الخميس، 2 أبريل 2020

الجزء الثامن عشر - الربع الأول - الأحكام الفقهية



الخشوع في الصلاة


قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾ [المؤمنون: 1، 2]، فلما ذَكَر بقيَّةَ صفاتهم، ذَكَر جزاءهم، فقال: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [المؤمنون: 10، 11].


قال الحَسَن البصريُّ رَحِمَه اللهُ في قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾، قال: كان خشوعُهم في قلوبهم، فغَضُّوا بذلك أبصارَهم، وخفضوا لذلك الجَناح.

 قال ابن القيم: "علَّق اللهُ فلاحَ المُصَلِّين بالخشوع في صلاتهم، فدلَّ على أنَّ مَن لم يَخْشَعْ فليس مِن أهل الفلَاح، ولو اعتدَّ له بها ثوابًا، لكان مِن المفلحين".
 والخشوع يأتي بِمَعْنَى لِينِ القلبِ، ورقَّتِه، وسُكونِه، فإذا خَشَعَ القَلبُ تَبِعَه خشوعُ الجوارح؛ لأنَّها تابعةٌ له؛ عنِ النُّعمان بن بشير رضِيَ الله عنه؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ألا وإنَّ في الجسَد مُضْغةً، إذا صَلَحَتْ صَلَح الجسَدُ كلُّه، وإذا فسَدَتْ فسَدَ الجسَدُ كله، ألا وهي القلب)).

 ولذلك كان النبي صلَّى الله عليه وسلم في صلاته يقول: ((خَشَعَ لكَ سمعي، وبصري، ومُخِّي، وعَظمي، وعصبي)).


عن عوف بن مالك رضي الله عنه قال: "بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاتَ يوم، فَنَظَر في السماء، ثم قال: ((هذا أوانُ العِلْم أن يُرْفَع))، فقال له رجلٌ مِن الأنصار، يُقال له: زياد بن لبيد: "أيُرْفَع العِلْمُ يا رسول الله، وفينا كتابُ اللهِ، وقد عَلَّمْناه أبناءَنا ونساءَنا؟!"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنْ كنتُ لأظنُّك مِن أفقهِ أهلِ المدينة))، ثم ذَكر ضلالةَ أهلِ الكتابيْن وعندهما ما عندهما مِن كتاب الله عز وجل، فلقِيَ جُبيرُ بنُ نُفيرٍ شدَّادَ بْنَ أَوْسٍ بِالمُصَلَّى، فَحَدَّثَهُ هذا الحديثَ عن عوف بن مالك، قال: صَدَقَ عوفٌ، ثم قال: "فهل تدري ما رَفْعُ العِلْم؟"، قال: قلتُ: لا أدري، قال: ذَهاب أَوْعِيَتِهِ، قال: وهل تدري أيُّ العِلْم أوَّلُ أن يُرْفَع؟ قال : فقلتُ: لا أدري، قال: "الخشوع، حتى لا تكاد ترى خاشعًا"
 فإذا دخل المصلِّي المسجدَ بَدَأَتِ الوساوسُ، والأفكارُ، والانشغالُ بأمور الدنيا في ذِهْنِه، فما يَشعُر إلا وقد انتهى الإمامُ مِن صلاته، وحينئذٍ يَتحسَّر على صلاتِه التي لم يَخشَع فيها، ولم يَذُقْ حلاوتَها، وإنما كانت مجرَّدَ حركاتٍ وتمتمات؛ كالجسد بلا روح.


قال ابن القيم رحمه الله: "صلاةٌ بلا خشوعٍ ولا حضورٍ؛ كبَدَنٍ ميِّتٍ لا رُوحَ فيهِ، أفلا يَسْتَحْيِي العَبْدُ أنْ يُهديَ إلى مخلوقٍ مثلِه عبدًا ميِّتًا، أو جاريةً ميتة؟ فما ظنُّ هذا العبد أن تَقَعَ تلك الهَديَّةُ مِمَّن قَصَدَهُ بها مِن مَلِكٍ، أو أميرٍ، أو غيرِه؟! فهكذا سواءً الصلاةُ الخالية عن الخشوع والحضور، وجمْعِ الهِمَّة على الله تعالى فيها بمنزلة هذا العبد - أو الأَمَة - الميت، الذي يُريد إهداءَه إلى بعضِ الملوك؛ ولهذا لا يَقبَلها الله تعالى منه، وإنْ أَسْقَطَتِ الفرضَ في أحكام الدنيا، ولا يُثِيبُه عليها؛ فإنه ليس للعبد مِن صلاته إلا ما عقَلَ منها" اهـ
 قال بعضُهم: إنَّ الرجُلَيْنِ لَيكونانِ في الصَّلاةِ، وإنَّ ما بَيْنَهُما كما بين السماء والأرض.
 وعن عمَّار بن ياسر رَضِيَ الله عنه؛ أنَّ النبي صَلَّى الله عليه وسلم قال: ((وإنَّ الرجُل لَينصَرف وما كُتِبَ له إلا عُشْرُ صلاتِه، تُسعُها، ثُمنُها، سُبعُها، سُدسُها، خُمسُها، رُبعُها، ثُلثُها، نِصفُها))

 والخشوعُ في الصلاة إنما يحصُل لِمَن فَرَّغَ قلبَه لها، واشتَغَل بها عمَّا عَدَاها، وآثرَها على غيرها، وحينئذٍ تكون له قُرَّةَ عيْن؛ عن أنس رضي الله عنه؛ أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: ((حُبِّبَ إليَّ مِن الدُّنيا النساءُ والطِّيب، وجُعِلَتْ قُرَّةُ عيني في الصلاة)؛ بل إنه عليه الصلاة والسلام كان إذا حَزَبَهُ أمْرٌ صَلَّى، وكانَ يقولُ: ((قُمْ يا بلال، فَأَرِحْنا بِالصلاة)).


منَ الأُمُور التي تُعين على الخُشُوع في الصلاة:
أولًا: أنْ يَسْتَحْضِرَ المُسْلِمُ عَظَمَةَ البارِي سبحانه وتعالى، وأنه واقفٌ بين يَدَيْ جبارِ السماوات والأرض، قال تعالى: ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [الزمر: 67].

ثانيًا: أن يَنظرَ المسلمُ إلى موضع السجود، ولا يَلتفتَ في صلاته؛ عن أبي ذر رضي الله عنه؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يزال اللهُ مُقْبِلًا على العبد في صلاته، ما لم يلتفت، فإذا صَرَفَ وَجْهَهُ، انصرف عنه))

 ثالثًا: تدبُّر القُرْآنِ الكريم والأذكار التي يقولها في صلاته؛ قال تعالى: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ [محمد: 24].
فإذا تدبَّر المسلمُ أذكارَ الركوعِ والسجود، وغيرَها منَ الأذكار، كان ذلك أوعَى للقلب، وأقربَ للخُشُوع.

رابعًا: ذكْر الموتِ في الصلاة؛ عن أبي أيوب رضي الله عنه؛ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا قُمْتَ في صلاتكَ، فصلِّ صلاةَ مُوَدِّع))


خامسًا: أن يُهَيِّئ المصلِّي نفسَه، فلا يُصلِّي وهو حاقِنٌ، ولا بحضْرة طعامٍ، قال صلى الله عليه وسلم: ((لا صلاةَ بحضْرَةِ الطَّعامِ، ولا وهو يُدافعُه الأَخْبَثَانِ))، وأن يُزيل كلَّ ما يَشغله في صلاته منَ الزخارف والصوَر ونحوها؛ عن عائشة رضي الله عنها قالت: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي في خَمِيصَةٍ ذاتِ أعلامٍ، فنظر إلى عَلَمِها، فلما قَضَى صلاته قال: ((اذهَبوا بهذه الخميصة إلى أبي جَهْمِ بنِ حذيفةَ، وائتوني بأَنْبِجَانِيِّه؛ فإنها أَلْهَتْنِي آنفًا في صَلاتي)).

سادسًا: مُجَاهَدَة النفْس في الخُشُوع، فالخُشُوع ليس بالأمر السَّهْل، فلا بدَّ منَ الصبر والمجاهدة؛ قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [العنكبوت: 69]، ومع الاستمرار والمجاهدة يَسْهُل الخُشُوعُ في الصلاة.

سابعًا: استحضار الثوابِ المُتَرَتِّب على الخشوع؛ عن عثمان رضي الله عنه؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما مِن امرئٍ مسلم تَحْضُره صلاةٌ مكتوبة، فيُحسِن وضوءها، وخشوعَها، وركوعَها، إلا كانتْ كفَّارةً لما قبْلها منَ الذنوب، ما لم يُؤت كبيرة، وذلك الدهرَ كلَّه))


وكان النبي صلى الله عليه وسلم مِن أكثرِ الناسِ خشوعًا في الصلاة؛ قال عبد الله بن الشِّخِّير: "رأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم يُصلِّي، وفي صدره أزيزٌ كأزيز الرَّحَى مِن البُكاء"
 وأبو بكر كان رجُلًا بكَّاءً، لا يُسْمِع الناسَ مِن البُكاء إذا صلَّى بهم، وعمر رضي الله عنه صلَّى بالناس وقرأ سورة يوسف، فسُمِع نشيجُه مِن آخر الصفوف وهو يقرأ: ﴿ وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ [يوسف: 84]


قال ابن القيم رحمه الله: "والناس في الصلاة على مراتبَ:
أحدها: مرتبة الظالِم لنفسِه المفرِّط، وهو الذي انتقَص مِن وضوئها، ومواقيتها، وحدودها، وأركانها.

الثاني: مَن يحافظ على مواقيتِها، وحدودِها، وأركانها الظاهرة، ووضوئها، لكن قَدْ ضَيَّعَ مجاهَدةَ نفسِه في الوسوسة، فذهَبَ مع الوساوس والأفكار.

الثالث: مَن حافَظَ على حدودها وأركانها، وجاهَدَ نفسَه في دفع الوساوس والأفكار، فهو مشغول بمجاهَدة عَدوِّه؛ لئلا يَسْرق صلاتَه، فهو في صلاة وجهاد.

الرابع: مَن إذا قام إلى الصلاة أَكْمَلَ حُقُوقَهَا وأَرْكَانَهَا وحُدُودَهَا، واسْتَغْرَقَ قلبَه مُراعاةُ حُدودِها؛ لِئلا يُضيِّع شيئًا منها؛ بل همُّه كله مصروف إلى إقامتها كما ينبغي، وإكمالها وإتمامها، قد استغرق قلبَه شأنُ الصلاة وعبوديةُ ربه تبارك وتعالى فيها.

الخامس: مَن إذا قام إلى الصلاة قام إليها كذلك، ولكن مع هذا، قد أخذ قلبَه ووضعه بين يدي ربه عزَّ وجلَّ، ناظِرًا بقلبه إليه، مُراقِبًا له، مُمْتَلِئًا مِن مَحَبَّته وعظَمَتِه؛ كأنه يراه ويشاهده، وقد اضمحلَّتْ تلك الوساوسُ والخطرات، وارتفعَت حُجُبُهَا بينه وبين ربه، فهذا بينه وبين غيره في الصلاة أفضلُ وأعظمُ مما بين السماء والأرض، وهذا في صلاته مشغولٌ بربِّه عَزَّ وجَلَّ.


فالقِسم الأول: مُعاقَبٌ، والثاني: محاسَب، والثالث: مُكَفَّرٌ عَنْهُ، والرابع: مُثَابٌ، والخامس: مُقَرَّبٌ مِن رَبِّهِ؛ لأن له نصيبًا ممن جُعلَتْ قرةُ عينه في الصلاة، فمَن قَرَّتْ عينُه بصلاته في الدنيا، قَرَّتْ عينُه بقُربِه مِن ربِّه عز وجل في الآخرة، وقرَّت عينُه أيضًا به في الدنيا، ومَن قرَّت عينُه بالله، قرتْ به كلُّ عينٍ، ومَن لم تقرَّ عينُه بالله تعالى تَقَطَّعَتْ نفسُه على الدنيا حسرات".

قال الله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) {المؤمنون: 1-3}


فإن اللغو يطلق على الكلام الذي لا فائدة فيه ولم يبلغ درجة المعصية، ويطلق على الباطل كله، فيدخل فيه الشرك والمعاصي جميعا.
وقد رغب الشارع في تركه والإعراض عنه.

فقد فسر ابن كثير اللغو في هذه الآية بالباطل، وهو يشمل الشرك والمعاصي وما لا فائدة فيه من الأقوال والأفعال. وقال تعالى: وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ .
وقال في صفات عباد الرحمن: وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا {الفرقان: 72}
وفي الحديث: ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار، وكان لهم حسرة. رواه أبو داود وصحح النووي إسناده.


الصلاة علي وقتها
{وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [المؤمنون : 9]


ويطلق اللغو مرادا به لغو اليمين
و اختلف أهل العلم في اليمين اللغو ما هي؟ فذهب الحنفية والمالكية إلى أنها: ما يحلفه بناءً على ظنه فتبين بخلافه إلا أن تكون في المستقبل عند الحنفية، أو في الحال أو المستقبل عند المالكية فليست بلغو، وتلزم الكفارة في حنثها.

وذهب الشافعية إلى أنها ما يجري على لسان المتكلم بلا قصد، كلا والله وبلى والله.

وذهب الحنابلة إلى أنها نوعان:
الأول: أن يحلف على الشيء يظنه كما حلف، فيتبين خلافه.
والثاني: ما جرى على لسان المتكلم بلا قصد.
وبهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم وابن حزم الظاهري، وهو الراجح لقوله تعالى: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم) [البقرة: 225] واليمين المكسوبة هي: المقصودة، أما ما يجري على اللسان فليس مقصوداً، ولما أخرجه أبو داود وغيره عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " هو ـ أي يمين اللغو ـ كلام الرجل في بيته لا والله وبلى والله" وصححه الألباني مرفوعاً في إرواء الغليل.


جاء في الموسوعة الفقهية: " اتفق الفقهاء على تحريم تأخير الصلاة حتى يخرج وقتها بلا عذر شرعي " .
قال الشيخ عبد العزيز ابن باز رحمه الله:
" أما الإنسان الذي يتعمد تأخيرها (أي الصلاة) إلى ما بعد الوقت ، أو يضبط الساعة إلى ما بعد الوقت حتى لا يقوم في الوقت ، فهذا متعمد للترك ، وقد أتى منكراً عظيماً عند جميع العلماء ، ولكن هل يكفر أو لا يكفر؟


فيه خلاف بين العلماء:
إذا كان لم يجحد وجوبها فالجمهور يرون أنه لا يكفر بذلك كفرا أكبر.
وذهب جمع من أهل العلم إلى أنه يكفر بذلك كفرا أكبر يخرجه من الملة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " بين الرجل وبين الشرك و الكفر ترك الصلاة " رواه الإمام مسلم في صحيحه.

وقوله صلى الله عليه وسلم : " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر " رواه الإمام أحمد ، وأهل السنن الأربع بإسناد صحيح ، ولأدلة أخرى .
وهو المنقول عن الصحابة رضي الله عنهم أجمعين
لقول التابعي الجليل : عبد الله بن شقيق العقيلي : ( لم يكن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون شيئا تركه كفر غير الصلاة ) اهـ .


وأما تأخير الصلاة فيطلق على معنيين :
الأول : تأخير الصلاة حتى يخرج وقتها . وهو بمعنى انقضاء وقت الصلاة . وقد سبق بيان معناه وحكمه .
الثاني : تأخير الصلاة إلى آخر وقتها .
انظر : "الموسوعة الفقهية" (10/6) .
والصلاة في آخر وقتها جائزة ، لما رواه مسلم (614) عن أَبِي مُوسَى الأشعري عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَتَاهُ سَائِلٌ يَسْأَلُهُ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلاةِ . . . فبين له النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أول وقت كل صلاة وآخره ثم قال : (الْوَقْتُ بَيْنَ هَذَيْنِ) .

لكن لو ترتب على تأخير الصلاة تضييع الصلاة جماعة فيصليها في آخر وقتها منفرداً ، كان ذلك حراماً من أجل ترك الصلاة جماعة . ما لم يكن معذوراً في ترك الصلاة مع الجماعة .
والأفضل هو فعل الصلاة في أول وقتها ، إلا صلاة العشاء ، وصلاة الظهر عند اشتداد الحر فالأفضل فعلهما قريباً من آخر الوقت .


قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :
"الأكمل أن تكون ( الصلاة ) على وقتها المطلوب شرعاً ؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في جواب من سأله أي العمل أحب إلى الله عز وجل ؟ قال : " الصلاة على وقتها " ( رواه البخاري 527 ومسلم 85 ) ولم يقل ( الصلاة في أول وقتها ) ؛ وذلك لأن الصلوات منها ما يُسن تقديمه ، ومنها ما يُسن تأخيره ، فصلاة العشاء مثلاً يُسن تأخيرها إلى ثلث الليل ، ولهذا لو كانت امرأة في البيت وقالت أيهما أفضل لي ؟
أن أصلي صلاة العشاء من حين أذان العشاء أو أؤخرها إلى ثلث الليل ؟
قلنا : الأفضل أن تؤخرها إلى ثلث الليل ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم تأخر ذات ليلة حتى قالوا : يا رسول لله رقد النساء والصبيان ، فخرج وصلى بهم وقال : " إن هذا لوقتها لولا أن أشق على أمتي "
فالأفضل للمرأة إذا كانت في بيتها أن تؤخرها .
وكذلك لو فرض أن رجالا‌ً محصورين ، يعني رجالاً معينين في سفر فقالوا : نؤخر صلاة العشاء أم نقدم ؟
فنقول الأفضل أن تؤخروا .
وكذلك لو أن جماعة خرجوا في نزهة وحان وقت العشاء فهل الأفضل أن يقدموا العشاء أو يؤخروها ؟
نقول : الأفضل أن يُؤخروها إلا إذا كان في ذلك مشقة .
وبقية الصلوات الأفضل فيها التقديم إلا لسبب ، فالفجر تُقدم ، والظهر تُقدم ، والعصر تُقدم ، والمغرب تُقدم ، إلا إذا كان هناك سبب .


فمن الأسباب : إذا اشتد الحر فإن الأفضل تأخير صلاة الظهر إلى أن يبرد الوقت ، يعني إلى قرب صلاة العصر ؛ لأنه يبرد الوقت إذا قرب وقت العصر ، فإذا اشتد الحر فإن الأفضل الإبراد لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم " رواه البخاري 537 ومسلم 615 .

وكان النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فقام بلال ليُؤذن فقال : " أبرد " ثم قام ليؤذن ، فقال: "أبرد" ، ثم قام ليؤذن ، فأَذِنَ له . البخاري ( 629 ) ومسلم ( 616 ) .
ومن الأسباب أيضاً أن يكون في آخر الوقت جماعة لا تحصل في أول الوقت ، فهنا التأخير أفضل ، كرجل أدركه الوقت وهو في البر وهو يعلم أنه سيصل إلى البلد ويدرك الجماعة في آخر الوقت فهل الأفضل أن يصلي من حين أن يُدركه الوقت أو أن يؤخر حتى يدرك الجماعة ؟
نقول : إن الأفضل أن تؤخر حتى تُدرك الجماعة ، بل قد نقول بوجوب التأخير هنا تحصيلاً للجماعة اهـ .
"فتاوى أركان الإسلام" .


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق