قَالَ لَا
قَالَ فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيـْنِ قَالَ لَا
فَقَالَ فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا قَالَ لَا قَالَ فَمَكَثَ
النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ
أُتِـيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَقٍ فِيهَا تَمْرٌ
وَالْعَرَقُ الْمِكْتَلُ قَالَ أَيْنَ السَّائِلُ فَقَالَ أَنَا
قَالَ خُذْهَا فَتَصَدَّقْ بِهِ فَقَالَ الرَّجُلُ أَعَلَى أَفْقَرَ مِنِّي
يَا رَسُولَ اللَّهِ فَوَاللَّهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا يُرِيدُ الْحَرَّتَيْنِ
أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ
ثُمَّ قَالَ أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ} البخاري
****************************************************************
أحكام الاعتكاف
و فيه ثلاث عشرة
مسألة
المسألة الأولى:
المقصود بالاعتكاف:
الاعتكاف في
اللغة: الحبس والمكث واللزوم. قال تعالى ﴿ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي
أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ ﴾ [الأنبياء: 52]فسمى فعلهم عكوفاً ولو على أصنام.
و في الشرع:
قيل: لبث صائم في مسجد جماعة، بنية
وقيل لزم مسجد
لطاعة الله تعالى من شخص مخصوص على صفة مخصوصة.
قال ابن تيمية:
"لو قيل: لعبادة الله تعالى كان أحسن - أي بدلاً من طاعة الله
-
فإن الطاعة موافقة الأمر، وهذا يكون بما هو في الأصل
عبادة كالصلاة، وبما هو في الأصل غير عبادة، وإنما يصير عبادة بالنية، كالمباحات
كلها بخلاف العبادة فإنها التذلل للإله سبحانه وتعالى"
********************************************
المسألة
الثانية: حكم الاعتكاف
الاعتكاف سنة لا
يجب إلا بالنذر، والأدلة على ذلك ثابتة بالكتاب، والسنة، والإجماع:
أما الكتاب؛
فلقوله تعالى لإبراهيم ﴿ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ
لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴾ ؛ ولقوله
تعالى: ﴿ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ
فِي الْمَسَاجِدِ ﴾.
وأما السنة؛
فلأحاديث الكثيرة، ومنها ما يأتي:
عن أبي سعيد
الخدري - رضي الله عنه -، قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -اعتكف العشر
الأَوَّل من رمضان، ثم اعتكف العشر الأوسط في قُبَّة تركية على سُدَّتها حصير،
قال: فأخذ الحصير بيده فنحَّاها في ناحية القبة، ثم أطْلَعَ رأسه فكلَّم الناس
فدنوا منه، فقال: {إني أعتكف العشر الأوَّل ألتمس هذه الليلة، ثم اعتكفتُ العشر
الأوسط، ثُمَّ أُتيتُ فقيل لي: إنها في العشر الأواخر، فمن أحبَّ منكم أن يعتكف،
فليعتكف}، فاعتكف الناس معه.
حديث أبي هريرة
- رضي الله عنه -، قال: {كان النبي - صلى الله عليه وسلم -يعتكف في كلِّ رمضان
عشرة أيام فَلمّا كان العام الذي قُبض فيه اعتكف عشرين يوماً} وغير ذلك من
الأحاديث الكثيرة التي تدل على سُنِّيَّة الاعتكاف.
وأما الإجماع:
فحكاه الكثير.
قال النووي:
(الاعتكاف سنة بالإجماع، ولا يجب إلا بالنذر بالإجماع
وبالنسبة للمرأة
فجمهور العلماء على أن الاعتكاف مشروع لها أي مسنون إلا ما روي عن القاضي من
الحنابلة أنه كره اعتكاف المرأة الشابة.
********************************************
: المسألة الثالثة:
مقصود الاعتكاف
قال ابن القيم :
"لما كان صلاحُ القلب، واستقامته، على طريق سيره إلى الله تعالى، متوقفاً على
جمعيَّتهِ على الله، ولمِّ شعثه بإقباله بالكلية على الله تعالى؛ فإن شعث القلب لا
يلمُّهُ إلا الإقبال على الله تعالى، وكان فضُولُ الطعام والشراب، وفضول مخالطة الأنام،
وفضول الكلام، وفضول المنام مما يزيده شَعَثاً، ويشتِّتهُ في كلِّ وادٍ، ويقطعه عن
سيره إلى الله تعالى، أو يضعفه، أو يعوقه، ويوقفه: اقتضت رحمة العزيز الرحيم
بعباده أن شرع لهم من الصوم ما يذهب فضول الطعام والشراب، ويستفرغ من القلب أخلاط
الشهوات المعوِّقة له عن سيره إلى الله تعالى، وشرعه بقدر المصلحة بحيث ينتفع به
العبد في دنياه وأخراه، ولا يضرُّه، ولا يقطعه من مصالحه العاجلة والآجلة، وشرع
لهم الاعتكاف الذي مقصوده وروحه عكوف القلب على الله تعالى، وجمعيَّتُه عليه،
والخلوة به، والانقطاع عن الاشتغال بالخلق والاشتغال به وحده سبحانه، بحيث يصير
ذكره، وحبه، والإقبال عليه، في محلِّ هموم القلب وخطراته، فيستولي عليه بدلها،
ويصيرُ الهمُّ كلُّه به، والخطرات كلها بذكره، والتفكر في تحصيل مراضيه، وما
يقرِّب منه، فيصير أُنسه بالله بدلاً من أُنْسِهِ بالخلق، فيَعِده بذلك لأُنسه به
يوم الوحشة في القبور حين لا أنيس له ولا ما يفرح به سواه، فهذا مقصود الاعتكاف
الأعظم" ( زاد المعاد 2/87)
********************************************
: المسألة الرابعة: وقت
الاعتكاف
جمهور العلماء
على أنه في كل وقت مسنون في رمضان وفي غيره، وأفضله في رمضان وآكده في العشر
الأواخر من رمضان.
قال ابن تيمية:
(أنه يستحب أن لا يدع أحد الاعتكاف في العشر الأواخر من شهر رمضان؛لأن النبي - صلى
الله عليه وسلم -داوم عليه وقضاه لمّا فاته، وكل ما واظب عليه رسول الله - صلى
الله عليه وسلم -كان من السُّنن المؤكدة، كقيام الليل [كتاب الصيام، من شرح
العمدة، لابن تيمية، 2/715].
********************************************
المسألة
الخامسة: أقل الاعتكاف
اختلف العلماء
في أقل زمن للاعتكاف على أقوال:
الأول: أن أقل
مدته يوم. وهو رواية عن أبي حنيفة، وبه قال بعض المالكية، ووجه عند الشافعية
الثاني: أن أقل
مدته يوم وليلة. وهو مذهب المالكية. وعشرة أيام في رواية أخرى
الثالث: أن أقل
مدته لحظة. وهو قول أكثر العلماء
والقول أن أقله
يوم أو ليلة أوفق للأدلة فلم يأت في السنة أقل من ذلك، ويناسب مناقشة السلف اشتراط
الصوم، والقول أن أقله لحظة هو أقرب للعموم اللغوي ولو صح كعبادة بهذا المعنى لورد
في السنة، والثابت أنه لم يُنقل أقل من يوم أو ليلة، والله أعلم
********************************************
المسألة
السادسة: متى يدخل المعتكف
اختلفوا على
قولين:
الأول: أنه من
قبل غروب شمس ليلة الحادي والعشرين. وبه قال جمهور أهل العلم.
الثاني
أنه بعد صلاة
الصبح من يوم الحادي والعشرين. وهو رواية عن الإمام أحمد، وبه قال الأوزاعي،
ورواية عن الليث، ومال إليه الصنائعي.
ودليل القول
الأول حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {
إني اعتكف العشر الأول ألتمس هذه الليلة، ثم أعتكف العشر الأوسط، ثم أتيت فقيل لي:
إنها في العشر الأواخر، فمن أحب منكم أن يعتكف فليعتكف، فاعتكف الناس معه}. قال
ابن تيمية عن هذا الحديث: (فقد بيَّن أن من اعتكف العشر الأواخر فإنه يعتكف ليلة
إحدى وعشرين) [كتاب الصيام من شرح عمدة الأحكام، 2/779.]
ودليل القول
الثاني: حديث عائشة قالت: { كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم
-إذا أراد أن يعتكف صلَّى الفجر ثم دخل معتكفه}
متفق عليه، ولكن حمل الجمهور هذا الحديث: (على
أنه - صلى الله عليه وسلم -دخل المعتكف وانقطع فيه، وتخلَّى بنفسه بعد صلاة الصبح،
لا أنَّ ذلك وقت ابتداء الاعتكاف، بل كان من قبل المغرب معتكفاً لابثاً في جملة
المسجد فلما صلَّى الصبح انفرد
[شرح النووي على صحيح مسلم، 8/317- 318.]
وأجيب: بأنّه
صرفٌ للّفظ عن ظاهره بلا دليل، وأيضاً فإن عادته - صلى الله عليه وسلم -أنه لا
يخرج من بيته إلا عند الإقامة[سبل السلام (2/174 ]، ورجح القول الثاني علماء
اللجنة الدائمة (10/411)، و ابن باز (15/442) لظاهر الحديث،
ورأي الجمهور أحوط لكي لا تفوت ليلة الحادي
والعشرين، والله أعلم.
********************************************
المسألة
السابعة: متى يخرج من المعتكف؟
يجوز عند جمهور
أهل العلم من بعد غروب شمس ليلة العيد، ورأى بعض أهل العلم أن الأفضل له أن يمكث
في معتكفه إلى أن يخرج إلى صلاة العيد
********************************************
لمسألة الثامنة:
شروط صحة الاعتكاف
سأذكر شروطاً
متفقاً عليها وشروطاً راجحة وشروطاً مرجوحة:
أولاً
ركن الاعتكاف
شيء واحد، بعض العلماء جعل الأركان أربعة أو خمسة، والصحيح
أن ركن الاعتكاف ركن واحد، وهو اللبث في المسجد، أي لزوم المسجد لطاعة الله جل
وعلا، ولعبادته.
ثانياً:
أما شروط
الاعتكاف المتفق عليه، فأذكر الآن حسب ما لدي خمسة شروط: وهي
الإسلام،
والعقل، والتمييز، والنية، وأن يكون في مسجد).
أما المختلف
فيها والراجح اشتراطها فهي: الطهارة من الحيض والنفاس والجنابة.
هذا شرط على
الراجح وأيضاً إذن السيد للرقيق وإذن الزوج للزوجة هذه شروط راجحة.
ثالثاً: المختلف
فيها وهي مرجوحة: فالصوم أي لا يصح الاعتكاف إلا بصوم
.
و اشتراط الصوم
لصحة الاعتكاف على أقوال:
الأول: عدم
الاشتراط الصوم. وبه قال بعض المالكية، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة، وابن حزم.
الثاني: أنه شرط
لصحة الاعتكاف الواجب دون التطوع. وهو مذهب الحنفية.
الثالث: أنه شرط
لصحة الاعتكاف مطلقاً. وهو مذهب المالكية، وبه قال بعض الشافعية، ورواية عن أحمد
اختارها ابن تيمية وابن القيم.
قال ابن رشد:
(والسبب في اختلافهم أن اعتكاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم
إنما وقع في
رمضان، فمن رأى أن الصوم المقترن باعتكافه هو شرط في الاعتكاف،وإن لم يكن الصوم
للاعتكاف قالا:لابد من الصوم مع الاعتكاف، ومن رأى أنه إنما اتفق ذلك اتفاقاً لا
على أن ذلك كان مقصوداً له عليه الصلاة والسلام في الاعتكاف،
قال:ليس من
الصوم من شرطه،ولذلك أيضاً سبب آخر وهو اقترانه مع الصوم في آية واحدة [بداية
المجتهد 1/317].
ولعل ذكر
الاعتكاف في آيات الصيام له دلالة ولكن لا يكفي لاشتراطه، فقد تكون للاستحباب،
فالراجح - والله أعلم - ما ذهب إليه أهل القول الأول من عدم اشتراط الصوم لصحة
الاعتكاف، مع تأكد استحبابه، والله أعلم
********************************************
المسألة
التاسعة: مكان الاعتكاف:
قال ابن قدامة :
( لا يجوز الاعتكاف إلا في مسجد تقام الجماعة فيه، لأن الجماعة واجبة واعتكاف
الرجل في مسجد لا تقام فيه الجماعة يفضي إلى أحد أمرين: إما ترك الجماعة الواجبة
وإما خروجه إليها فيتكرر ذلك منه كثيراً مع إمكان التحرز منه وذلك مناف للاعتكاف
إذ هو لزوم المُعتكف والإقامة على طاعة الله [المغني 2/156
وقد اشترط بعض
العلماء أن يكون المسجد جامعاً إن كان يتخلل أيام اعتكافه صلاة جمعة.
أفضلها المسجد
الحرام، ثم المسجد النبوي، ثم المسجد الأقصى، فهذه أفضل المساجد بالترتيب، ثم مسجد
جامع، ثم مسجد غير جامع أكثر جماعة، قالوا:ثم ما لا يحوجه لكثرة الخروج أو طول
الخروج
ويصح الاعتكاف
في المصلى الذي يصلي فيه الناس، ويصح في سطح المسجد، ويصح في رحبة المسجد، ويصح في
منارات المسجد، ويصح في الغرف الملحقة بالمسجد وتعد داخل حوش المسجد، وتصح كذلك في
مكتبة المسجد أو مستودع المسجد مادام داخل سور المسجد وملحق بالمسجد وليس منفصلاً
عنه، فكل هذه يصح فيها الاعتكاف، ولا شك أن أفضلها هو في داخل المسجد إلا إن كان
يحول دون ذلك حائل، أو لا يستطيع أن يعتكف الإنسان الاعتكاف الصحيح في داخل
المسجد، وإلا فهو أفضلها خروجاً من الخلاف، وباقي الأماكن مشروعة مع أن في بعضها
خلافاً.
********************************************
المسألة
العاشرة: مبطلات الاعتكاف:
أولاً: الجماع
وهذا محل إجماع كما ذكر ابن المنذر وابن حزم وابن هبيرة ذكروا الإجماع في ذلك.
ثانياً: مباشرة
الزوجة والأمة بشهوة، فإن كان لغير شهوة لم يبطل اعتكافه باتفاق الأئمة.
ثالثاً: إنزال
المني بالمباشرة أو تكرار النظر أو الاستمناء.
رابعاً: الحيض
والنفاس.
خامساً: ذهاب
العقل بسبب شرب مسكر.
سادساً: الردة.
سابعاً:
قطع نية
الاعتكاف بلا تردد فيه، ولو بقي في المسجد بطل اعتكافه، لكن لو علَّقها فقال -
مثلاً -: سأخرج إن شاء الله بعد المغرب لكن لم يخرج فلا يبطل اعتكافه.
ثامناً:الخروج
لغير حاجة :قال ابن حزم: (واتفقوا على أن من خرج من معتكفه في المسجد لغير حاجةٍ،
ولا ضرورة، وبرٍّ أُمِرَ به ونُدِب إليه، فإنَّ اعتكافه قد بطل
ولا يبطل
الاعتكاف بالاحتلام، أو الإنزال بسبب التفكر، والغيبة والنميمة مع إثمهما وعظم
جرمهما لا تُبطل الاعتكاف ولكن تنقص قدره ويأثم صاحبها.
وشروط هذه
المبطلات - كالصيام - : أن يكون عالماً ذاكراً مختاراً
********************************************
: المسألة الحادية عشرة
: مباحات الاعتكاف:
يباح للمعتكف أن
يأكل ويشرب داخل المسجد باتفاق الفقهاء.
يباح أيضاً
للمعتكف أن ينام في المسجد باتفاق الفقهاء.
للمعتكف أن يلزم
بقعة بعينها، قال نافع: وقد أراني عبدالله - رضي الله عنه –
المكان الذي كان
يعتكف فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المسجد"
لبس الثياب
الحسنة والطيب: على قولين: الأول: الإباحة وهو قول الجمهور.
غسل الرأس
وتسريحه ودهنه.وفي معناه أخذ سنن الفطرة: من قص شارب، ونتف إبط، وحلق عانة، وتقليم ظفر،إذ
هي في معنى الغسل والترجيل ولأن هذا من باب النظافة والطهارة،ويشترط : عدم تلويث
المسجد لما روته عائشة ل قالت: "اعتكف مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
امرأة من أزواجه مستحاضة فكانت ترى الحمرة والصفرة، فربما وضعت الطست تحتها وهي
تصلي"
عيادة المريض
والصلاة على الجنازة، إن كانت داخل المسجد - وهو قول الجمهور-،أما إن
كان خارج المسجدفكما تقدم لا يخرج لقربة من القرب إلا بالشرط.
• إذا خرج من المسجد
لعذر من الأعذار فله عيادة المريض والصلاة على الجنازة ما لم يقف لانتظارها أو يعدل عن طريقه إليها.وهو قول جمهور أهل
العلم، جاء في بدائع الصنائع : "ولا يخرج لعيادة مريض ولا لصلاة جنازة ويجوز
أن تحمل الرخصة على ما إذا خرج المعتكف لوجه مباح كحاجة الإنسان أو للجمعة، ثم عاد
مريضاً، أو صلى على جنازة من غير أن يكون خروجه لذلك قصداً وذلك جائز.
يباح للمعتكف أن
يزوره أهله، وغيرهم ممن يريد زيارته، وأن يتحدثوا وبوب البخاري
: باب زيارة المرأة زوجها في اعتكافه
.ودليل ذلك: ما
تقدم من حديث صفية، وفيه زيارة نسائه له - صلى الله عليه وسلم -،وحديثه - صلى الله
عليه وسلم -معهن.
يباح للمعتكف أن
يشهد النكاح، ويؤذن ويقيم ويهني ويعزي ويصلح بين القوم كل ذلك في المسجد، وهذا قول
الجمهور.
للمعتكف أن يأمر
بحاجته كإحضار طعام وشراب ولباس أو شيء من ذلك.
********************************************
المسألة الثانية
عشرة: ما يُكره للمعتكف:
كل ما يؤدي إلى
إبطال الاعتكاف بلا عذر.
كل ما يُخل
بمقصود الاعتكاف ويخرج به عن مقصوده وحكمته، ومن ذلك: الخلطة مع الناس إلا في الصلاة وما
لابد منه، الاسراف في الطعام والشراب، طول النوم
فهدي - صلى الله عليه وسلم -تقليله فكان يترك
النوم في العشر الأواخر،
الكلام إلا فيما
يعني
فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو الذي تحتاجه الأمة - يعتذر حتى عن أصحابه،
البعد عن الهزل
والضحك ومالا ينفعه، وتضييع الأوقات في غير الطاعات.
عقود المعاوضات: كالبيع
والشراء والإجارة والصرف والرهن وعقد الشركة، وحكمها في المسجد: التحريم وعدم الصحة.
وهو مذهب الحنابلة فإن عقدها صح العقد إجماعاً
[تحفة الراكع والساجد ص208، وتحفة الأحوذي 1/267، ونيل الأوطار
2/158]
مع الإثم لحديث
عبدالله بن عمرو بن العاص م أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم
- "نهى عن تناشد الأشعار في المسجد وعن البيع والشراء فيه، وحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - : "من رأيتموه
يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا لا أربح الله تجارتك" أما خارج المسجد
: فيجوز للمعتكف أن يخرج ويشتري مالا بدله منه كقوته وقوت عياله إذا لم يكن أحد
يقوم به غيره. واشترط الحنابلة : أن يكون ذلك في طريقه من غير أن يقف أو يعرج
التكسب بالصنائع
في المسجد: يحرم التكسب بالصنائع في المسجد مطلقاً. وهو
مذهب الحنفية، والحنابلة، وإباحة ذلك يؤدي إلى إخراج المسجد عن مقصوده، ويخل
بحرمته. لكن إذا لم يقصد التكسب وكان يسيراً له أو لغيره فلا بأس كما لو خصف نعله
أو رقع ثوبه[، واستثنى بعض العلماء: ما كان مصلحته عامة للمسلمين كإصلاح آلات
الجهاد فأجازه في المسجد .
********************************************
المسألة الثالثة
عشرة: مسألة: استحباب الخباء:
يستحب للمعتكف
رجلاً كان أو امرأة أن يستتر بشيء.وعليه بوب البخاري : باب الأخبية في المسجد لما
روى أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "اعتكف في قبة تركية على سدتهاقطعة حصير،
ولأنه أخفى لعمله.
ويتأكد في حق
المرأة إذا اعتكفت في مسجد الجماعة؛ لكيلا يراها الرجال، فخير لهم وللنساء أن لا
يرى بعضهم بعضاً
وعند المالكية:
يضرب خباءه في عجز المسجد، أو رحابه؛ لئلا يُضَيِّق، ولأنه أخلى له
************************************************************

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق