السبت، 14 أبريل 2018

الجزء العاشر - الربع الخامس - الأحكام الفقهية



قال تعالى 
( وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ )

الإسلام لم يحرم كنز المال مطلقا ، وإنما ورد التحريم والوعيد الشديد على صاحب الكنز إذا لم يؤد زكاته ، وأما إن أدى الزكاة ، فليس بصاحب كنز مذموم .

روى أبو داود (1564) عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( مَا بَلَغَ أَنْ تُؤَدَّى زَكَاتُهُ فَزُكِّيَ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ ) وحسنه الألباني في صحيح أبي داود .

وروى البخاري (1404) عَنْ خَالِدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ : أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ : ( وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) قَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : مَنْ كَنَزَهَا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهَا فَوَيْلٌ لَهُ ، إِنَّمَا كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تُنْزَلَ الزَّكَاةُ ، فَلَمَّا أُنْزِلَتْ جَعَلَهَا اللَّهُ طُهْرًا لِلْأَمْوَالِ .

وروى مالك في الموطأ (595) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَهُوَ يُسْأَلُ عَنْ الْكَنْزِ مَا هُوَ ؟ فَقَالَ : هُوَ الْمَالُ الَّذِي لَا تُؤَدَّى مِنْهُ الزَّكَاةُ .

قال ابن كثير رحمه الله في تفسير آية التوبة : " وأما الكنز
فقال مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر : هو المال الذي لا يؤدى زكاته . وروى الثوري وغيره عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال : ما أدي زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين ، وما كان ظاهراً لا تؤدى زكاته فهو كنز ، وقد روي هذا عن ابن عباس وجابر وأبي هريرة موقوفاً ومرفوعاً ، وقال عمر بن الخطاب نحوه : أيما مال أديت زكاته فليس بكنز ، وإن كان مدفوناً في الأرض ، وأيما مال لم تؤد زكاته فهو كنز يكوى به صاحبه وإن كان على وجه الأرض " انتهى

فتبين بهذا أن الكنز المذموم هو الذي لا تؤدى زكاته ، وأما ما كان دون النصاب ، أو بلغ النصاب وأديت زكاته فليس بكنز .
وبهذا يتبيّن أن الإسلام لم يحرم كنز المال وإنما حرّم عدم إيتاء الزكاة .
والله أعلم .
************************************************************
قال الله تعالى : (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ)

الأشهر الحرم أربعة أشهر ، وهي : رجب ، وذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم
وورى البخاري (3197) ومسلم (1679) عن أبي بكرة رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ خطب الناس يوم النحر في حجة الوداع ، فكان مما قال : (إِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا ، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ : ذُو الْقَعْدَةِ ، وَذُو الْحِجَّةِ ، وَالْمُحَرَّمُ ، وَرَجَبٌ ، شَهْرُ مُضَرَ ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ) .

قال الشيخ السعدي رحمه الله في تفسيره (ص336) :
"(مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ) وهي: رجب الفرد، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، وسميت حرما لزيادة حرمتها، وتحريم القتال فيها.
(فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) يحتمل أن الضمير يعود إلى الاثنى عشر شهرا، وأن اللّه تعالى بين أنه جعلها مقادير للعباد، وأن تعمر بطاعته، ويشكر اللّه تعالى على مِنَّتِهِ بها، وتقييضها لمصالح العباد، فلتحذروا من ظلم أنفسكم فيها.
ويحتمل أن الضمير يعود إلى الأربعة الحرم، وأن هذا نهي لهم عن الظلم فيها، خصوصا مع النهي عن الظلم كل وقت، لزيادة تحريمها، وكون الظلم فيها أشد منه في غيرها.
ومن ذلك النهي عن القتال فيها، على قول من قال: إن القتال في الأشهر الحرام لم ينسخ تحريمه ، عملا بالنصوص العامة في تحريم القتال فيها" انتهى .

وقال القرطبي رحمه الله :
"قوله تعالى: (فلا تظلموا فيهن أنفسكم) على قول ابن عباس راجع إلى جميع الشهور.
وعلى قول بعضهم إلى الأشهر الحرم خاصة، لأنه إليها أقرب ، ولها مزية في تعظيم الظلم، لقوله تعالى: (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج)[ البقرة: 197 ] لا أن الظلم في غير هذه الأيام جائز على ما نبينه.

ثم قيل: في الظلم قولان: أحدهما : لا تظلموا فيهن أنفسكم بالقتال، ثم نسخ بإباحة القتال في جميع الشهور.

الثاني : لا تظلموا فيهن أنفسكم بارتكاب الذنوب" انتهى من "تفسير القرطبي" (8/134) .
وقال الألوسي :
" والجمهور على أن حرمة المقاتلة فيهن منسوخة ، وأن الظلم مؤول بارتكاب المعاصي ، وتخصيصها بالنهي عن ارتكاب ذلك فيها ، مع أن الارتكاب منهي عنه مطلقا لتعظيمها ، ولله سبحانه أن يميز بعض الأوقات على بعض ، فارتكاب المعصية فيهن أعظم وزرا كارتكابها في الحرم وحال الإحرام" انتهى من "روح المعاني" (10/91) .

القتال في الأشهر الحرم له حالان :
الأولى : أن يكون قتال دفع ، بمعنى أن يبتدئ المعتدون القتال في الأشهر الحرم ، فيجوز للمسلمين قتال هؤلاء المعتدين باتفاق العلماء .

قال ابن مفلح رحمه الله : " وَيَجُوزُ القتال في الشهر الحرام دفعا ، إجماعا " انتهى من "الفروع" (10/ 47) . وانظر : "زاد المعاد" (3/ 301).

الحال الثانية : أن يكون قتال ابتداء ، بمعنى أن يبتدئ المسلمون القتال في الأشهر الحرم : فذهب جمهور العلماء إلى أن تحريم بدء القتال في الأشهر الحرم : منسوخ .
وذهب آخرون إلى أنه غير منسوخ ؛ لقوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ ) المائدة/ 2 ، ولما رواه أحمد (14583) عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: ( لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْزُو فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ إِلَّا أَنْ يُغْزَى - أَوْ يُغْزَوْا - فَإِذَا حَضَرَ ذَاكَ، أَقَامَ حَتَّى يَنْسَلِخَ ) وصححه محققو المسند .

قال ابن كثير رحمه الله :
" اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَحْرِيمِ ابْتِدَاءِ الْقِتَالِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ: هَلْ هُوَ مَنْسُوخٌ أَوْ مُحْكَمٌ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا -وَهُوَ الْأَشْهَرُ: أَنَّهُ مَنْسُوخٌ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: (فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) وَأَمَرَ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ، وَظَاهِرُ السِّيَاقِ مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ أَمَرَ بِذَلِكَ أَمْرًا عَامًّا، فَلَوْ كان محرما فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ لَأَوْشَكَ أَنْ يُقَيِّدَهُ بِانْسِلَاخِهَا؛ وَلِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاصَرَ أَهْلَ الطَّائِفِ فِي شَهْرٍ حَرَامٍ -وَهُوَ ذُو الْقَعْدَةِ -كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: (أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى هَوَازِنَ فِي شَوَّالَ، فَلَمَّا كَسَرَهُمْ وَاسْتَفَاءَ أَمْوَالَهُمْ، وَرَجَعَ فَلُّهم، فَلَجَئُوا إِلَى الطَّائِفِ -عَمد إِلَى الطَّائِفِ فَحَاصَرَهَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَانْصَرَفَ وَلَمْ يَفْتَتِحْهَا) فَثَبَتَ أَنَّهُ حَاصَرَ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ.

وَالْقَوْلُ الْآخَرُ: أَنَّ ابْتِدَاءَ الْقِتَالِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ حَرَامٌ، وَأَنَّهُ لَمْ يُنْسَخْ تَحْرِيمَ الْحَرَامِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ) وَقَالَ: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) الْآيَةَ

وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ عَمَّا قَبْلَهُ، وَأَنَّهُ حُكْمٌ مُسْتَأْنَفٌ، وَيَكُونُ مِنْ بَابِ التَّهْيِيجِ وَالتَّحْضِيضِ، أَيْ: كَمَا يَجْتَمِعُونَ لِحَرْبِكُمْ إِذَا حَارَبُوكُمْ ، فَاجْتَمِعُوا أَنْتُمْ أَيْضًا لَهُمْ إِذَا حَارَبْتُمُوهُمْ، وَقَاتِلُوهُمْ بِنَظِيرِ مَا يَفْعَلُونَ.

وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَذِنَ للمؤمنين بقتال الْمُشْرِكِينَ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ إِذَا كَانَتِ الْبُدَاءَةُ مِنْهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ) وَقَالَ تَعَالَى: (وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ) الْآيَةَ .

وَهَكَذَا الْجَوَابُ عَنْ حِصَارِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَ الطَّائِفِ، وَاسْتِصْحَابِهِ الْحِصَارَ إِلَى أَنْ دَخَلَ الشَّهْرُ الْحَرَامُ، فَإِنَّهُ مِنْ تَتِمَّةِ قِتَالِ هَوَازِنَ وَأَحْلَافِهَا مِنْ ثَقِيفٍ، فَإِنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ ابْتَدَءُوا الْقِتَالَ، وَجَمَعُوا الرِّجَالَ، وَدَعَوْا إِلَى الْحَرْبِ وَالنِّزَالِ، فَعِنْدَها قَصَدَهُمْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا تَقَدَّمَ، فَلَمَّا تَحَصَّنُوا بِالطَّائِفِ ذَهَبَ إِلَيْهِمْ لِيُنْزِلَهُمْ مِنْ حُصُونِهِمْ، فَنَالُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَتَلُوا جَمَاعَةً، وَاسْتَمَرَّ الْحِصَارُ بِالْمَجَانِيقِ وَغَيْرِهَا قَرِيبًا مِنْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا. وَكَانَ ابْتِدَاؤُهُ فِي شَهْرٍ حَلَالٍ، وَدَخَلَ الشَّهْرُ الْحَرَامُ، فَاسْتَمَرَّ فِيهِ أَيَّامًا، ثُمَّ قَفَلَ عَنْهُمْ ، لِأَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِي الدَّوَامِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الِابْتِدَاءِ، وَهَذَا هُوَ أَمْرٌ مُقَرَّرٌ، وَلَهُ نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ " انتهى من "تفسير ابن كثير" (4/ 149-150).

قال ابن القيم رحمه الله :
" ... وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ، وَهِيَ مِنْ آخِرِ الْقُرْآنِ نُزُولًا، وَلَيْسَ فِيهَا مَنْسُوخٌ: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ) .
وَقَالَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) ؛ فَهَاتَانِ آيَتَانِ مَدَنِيَّتَانِ بَيْنَهُمَا فِي النُّزُولِ نَحْوُ ثَمَانِيَةِ أَعْوَامٍ، وَلَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا سُنَّةِ رَسُولِهِ نَاسِخٌ لِحُكْمِهِمَا، وَلَا أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى نَسْخِهِ .

وَمَنِ اسْتَدَلَّ عَلَى نَسْخِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً) وَنَحْوِهَا مِنَ الْعُمُومَاتِ، فَقَدِ اسْتَدَلَّ عَلَى النَّسْخِ بِمَا لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ .

وَمَنِ اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ أبا عامر ، فِي سِرِّيَّةٍ إِلَى أَوْطَاسٍ ، فِي ذِي الْقَعْدَةِ، فَقَدِ اسْتَدَلَّ بِغَيْرِ دَلِيلٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ تَمَامِ الْغَزْوَةِ الَّتِي بَدَأَ فِيهَا الْمُشْرِكُونَ بِالْقِتَالِ، وَلَمْ يَكُنِ ابْتِدَاءً مِنْهُ لِقِتَالِهِمْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ " انتهى من "زاد المعاد" (3/ 301-303).

وقال الشيخ ابن باز رحمه الله :
" اختلف العلماء هل حرمة القتال فيها باقية أو نسخت؟ على قولين: الجمهور على أنها نسخت وأن تحريم القتال فيها نسخ، وقول آخر: أنها باقية ولم تنسخ ، وأن التحريم فيها باقي ولا يزال، وهذا القول أظهر من جهة الدليل " انتهى من "مجموع فتاوى ابن باز" (18/ 433).

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :
" القول الراجح من أقوال العلماء: أنه لا يجوز القتال فيها ، إلا ما كان دفاعاً ، أو كان قد انعقدت أسبابه من قبل، بمعنى: أنه لا يجوز أن نبدأ قتال الكفار في هذه الأشهر الحرم، إلا إذا كان دفاعاً، بمعنى أنهم هم الذين بدءونا في القتال، أو كان ذلك امتداداً لقتال سابق على هذه الأشهر " انتهى من "اللقاء الشهري" (27/ 3) بترقيم الشاملة.

ثانيا :
على القول بنسخ القتال في الأشهر الحرم . فالمنسوخ هو القتال فقط ، أما تعظيمها وتعظيم الذنوب فيها فهو باق ، وقد ورد في حديث رواه أبو داود استحباب الصيام فيها ، إلا أن إسناده ضعيف .

قال عز و جل : «إِنَّمَا النَّسِي‏ءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَاحَرَّمَ اللّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ»

النّسي‏ء في اللغة بمعنى تأخّر الشي‏ء ودفعه عن وقته، واستعمل في الاصطلاح فيما فعله العرب في الجاهلية من تأخير بعض أشهر الحرم، وذلك لأنّهم لمّا كانوا أصحاب غارات و حروب وكان يصعب عليهم إيقاف القتال ثلاثة أشهر متّصلة ، كانوا يؤخّرون تحريم المحرّم إلى صفر ، فيحرّمونه ويستحلّون المحرّم، وهو الذي كانوا يعبّرون عنه بالنسي‏ء، وهو ما حرّمه الإسلام

فإن السنة التي حج فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع هي السنة التي وصل ذو الحجة إلى موضعه الأصلي بعد تغييره من أهل الجاهلية بالنسيء؛ وذلك لما جاء في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع: إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان.

قال الحافظ في الفتح: ووقع في حديث ابن عمر عند ابن مردويه أن الزمان قد استدار فهو اليوم كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض.. فمعنى الحديث أن الأشهر رجعت إلى ما كانت عليه وبطل النسيء.

وعلى هذا، فإن ذلك كان في السنة العاشرة التي حج فيها نبينا - صلى الله عليه وسلم - حجة الوداع.

وقال النووي في شرح مسلم: وأما قوله صلى الله عليه وسلم: إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض؛ فقال العلماء: معناه أنهم في الجاهلية يتمسكون بملة إبراهيم صلى الله عليه وسلم في تحريم الأشهر الحرم وكان يشق عليهم تأخير القتال ثلاثة أشهر متواليات، فكانوا إذا احتاجوا إلى قتال أخروا تحريم المحرم إلى الشهر الذي بعده وهو صفر ثم يؤخرونه في السنة الأخرى إلى شهر آخر، وهكذا يفعلون في سنة بعد سنة حتى اختلط عليهم الأمر، وصادفت حجة النبي صلى الله عليه وسلم تحريمهم وقد تطابق الشرع، وكانوا في تلك السنة قد حرموا ذا الحجة لموافقة الحساب الذي ذكرناه، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الاستدارة صادفت ما حكم الله تعالى به يوم خلق السماوات والأرض. وقال أبو عبيد كانوا ينسئون أي يؤخرون وهو الذي قال الله تعالى فيه: إنما النسيء زيادة في الكفر. فربما احتاجوا إلى الحرب في المحرم فيؤخرون تحريمه إلى صفر ثم يؤخرون صفر في سنة أخرى فصادف تلك السنة رجوع المحرم إلى موضعه.انتهى

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق