قول الله تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) الأنعام/ 121..
وفيها مسائل ثلاث:
مسألة: حكم التسمية على الذبيحة.
أولاً: اختلف العلماء في حكم التسمية عند الذبح على عدة أقوال:
فذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ وَاجِبَةٌ عِنْدَ الذَّبْحِ، لكن إن تركها سهوا أبيحت، واستدلوا على الوجوب بقَوْلِهِ تَعَالَى: ( وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) الأنعام/ 121 .
ورفع الحكم بالسهو بعموم قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ)، رواه ابن ماجه (2034)، وصححه الألباني في "صحيح ابن ماجه.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ إِلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ سُنَّةٌ عِنْدَ الذَّبْحِ.
واستدلوا بما رواه البخاري (5502) : " أَنَّ جَارِيَةً لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ تَرْعَى غَنَمًا لَهُ بِالْجُبَيْلِ الَّذِي بِالسُّوقِ، وَهُوَ بِسَلْعٍ، فَأُصِيبَتْ شَاةٌ، فَكَسَرَتْ حَجَرًا فَذَبَحَتْهَا بِهِ، فَذَكَرُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَهُمْ بِأَكْلِهَا"
وبأنّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ ذَبَائِحَ أَهْل الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ) وَهُمْ لاَ يَذْكُرُونَ التَّسْمِيَةَ.
واستدلوا أيضا بما رواه البيهقي (18890) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (الْمُسْلِمُ يَكْفِيهِ اسْمُهُ، فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يُسَمِّيَ حِينَ يَذْبَحُ فَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللهِ وَلْيَأْكُلْهُ) ولكنه حديث ضعيف، والصواب وقفه على ابن عباس، انظر: "التلخيص الحبير 4/338 "
وردوا على استدلال أصحاب القول الأول بأن قوله تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) محمول عَلَى مَا ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى (أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) الْأَنْعَامِ/ 145.
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج، عَنْ عَطَاءٍ: (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) قَالَ: " يَنْهَى عَنْ ذَبَائِحَ كَانَتْ تَذْبَحُهَا قُرَيْشٌ عَنِ الْأَوْثَانِ، وَيَنْهَى عَنْ ذَبَائِحِ الْمَجُوسِ".
وذهب الظاهرية إلى أنها شرط، ولا تسقط بحال، لا سهوا ولا عمدا ولا جهلا، وهي رواية عن مالك وأحمد، وقول جماعة من السلف، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، واستدلوا بعموم قوله تعالى : ( وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) الأنعام/ 121، وبأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما أنهر الدم وذُكر اسم الله عليه فكُل) متفق عليه.
فشرط لحل الأكل التسمية، ومعلوم أنه إذا فقد الشرط فقد المشروط، فإذا فقدت التسمية فإنه يفقد الحل، كسائر الشروط.
وقد ذكر القرطبي رحمه الله في تفسيره (7/ 75) اختلاف العلماء في ذلك .
ثانيا :الدليل على تحريم أكل ما لم يذكر اسم الله عليه، عند من يقول بوجوبه، أو شرطيته،
هو قوله تعالى : (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ) الأنعام/ 118، مع قوله تعالى : (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) الأنعام/ 121.
قال القرطبي: "فَبَيَّنَ الحالين وأوضح الحكمين. فقول:" لَا تَأْكُلُوا" نَهْيٌ عَلَى التَّحْرِيمِ لَا يَجُوزُ حمله على الكراهة، لتناوله فِي بَعْضِ مُقْتَضَيَاتِهِ الْحَرَامَ الْمَحْضَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَبَعَّضَ، أَيْ يُرَادَ بِهِ التَّحْرِيمُ وَالْكَرَاهَةُ مَعًا، وَهَذَا مِنْ نَفِيسِ الْأُصُولِ، وَأَمَّا النَّاسِي فَلَا خِطَابَ تَوَجَّهَ إِلَيْهِ، إِذْ يَسْتَحِيلُ خِطَابُهُ، فَالشَّرْطُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ". انتهى من "تفسير القرطبي 7/76 .
ثالثا: لم يذكر الله عز وجل ما لم يذكر اسم الله عليه فيما حرم في قوله تعالى : (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ) البقرة/ 173،
وقوله : (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) الأنعام/ 145،
ولكنه ذكره في قوله عز وجل : (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) الأنعام/ 121 .
والأحكام الشرعية تؤخذ من مجموع أدلتها الواردة في الكتاب والسنة، ليس من بعضها دون البعض.
وهذا كما أنه لم يذكر في القرآن تحريم كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، وذكره في السنة، كما رواه مسلم (1934) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَعَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ" . والله تعالى أعلم .
************************************************************
مسألة: حكم الذبائح في المسالخ الحديثة
قرار مجمع الفقه الإسلامي
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
إن مجمع الفقه الإسلامي في اجتماعه الثامن والعشرين الذي انعقد في يوم الثلاثاء 4 ذي الحجة 1421ه الموافق له 27 فبراير 2001م، وبعد المناقشة والتداول في موضوع الذبح بالمسالخ الآلية الحديثة بأم درمان بمشاركة الفقهاء والأطباء والخبراء،
وبعد الاطِّلاع على تقارير اللجان المكلفة بدراسة الموضوع ميدانياً؛ قرَّر ما يلي:
أولاً: كل حيوان يحل أكله لا يجوز أكل شيء منه إلا بالتذكية الشرعية ما عدا السمك وحيوانات البحر والجراد وما في حكم الجراد فإن ذكاته تكون بما يموت به.
والذكاة شرعاً هي السبب الموصّل لحل أكل الحيوان البريِّ. وأنواعها أربعة:
1 – الذبح: ويتحقق بقطع الحلقوم والمريء والودجين، وينبغي أن يُترك جزء من الحلقوم إلى جهة الرأس قدر خاتم. وما يذبح هو: الغنم، والبقر، والطيور ونحوها.
2 – النحر: ويتحقق بطعن في اللّبّة – وهي الوهدة، (الحفرة التي في أسفل العنق)، وما ينحر هو الإبل ونحوها، ويجوز النحر في البقر والذبح أولى.
3 – العقر: ويتحقق بجرح الحيوان غير المقدور عليه بسلاح حاد أو نري في أي جزء من بدنه، سواء الوحشي المباح صيده، والمتوحِّش من الحيوانات المستأنسة مما يحل أكله، فإن أُدرك المعقور حياً وجب ذبحه أو نحره.
4 – ما يموت به: وهذا النوع يكون في الجراد ونحوه من خشاش الأرض.
ثانياً: تكون التذكية شرعية بالشروط الآتية:
1 – أن يكون المذكي مميزاً مسلماً أو كتابياً، فلا تحل لنا ذبائح المشركين والوثنيين والملحدين والمرتدين والمجوس لقوله - صلى الله عليه وسلم – في المجوس: " سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم ".
2 – أن يذكر المذكي المسلم اسم الله تعالى ما لم يكن ناسياً أو عاجزاً عن التسمية فتحل ذبيحته، أما إذا كان المذكي كتابياً فلا تشترط التسمية في حقه؛ لأن التسمية قربة وهو ليس من أهل القربة.
3 – أن تكون الآلة التي تتم بها التذكية حادة تقطع وتفري سواء أكانت من الحديد أم من غيره مما ينهر الدم إلا السن والظفر لحديث النبي – صلى الله عليه وسلم – الذي في صحيح مسلم: "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكُل، ليس السن والظفر "
فلا تحل المنخنقة بفعلها أو بفعل غيرها، ولا الموقوذة، وهي التي أزهقت روحها بضربها بمثقَّل أو ناريِّ ( حجر أو هراوة أو بندقية أو نحوها )، ولا المتردية: وهي التي تموت بسقوطها من مكان عال، أو بوقوعها في حفرة، ولا النطيحة: وهي التي توت بنطح غيرها لها، ولا ما أكل السبع: وهو ما افترسه شيء من السباع أو الطيور الجارحة غير المعلمة.
ثالثاً: الأصل في التذكية الشرعية أن تكون من غير تدويخ للحيوان، إلا عند العجز عن السيطرة عليه إلا بتدويخه، فتجوز تذكيته بعد التدويخ بشرط ألا يؤدي التدويخ إلى موته لو ترك.
ويوصي المجمع القائمين على أمر الذبح والتذكية تحري أفضل الطرق السيطرة على الحيوانات المعجوز عن السيطرة عليها رعاية للإحسان الذي أمرنا الله تعالى به في كل شيء.
رابعاً: للتذكية آداب يحسن التزامها قبل الذبح وفي أثنائه وبعده، رفقاً بالحيوان وإحساناً ورحمة به: فلا تحدّ الشفرة أمام الحيوان المراد ذبحه، ولا يذكِّى بآلة غير حادة، ولا يذبح بحضرة حيوان آخر، ولا يسلخ، ولا يغطس في الماء الحار، ولا ينتف ريشه قبل أن يبرد ويسكن ويتأكد من زهوق روحه.
خامساً: الذبح الذي يتم في المسالخ الحديثة حلال طيب ما دام يراعى فيه ما تقدم من الشروط والأحكام.
.. والله تعالى الموفق إلى الخير والصواب ..
(وثيقة رقم 282)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق