الآية الأولى
{ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا }.
مكانة الأمانة والحث على أدائها
الأمانةَ مسؤوليةٌ عظيمةٌ وواجبٌ كبير تحمَّلها الإنسان وتحمَّل تَبِعتَهَا في هذه الحياة، فالإنسان عبدٌ مؤتمَنٌ أوجده الله من العدم وخلقه بعد أن لم يكن، وعرَضَ عليه الأمانة فَقَبِلَهَا، قبلها مع تبعاتها وما فيها من مسؤوليةٍ عظيمةٍ وتبعة كبيرة.
إن الأمانة شأنُها عظيم ومكانتُها من الدين جليلَةٌ، والواجبُ على عباد الله أن يَرْعَوْا للأمانة حقَّها وأن يعرِفُوا لها مكانتها وأن يعتنُوا بها غاية العناية ويهتمُّوا بها غاية الاهتمام، وقد تكاثرت الأدلة في كتاب الله، والأحاديثُ في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، في تعظيم الأمانة وتَعلِيَةِ شأنها ورَفْعِ قدْرِها وبيانِ ما يترتب عليها في الدنيا والعُقْبى، من ثوابٍ لمن حفظها وحافظ عليها، وعقابٍ لمن أهملها وفرَّط فيها،
يقول الله تبارك وتعالى:
﴿ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ﴾ [البقرة: 283]، ويقول جلّ وعلا: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾ [الأحزاب: 72]
، ويقول جلّ وعلا ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ﴾ [النساء: 58]،
وذكر سبحانه وتعالى، الأمانة وحِفْظَهَا في صفات المؤمنين الكُمّل
قال الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴾ [المؤمنون: 8]
ثم قال: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [المؤمنون: 10- 11] ،
وقال في سورة أخرى: ﴿ أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ ﴾ [المعارج: 35]،
فالعُقبى الحميدةُ والنهايةُ الرشيدةُ هي لمن يُوَفِّي الأمانة حَقَّها ويرعى لها مكانتها، ثم إن الله عز وجلّ ذكر إضاعَةَ الأمانةِ في صفاتِ اليهود، قال الله تعالى: ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ﴾ [آل عمران: 75]،
وذكر عليه الصلاة والسلام عدمَ الوفاءِ بالأمانة، من صفاتِ أهل النفاق ففي الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " آيةُ المنافق ثلاث، إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان"،
وذكر عليه الصلاة والسلام، أن الأمانة من الإيمان، فقال صلى الله عليه وسلم كما في الترمذي وغيره: " لا إيمان لمن لا أمانة له "،
وهذا الحديث عبادَ الله، يدلُّنا على عِظَم شأن الأمانة وأن الأمانة من الإيمان، فكلَّما زادَ العبدُ أمانة ومحافظةً على الأمانة زادَ إيمانُه، وكلما نقص من الأمانُة نقص إيمانه بحسب ذلك.
وإن من آيات القرآن العظيمة المبينَة لِعِظَم شأن الأمانة وجلالة قدرها ورِفعَةِ شأنها قول الله عز وجلّ في آخر سورة الأحزاب: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾ [الأحزاب: 72]،
تأمل عبدَ الله، تأمل هذه الآية الكريمة، لتعلم من خلالها عظم شأن الأمانة، فإن الله جلّ وعلا قَد أخبرَ في هذه الآية الكريمة، أنه سبحانه عَرَضَ الأمانة على السموات والأرض والجبال، عرض الأمانة عليها عَرْضَ تَخْيِير وليسَ عرضَ أمرٍ وتَحْتيِم، فأَبيَنْ أَن يحمِلْنَها، امتنعت الجبال والسموات والأرض مِن تَحَمُّلِ الأمانة، ليس عصياناً لله تبارك وتعالى ولا زُهْدًا مِنها في ثوابه جلّ وعلا، وإنما خوفاً وشفقةً من عِظَمِ المسؤولية، ولهذا قال:
﴿ وأشفقن منها ﴾، أشفقت الجبال من الأمانة وأشفقت السموات من حملها وأشفقتِ الأرضُ من حملها، وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا، مع ظلمِهِ وجهله، تحمَّل الأمانة وقَبِلَ تَحَمُّلَهاَ مع تبعاتِهَا.
إن تبعات الأمانة: أن من حفَظَها نال ثواب الله عز وجلّ في الدنيا والآخرة، ومن أضاعَها نال عقَابَهُ جلّ وعلا لمُضَيِّعِ الأمانة في الدنيا والآخرة، حملها الإنسان، تحمل هذه المسؤولية العظيمة مع ظلمِه وجهلِه، فالعبد عبادَ الله، يعيشَ مُتَحَمِّلاً مسؤولية الأمانة في حياته كلها، والله جلّ وعلا يسأله عنها يوم لقاء الله.
إذا نظرنا في حال هذا الإنسان، وتحمُّلِه لهذه الأمانة وكيف قِيامُه بها، نجد أن الناس اتجاه تحمُّلِ الأمانةِ على أقسامٍ ثلاثة:
قسمٌ تحمَّلَ الأمانة في الظاهر ولم يتحمًّلْها في الباطن، قام بالأمانة ظاهرًا ولم يقم بها باطنًا، وهؤلاء هم المنافقون والمنافقات الذين يُظهِرُون ما لا يبطِنُون، ويُعلِنُون ما لا يسِرُّون، إذا جاءوا لأهل الإيمان أَظْهرُوا الإيمان والأمانة والصدق والوفاء، أظهروا ذلك خوفا من أهل الإيمان، وإذا لحَِقُوا بركْبِ الكافرين أَظهروا لهم الكفر، فهم يُظهِرُون الإيمان ويبطنون الكفر، يظهرون ما لا يبطنون، فهم في الظاهر متحملون للأمانة، وفي الباطن أهلُ مكرٍ وخديعةٍ وخيانة، وهم في حقيقة أمرهم يخادعون أنفسهم، يظنون أنهم يخادعون الله ويخادعون المؤمنين، وهُم في واقع أمرِهم وحقيقة حالهم، يخادِعُون أنفسَهم ويمكُرون بها ويوصلُونها إلى الهلكة المحقَّقَةِ في الدنيا والآخرة.
والقسمُ الثاني: من لم يتحملوا الأمانة لا في ظاهرهم ولا في باطنِهم، وهؤلاء هم الكافرون والكافرات، فهؤلاء في باطنهم وفي ظاهِرهم على السواء، على الكفرِ بالله والإعراضِ عن دين الله والبعدِ عن شرع الله سبحانه وتعالى.
والقسمُ الثالثُ: هم المؤمنون والمؤمنات الذين تحملوا الأمانة، وقاموا بها وجَدُّوا واجتهدوا في تحقِيقِها، وهؤلاء هم أهلُ الإيمان وأهل كرامة الله تبارك وتعالى في الدنيا والآخرة، ولهذا عبادَ الله، لما ذكر الله جلّ وعلا في الآية السابقة عرضَ الأمانة على السموات والأرض والجبال، وذِكْرُه تبارك تعالى امتناعَها من حملِها وشفقتَها من ذلك، وذكرُهُ تبارك وتعالى أن الإنسان تَحمَّلها ورضي بها، ذَكر جلّ وعلا عَقِب ذلك أقسامَ الناس اتجاه هذه الأمانة فقال: ﴿ لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [الأحزاب: 73]،
فذكر جلّ وعلا أن أقسام الناس اتجاه الأمانة ثلاثةُ أقسام، قسمان معذبان وهم المنافقون والمنافقات والمشركون والمشركات، وقسم مُنَعّمٌ وهم أهل الإيمان، جعلنا الله وإياكم منهم.
وأما متعلق الأمانة وإلى من تَجبُ، وما هي مجالاتها، فنجد ذلك في قول الله عز وجلّ:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾
[الأنفال: 27] ،
فهذه الآية تدل دِلالة واضحة بينة، على أن الأمانة باعتبار متعلَّقِها تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
أمانة تتعلق بحق الله تبارك وتعالى على عباده،
فالله عز وجلّ ائتمنك على حقوقه في هذه الحياة، خلقك لطاعَتِه وأوجدَك لعبادتِه وأمرَكَ ونهاك، لم يخلقْك سُدىً ولم يتركك هملا وإنما خلقَكَ لغايةٍ حميدة وأوجدَك لهدفٍ رشيدٍ وهو عبادةُ الله، وأنت مؤتمن على هذا الأمر، مؤتمن عليه بل إن الأمانة في أعظم صورها القيام بها فيما يتعلق بحق الله على عباده، ولهذا عبادَ الله التوحيدُ أمانةٌ والشركُ خيانة، أعظم الأمانة التوحيد وأعظم الخيانة الشركُ والتنديدُ، إن من يقوم بحق الله عز وجلّ، بإخلاص الدين له وامتثال أوامره والبعدِ عن نواهيه والحذرِ من الإشراك معه تبارك وتعالى إنا من يكون كذلك قد قام بالأمانة في حق الربِّ العظيم سبحانه وتعالى، إنَّ معرفتك بالله وبأسمائه الحسنى وصفاته العظيمة ومعرفتَك بجلاله وجماله وعظمته وكماله، ومعرفتك بقدرته جلّ وعلا وتمامِ حكمتِه وشمولِ علمه، كلُّ ذلك مما يحقق لك القيام بالأمانة على أبهى صورها وفي أتم حُلَلِهَا.
والقسمُ الثاني: الأمانة في حقوق الرسول صلى الله عليه وسلم،
فنحن مؤتمنون على القيام بحقوقه عليه الصلاة والسلام، ومن حقوقه صلى الله عليه وسلم، محبتُه وتقديم محبتِه على النفسِ والنفيس، وعلى الولد والناس أجمعين، يقول عليه الصلاة والسلام: " لا يُؤمنُ أحدكم حتى أكونَ أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين، ولما قال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله والله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، قال صلى الله عليه وسلم: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه، فقال عمر: والله يا رسول الله لأنت الآن أحب إلي حتى من نفسي، فقال: الآن يا عمر"، فمِنَ الأمانة في حقِّ الرسول عليه الصلاة والسلام، محبته صلى الله عليه وسلم، محبةً تقتضي امتثال أوامره والبعدَ عن نواهيه، وتصديقَ أخباره وتعظيمَه وتوقيرَه، والقيامَ بحقوقه عليه الصلاة والسلام والبعدَ عن الغلوِّ فيه صلى الله عليه وسلم، فكل ذلك أمانةٌ، أمانةٌ علينا اتجاه الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام.
والقسمُ الثالثُ : الأمانة فيما يتعلق بحقوق الناس،
فهناك أمانة تتعلق بحق الوالدين، وأمانةٌ تتعلق بحق الأبناء، وأمانة تتعلق بحق الجيران، وأمانة تتعلق بحق التجار، والموظفون مؤتمنون والمعلمون مؤتمنون، وكل في مجاله مؤتمن، والله تبارك وتعالى سائلٌ كلاًّ عمَّا ائتمنه عليه، وفي الحديث الصحيح يقول صلى الله عليه وسلم: " كلم راع وكلكم مسئول عن رعيته ".
وبهذا يتبين لنا أن الأمانة لا تختصُ بمجال واحدٍ كما يظنُّه بعض عوامِّ المسلمين، بأن الأمانة إنما تختص بأداء الودائع إلى أهلها، فليس الأمرُ كذلك، وإنما الأمانة مسؤولية عظيمة وواجب كبير، أمانة تتعلق بحقوق الله، وأمانة تتعلق بحقوق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمانة تتعلق بحقوق عباد الله، فاتقوا الله عباد الله وأَعطُوا الأمانة حقَّها، وتحمَّلُوا هذه المسؤولية العظيمة، وأَدُّوا هذا الواجبَ الكبير، واعلموا أن الله عز وجلّ سائِلُكُم عن هذه الأمانة حينما تقِفُون بين يدي الله عز جلّ، حينَ العرضِ الأكبَرِ على الله، {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ} [الحاقة: 18].
إن من الناس من يتعامل بالأمانة في حدودٍ ضيقةٍ وفي مصالحَ محدودةٍ، فهو يتعامل بالأمانة في حدود من يعاملُه بها، جزاء له من جنسِ عملهِ، فإذا وجد أمينا عامَلَه بالأمانة، وإذا وجد خائِناً عاملَه بالخيانَة، وليس هذا شأنُ المؤمن عبادَ الله،
يقول صلى الله عليه وسلم كما في المسند وغيره، بإسناد صحيح كما جاء في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك "،
فالأمانة مطلوبة في كل وقت وحين وفي جميع الأحوال، وهي ممدوحة في جميع أحوالها، والخيانةُ عبادَ الله مذمومة في كل وقتٍ وحينٍ، وهي قبيحةٌ في جميع أحوالها، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: " ولا تخن من خانك "، نعم طالِبْهُ بحقِّك، طالبه بحقك لكن لا تعامِلْه بالخيانة فإن الخيانة مذمومةٌ في كل وقت وحين فاحذَرْ عبد الله المؤمن من الخيانة واحذَرْ أن تكون من الخائنين وجاهِدْ نفسَكَ على الأمانة في جميع أحوالك، أمانةٌ مع الله وأمانةٌ في حقوق رسول الله صلوات الله وسلامه عليه وأمانة في حقوق عباد الله.
فالأمانة إذا تشمل الحياة كلها.
والشارع الحكيم قد بين معنى الأمانة إجمالاً والحديث الشريف بين بعض مواقف الخيانة فقال صلى الله عليه وسلم: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان) متفق عليه. وفي رواية: وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم.
وفي حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدث أصحاب عن رفع الأمانة؛ أن الرجل ينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه... فيصبح الناس يتبايعون فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة، حتى يقال: إن في بني فلان رجلاً أميناً حتى يقال للرجل: ما أجلده ما أظرفه ما أعقله وما في قلبه مثقال حبة من خردل من الإيمان. وهذه الأحاديث حضٌّ للمسلم على حفظ الأمانة.
والأمانة تبدأ من الفرد في نفسه وتكون في العبادات أن يقيم المسلم الشعائر على وجهها وتشتمل الرجل في أهل بيته والمرأة في بيت زوجها والخادم عند سيده والحاكم، والمحكوم، والقاضي والمتقاضي والبائع والمشتري، والمعلم والتلاميذ والمدير والمعلمين والعامل في معمله والمزارع في مزرعته...
ومن الأمانة إعطاء كل ذي حق حقه، ومن الأمانة وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، فلقد ورد أن رجلاً في دولة في المعسكر الشيوعي دعي إلى المحكمة بتهمة الخيانة، فلما مثل أمام القضاء قال له القاضي: لم توجه إليك التهمة بجرم مشهود وإنما وجهت إليك التهمة بآثار فعلك.
قال المتهم: وكيف؟ قال القاضي: أنت مسؤول، وقد عينت الموظف في المكان غير المناسب. فقرر القاضي أن هذا المتهم (مذنب) واعترف المتهم أنه جاسوس.
والأمانة تشمل كل مكارم الأخلاق؛ تشمل الإخلاص والصدق والبر والعفة وحفظ السر وحفظ الوديعة، وحفظ الإيماء والإشارة حتى لا يكون صاحبها همازاًَ لمازاً...
فالأمانة هي مكارم الأخلاق.
ولقد كثرت الفتن في هذه الأيام، نتيجة انفتاح العالم على قنوات أكثرها ينقل: الإفساد العقائدي والانحطاط الخلقي.
الإفساد العقائدي:
هو المتعلق بالألوهية وأكثر ما يتجلى هذا في أفلام الأطفال، حيث يخيل أن السحاب يعطيه، وأن بابا نوبل يحقق له أحلامه، وفكرة هذه الألاعيب هي فعل الأفعال عن قدرة الخالق جل جلاله، وأن الأشياء بذاتها تؤثر دون مؤثر خارج عنها، ودون قوة غيبية تسير الكون، فترى أن السيارة تدعس الطفل حتى يصبح مثل الرغيف ثم يقوم ينفض يديه وكأن شيئاً لم يكن، أو تمر السيارة فتشطر الحيوان إلى شطرين، ثم يعود الشطران فيلتئمان تلقائياً، وكأن الموت والحياة بيد صاحب الجسم المنشطر.
فليست طاعة الله بحفظ الأمانة، إلا حفاظاً على المسلم أن يتردى في حمأة الهلاك، فالذي يقدم الطاعة يقدمها لنفسه، والذي يفعل المعصية إنما يجني بذلك على نفسه، فالله لا تضره معصية عبد ولا تنفعه طاعته.
قال الله في الذين يقدمون النسك في الحج ويذبحون الأضاحي تقرباً إليه تعالى:
﴿ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ ﴾ [الحج: 37
فالعبد مرهون بفعله لنفسه يفعل الخير، وعليه يعود ضرر المعصية.
قال الله تعالى
﴿ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ﴾ [الإسراء: 7].
وقال جل شأنه عن النفس الإنسانية: ﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ﴾ [البقرة: 286] فما أحرى المسلم أن ينتفع بما يسمع من الحكمة، فالحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها.
والأمانة خلُق النبل، يحرص على هذا الخلق كل ذي دين، ولو لم يكن صاحب دين لوجب أن يحرص عليه، فالأمين محبوب، وهكذا كان صلى الله عليه وسلم قبل الرسالة وبعدها، ولم يكن اسمه في الجاهلية إلا الأمين، قال الله تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 21]
إنها الفريضة التي يتواصى به المسلمون برعايتها، ويستعينون بالله في حفظها حتى غنه عندما يكون أحدهما على أهبة السفر يقول له أخوه: أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قلما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قال: "لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له".
وقد سار الصحابة رضوان الله عليهم على المنهج وعلى حفظ الأسرار فروي عن أنس أنه تأخر على أمه ذات يوم فقالت: ما أبطأك؟ قلت: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة، قالت: وما هي؟ قلت: إنها سر، فقالت المؤمنة الواعية الذكية البصيرة، لتعطي درساً للأمهات في تعليم الطفل حفظ الأسرار، قالت له: لا تخبرن بسر رسول الله أحداً.
والأمانة تشمل الدين والطاعة والفرائض والحدود إن قام بها الإنسان أثيب، وإن تركها عوقب، والأمانة خلق الأنبياء جميعاً والصالحين، فقد كانت هذه الصفة ملازمة للأنبياء قبل نبوتهم، والرسول عليه الصلاة والسلام كما نعرف سمي بالصادق الأمين قبل أن يرسل، وكذلك موسى عليه السلام قبل أن يرسل حين سقى لابنتي الرجل الصالح كان معهما عفيفاً أميناً قال تعالى ﴿ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ﴾ [القصص: 266]
وللأمانة ثمرات عديدة منها:
1-الإنسان الأمين يحبه الله ورسوله.
2-أعد الله للأمين منزلة عظيمة في الآخرة وهي جنة الفردوس
قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ﴾ [المؤمنون: 8 – 12]
3-الأمانة توجد الثقة والطمأنينة بين أفراد المجتمع وتقوي أواصر المحبة والأخوة والتعاون بينهم.
ومن معاني الأمانة وضع الشيء في المكان الجدير به والأليق له، فلا يسند منصب إلا لصاحبه الحقيق به، ولا تملأ وظيفة إلا بالرجل الذي ترفعه كفايته إليها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من استعمل رجلاً على عصابة وفيهم من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين). جاء رجل يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: متى الساعة؟ فقال له (إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة. قال: كيف إضاعتها؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة، فالأمانة تقضي بأن نصطفي للأعمال أحسن الناس قياماً بها، فإذا ملنا عنه إلى غيره لهوى أو رشوة أو قرابة، فقد ارتكبنا بتنحية القادر وتولية العاجز خيانة فادحة.
ومن الأمانة حفظ الجوارح، ومنها حفظ النظر، فلا تنظر العينان إلى محرم، ولا تستمع الأذنان إلى محرم من آلات اللهو والموسيقا وقد دخلت المعازف في كل القنوات الفضائية حتى مع الأخبار والبرامج المعرفية المفيدة، قال صلى الله عليه وسلم (ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والمعازف والقيان) والسمع أمانة أن يصان عن الغيبة (فاكهة المجالس) نعوذ بالله تعالى، ومن الأمانة عدم الهمز واللمز والإشارة بالتنقص أو التحقير، ويكفي حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: حسبك من صفية - زوجته - وأشارت بيدها إلى قِصَرها.
فقال صلى الله عليه وسلم: (قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته).
أما القلب؛ فله اعتبار خاص في الأمانة وحفظها. فهو سلطان الجوارح، يقبل ما يرد عليه أو ينفي، وهو المعني بالإثم الباطن، وهو التفكير في المحرم.
فالأمانة، من الألفاظ القرآنية المعجزة الدلالة، ولو ألفت في مجالاتها مجلدات ما وفتها حقها. ويكفي أن نقول: الأمانة حفظ ما حرم الله في السر والعلن.
**************************************************************
الآية الثانية
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا }
أولا: حكم الطاعة لله والرسول
طاعة الله تعالى وطاعة رسوله واجبة على العباد وتركها عمدا كفر، والطاعة معناها الانقياد والموافقة؛ فطاعة الله تعالى الانقياد لأوامره، والموافقة لشرعه، لأنه الأحق بذلك وحده؛ فلا رب غيره ولا معبود بحق سواه، وقد سبق الأمر بالطاعة في أول السورة وبيان أنها من شروط الإيمان، أما هنا فالأمر بالطاعة مقرون بالنهي عن التولي بعد الإيمان والإجابة لنداء الله ورسوله، فإن طاعة الرسول طاعة لله عز وجل؛
قال تعالى ﴿ مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ﴾، ومن عبد الله على غير ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم - وهو دين الإسلام- فلن يقبل منه وهو من أهل النار؛ قال تعالى:
﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ ﴾.
وقد حذر الله تعالى من مخالفة أمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ﴿ لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾،
وقال تعالى فيمن عبد الله على غير شريعة محمد صلى الله عليه وسلم:
﴿ عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً ﴾ ،
فهذا العامل أتعب نفسه في العبادة وأجهدها وعبادته لن تقبل وسيدخل النار؛ قال البخاري: قال ابن عباس (عاملة ناصبة) النصارى، وذكر عن الحافظ أبو بكر البرقاني أن عمر رضي الله عنه مر بدار راهب، فناداه يا راهب فأشرف، فجعل عمر ينظر إليه ويبكي.. فقيل له يا أمير المؤمنين ما يبكيك من هذا؟ قال ذكرت قول الله عز وجل (عاملة ناصبة. تصلى نارًا حامية) فذاك الذي أبكاني".
والمرء لا يكون مسلمًا إلا إذا شهد ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؛ وشهادة ألا إله إلا الله لا تنفع إلا بالعلم والعمل،
قال تعالى: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ ﴾،
وشهادة أن محمدًا رسول الله، تقتضي التسليم المطلق والتام لما جاء به أو أخبر عنه، وتصديقه وطاعته فيما أمر به أو نهى عنه دون حرج أو ضيق أو مناقشة أو جدال أو تعقيب، أو أخذ البعض وترك البعض، والاقتداء به وأن ذلك من مقتضيات الإيمان بالله تعالى.
وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم واجبة في الأمور الدينية، أما في الأمور الدنيوية، كوضع الخطط الحربية واتخاذ مواقع للقتال وغير ذلك، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستشير أصحابه - كما حدث في غزوة بدر؛ لما أتاه الخبر عن قريش بمسيرهم كما جاء في السيرة النبوية: (فاستشار الناس، وأخبرهم عن قريش؛ فقام أبو بكر الصديق، فقال وأحسن، ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو؛ فقال يا رسول الله امض لما أمرك الله فنحن معك، ثم استشارهم في موقع نزول الجيش قبل المعركة والنزول عند ماء بدر، وكان ذلك من حكمة الرسول صلى الله عليه وسلم القدوة والأسوة ليرشد أمته إلى الاستفادة من خبرات المتخصصين والرجوع إليهم كل فيما يخصه حسب الحاجة والحال والظروف.
ثانيا: حجية السنة
هذه الآية وغيرها دليل على حجية السنة ومن ذلك أيضا:
قول الله تعالى : ( من يطع الرّسول فقد أطاع الله ) ، فجعل الله تعالى طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم من طاعته .
ثم قرن طاعته بطاعة رسوله ،
قال تعالى : ( يـا أيّها الّذين أمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرّسول ) .
الثاني - حذر الله عز وجل من مخالفة رسوله صلى الله عليه وسلم، وتوعد من عصاه بالخلود في النار ،
قال تعالى : ( فليحذر الّذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبُهم عـذاب ألـيم) .
الثالث - جعل الله تعالى طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم من لوازم الإيمان ، ومخالفته من علامات النفاق ،
قال تعالى : ( فلا وربك لا يؤمنون حتّى يحكمُّوك فيما شجر بينهم ثمّ لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مـمّا قضيت ويسلموا تسليماً ) .
الرابع :- أمر سبحانه وتعالى عباده بالاستجابة لله والرسول ،
قال تعالى : ( يا أيّـُها الّذين أمنوا استجيبوا لله وللرّسول إذا دعاكم لما يُحييكم ..) .
الخامس : - ثم أمرهم سبحانه برد ما تنازعوا فيه إليه ، وذلك عند الاختلاف ،
قال تعالى: ( فإن تنازعتم في شيء فردّوُه إلى الله والرّسول ) .
ومن دلالة السنة النبوية على حجية السنة، فمن وجوه
أحدها : ما رواه الترمذي عن أبي رافع وغيره رفعه ( أي : إلى النبي صلى الله عليه وسلم ) قال لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه أمر مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح سنن الترمذي ط. شاكر رقم 2663
وعن العرباض بن سارية رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أيحسب أحدكم متكئا على أريكته قد يظن أن الله لم يحرم شيئا إلا ما في هذا القرآن ألا وإني والله قد وعظت وأمرت ونهيت عن أشياء إنها لمثل القرآن أو أكثر .. الحديث رواه أبو داود كتاب الخراج والإمارة والفيء
الثاني : ما رواه أبو داود أيضا في سننه عن العرباض بن سارية رضي الله عنه ، أنه قال : ( صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ، ثم أقبل علينا ، فوعظنا موعظة بليغة ) وفيها : ( فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين ، تمسكوا بـها ، وعضوا عليها بالنواجذ ..) في كتاب السنّة من صحيح أي داود
دلالة الإجماع على حجية السنة:
قال الشافعي رحمه الله : ولا أعلم من الصحابة ولا من التابعين أحدا أُخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قبل خبره ، وانتهى إليه ، وأثبت ذلك سنة .. وصنع ذلك الذين بعد التابعين ، والذين لقيناهم ، كلهم يثبت الأخبار ويجعلها سنة ، يحمد من تبعها ، ويعاب من خالفها ، فمن فارق هذا المذهب كان عندنا مفارق سبيل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل العلم بعدهم إلى اليوم ، وكان من أهل الجهالة .
دلالة النظر الصحيح على حجية السنة:
كون النبي صلى الله عليه وسلم رسول الله، يقتضي تصديقه في كل ما يخبر به ، وطاعته في كل ما يأمر به ، ومن المُسلَّم به أنه قد أخبر وحكم بأمور زائدة على ما في القرآن الكريم ، فالتفريق بينها وبين القرآن ، في وجوب الالتزام بـها ، والاستجابة لها ، تفريق بما لا دليل عليه ، بل هو تفريق باطل ، فلزم أن يكون خبره صلى الله عليه وسلم واجب التصديق ، وكذا أمره واجب الـطـاعة .
وحكم من أنكر حجية السنة أنه كافر لإنكاره ما هو معلوم من الدين بالضرورة .
ثالثا: نماذج من طاعة الصحابة لأوامر النبي
ولقد ضرب سلفنا الصالح من الصحابة والتابعين أروع الأمثلة في الامتثال لأمره صلى الله عليه وسلم ، وكان أمره صلى الله عليه وسلم يتنزل عليهم بردًا وسلامًا أينما وجدوا وعلى أي حال كانوا، فيجدون في قلوبهم همة على تنفيذه والقيام به، فمن ذلك أنهم نفذوا ما أمر به أو جاء عنه حتى وهم ركوع فعَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم «كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَخْوَالِهِ مِنْ الْأَنْصَارِ وَأَنَّهُ صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ الْبَيْتِ وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا صَلَاةَ الْعَصْرِ وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ وَهُمْ رَاكِعُونَ فَقَالَ أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قِبَلَ مَكَّةَ فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ))
وكان صلى الله عليه وسلم يعلم صحابته الكرام أن طاعته من طاعة الله عز وجل، وكان موقفه صلى الله عليه وسلم في هذا يصدر عن حبه إياهم وخوفه عليهم من أن يكون عدم طاعتهم إياه سببًا في أن يحول الله بينهم وبين قلوبهم، وتحول نعمته عنهم فيكونوا من الخاسرين في الدنيا والآخرة، فعَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مَرَّ بِهِ وَهُوَ يُصَلِّي فَدَعَاهُ قَالَ فَصَلَّيْتُ ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقَالَ مَا مَنَعَكَ أَنْ تُجِيبَنِي قَالَ كُنْتُ أُصَلِّي قَالَ أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)).
فكان هذا الامتثال، وكانت هذه الطاعة لأمره صلى الله عليه وسلم ديدنهم في الحياة، فطاعته هي الخير كله، ولم يزل الصحابة الكرام بعد موته صلى الله عليه وسلم على النهج سائرين، فحفظوا العهد الذي فارقهم عليه صلى الله عليه وسلم وهو السمع والطاعة في المنشط والمكره، وفي العسر واليسر، وفي الشدة والرخاء، فمن ذلك ما رواه عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ أَبُو سَعِيدٍ وَمَرْوَانُ يَخْطُبُ فَقَامَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فَأَتَاهُ الْحَرَسُ يَمْنَعُونَهُ فَقَالَ مَا كُنْتُ أَتْرُكُهُمَا وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَأْمُرُ بِهِمَا.
فقد كان مروان بن الحكم أميرًا على المدينة، وكان يقدم خطبة العيد على الصلاة بدعوى أن الناس لا يجلسون له إن صلى قبل الخطبة فقدم الخطبة على الصلاة وهذا مخالفٌ لهدي المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وكان أبو سعيد يأتمر بأمره صلى الله عليه وسلم حيًّا وميتًا، وإن أزعج هذا الأمراء.
وعن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ إِذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَاعًا مِنْ طَعَامٍ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ فَلَمْ نَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى قَدِمَ عَلَيْنَا مُعَاوِيَةُ الْمَدِينَةَ فَكَانَ فِيمَا كَلَّمَ بِهِ النَّاسَ أَنْ قَالَ لَا أُرَى مُدَّيْنِ مِنْ سَمْرَاءِ الشَّامِ إِلَّا تَعْدِلُ صَاعًا مِنْ هَذَا فَأَخَذَ النَّاسُ بِذَلِكَ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ لَا أَزَالُ أُخْرِجُهُ كَمَا كُنْتُ أُخْرِجُهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَبَدًا مَا عِشْت)).
ولم يكن معاوية رضي الله عنه مخالفًا للسنة ولكنه اجتهاد رآه، ولكنَّ هذا الاجتهاد لم يعجب أبا سعيد وفضل التمسك بهدي النبي صلى الله عليه وسلم .
ومعاوية كان من الوقافين عند سُنَّة المصطفى صلى الله عليه وسلم ممتثلا لأمره فعن جبير بن نفير أنه سمع معاوية يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم له: إنك إذا اتبعت الريبة في الناس أفسدتهم. قال معاوية: فإني لا أتبع الريبة فيهم فأفسدهم)).
وعن سُلَيْمَ بْنَ عَامِرٍ قال: كَانَ بَيْنَ مُعَاوِيَةَ وَبَيْنَ أَهْلِ الرُّومِ عَهْدٌ وَكَانَ يَسِيرُ فِي بِلَادِهِمْ حَتَّى إِذَا انْقَضَى الْعَهْدُ أَغَارَ عَلَيْهِمْ فَإِذَا رَجُلٌ عَلَى فَرَسٍ وَهُوَ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَفَاءٌ لَا غَدْرٌ وَإِذَا هُوَ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ فَسَأَلَهُ مُعَاوِيَةُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ فَلَا يَحُلَّنَّ عَهْدًا وَلَا يَشُدَّنَّهُ حَتَّى يَمْضِيَ أَمَدُهُ أَوْ يَنْبِذَ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ قَالَ فَرَجَعَ مُعَاوِيَةُ بِالنَّاسِ)).
وعَنْ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ دَخَلْنَا عَلَى أَبِي ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ فَإِذَا عَلَيْهِ بُرْدٌ وَعَلَى غُلَامِهِ مِثْلُهُ فَقُلْنَا يَا أَبَا ذَرٍّ لَوْ أَخَذْتَ بُرْدَ غُلَامِكَ إِلَى بُرْدِكَ فَكَانَتْ حُلَّةً وَكَسَوْتَهُ ثَوْبًا غَيْرَهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ إِخْوَانُكُمْ جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدَيْهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ وَلْيَكْسُهُ مِمَّا يَلْبَسُ وَلَا يُكَلِّفْهُ مَا يَغْلِبُهُ فَإِنْ كَلَّفَهُ مَا يَغْلِبُهُ فَلْيُعِنْهُ)).
ولم يكتف الصحابة بأن يأمر صلى الله عليه وسلم بلسانه بل كانت أعينهم على إشارته ولحظه يجيبونه فيما أشار، وينقادون له فيما لحظهم به، فمن ذلك أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم وفي يده خاتم من ذهب فأعرض النبي صلى الله عليه وسلم عنه فلما رأى الرجل كراهيته ذهب فألقى الخاتم وأخذ خاتمًا من حديد فلبسه وأتى النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا شرٌ، هذا حلية أهل النار فرجع فطرحه ولبس خاتمًا من ورق فسكت عنه النبي صلى الله عليه وسلم )).
ووصل الحال ببعض الصحابة أن يكون لهم فهم خاص لكلام النبي صلى الله عليه وسلم قد لا يستسيغه كثير من الناس ولكنها الفهوم العالية الواثقة بكلام نبيها، المؤمنة به، فمن ذلك ما رواه عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِنَّ اللَّهَ مَعَ الدَّائِنِ حَتَّى يُقْضَى دَيْنُهُ مَا لَمْ يَكُنْ فِيمَا يَكْرَهُ اللَّهُ.
قَالَ الرواة: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ يَقُولُ لِخَازِنِهِ اذْهَبْ فَخُذْ لِي بِدَيْنٍ فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَبِيتَ لَيْلَةً إِلَّا وَاللَّهُ مَعِي بَعْدَمَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ))
.وما أصعب الأمر حين يُخير الإنسان بين مرضاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومرضاة من يحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم كفاطمة ابنته رضي الله عنها، وقد وقع في هذا الاختبار الصعب أبو بكر الصديق ولكنه نجح نجاحًا باهرًا كعادته رضي الله عنه، فعن عائشة قالت: لما توفي صلى الله عليه وسلم تعلقت فاطمة آمالها بميراثه، وجاءت تطلب ذلك من أبي بكر الصديق، فحدثها أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لا نورث، ما تركنا صدقة" فوجدت عليه، ثم تعللت.
فلما مرضت دخل عليها أبو بكر يترضاها، وقال: والله ما تركت الدار والمال والأهل والعشيرة إلا ابتغاء مرضاة الله ورسوله ومرضاتكم أهل البيت. قال: ثم ترضاها حتى رضيت)).
وكانت هذه الأزمان أزمان تقييم الرجال على أساس الالتزام بالسنة والمحافظة على تطبيقها، وكان الإهمال في تطبيقها سببًا رئيسًا للخصام بين الناس حتى لو كانوا أقرباء، فالمدار على الامتثال لأمره صلى الله عليه وسلم والمحافظة عليه، ولم يكن ثَمَّ نفاق اجتماعي كما يحدث بين المسلمين اليوم، حيث تجد الرجل مضيعًا للصلاة والصيام وسائر العبادات، ولا ينتهي عما نهى الله ورسوله عنه من الغيبة والنميمة وتجد الناس يبشون في وجهه ويقولون له القول الحسن، كأن جرمًا عظيمًا لم يحدث، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولكن الصحابة ما كان عندهم ذلك، يدل على هذا ما رواه نَافِعٍ قَالَ كَانَ لِابْنِ عُمَرَ صَدِيقٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ يُكَاتِبُهُ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ تَكَلَّمْتَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْقَدَرِ فَإِيَّاكَ أَنْ تَكْتُبَ إِلَيَّ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ إِنَّهُ سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي أَقْوَامٌ يُكَذِّبُونَ بِالْقَدَرِ)).
وعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ مِنْ بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ قَالَ سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ وَذَكَرَ ابْنُ السَّرْحِ قِصَّةَ تَخَلُّفِهِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ قَالَ وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمُسْلِمِينَ عَنْ كَلَامِنَا أَيُّهَا الثَّلَاثَةَ حَتَّى إِذَا طَالَ عَلَيَّ تَسَوَّرْتُ جِدَارَ حَائِطِ أَبِي قَتَادَةَ وَهُوَ ابْنُ عَمِّي فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَوَاللَّهِ مَا رَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ ثُمَّ سَاقَ خَبَرَ تَنْزِيلِ تَوْبَتِهِ)).
وعَنْ خِرَاشِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: رَأَيْتُ فِي الْمَسْجِدِ فَتًى يَخْذِفُ فَقَالَ لَهُ شَيْخٌ لَا تَخْذِفْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ الْخَذْفِ فَغَفَلَ الْفَتَى وَظَنَّ أَنَّ الشَّيْخَ لَا يَفْطِنُ لَهُ فَخَذَفَ فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ أُحَدِّثُكَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَنْهَى عَنْ الْخَذْفِ ثُمَّ تَخْذِفُ وَاللَّهِ لَا أَشْهَدُ لَكَ جَنَازَةً وَلَا أَعُودُكَ فِي مَرَضٍ وَلَا أُكَلِّمُكَ أَبَدًا)).
ولما امتثل الصحابة لأمره صلى الله عليه وسلم بارك الله لهم في حياتهم وأعمالهم وأوقاتهم وأرزاقهم فمن ذلك ما رواه صَخْرٍ الْغَامِدِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً بَعَثَهَا مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ قَالَ فَكَانَ صَخْرٌ هَذَا الرَّجُلُ رَجُلًا تَاجِرًا فَكَانَ يَبْعَثُ غِلْمَانَهُ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ فَكَثُرَ مَالُهُ)).
فهل لخلف هذا السلف من عودة حميدة إلى دين الإسلام واتباع سنة خير الأنام، والتمسك بأمره صلى الله عليه وسلم والانتهاء عما نهى عنه، لنسعد في الدارين؟!
أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن ينفعنا بما علمنا وأن يعلمنا ما ينفعنا إنه على كل شيء قدير. والحمد لله رب العالمين.
رابعا: فقه طاعة أولياء الأمور
يقول الله – تبارك وتعالى – في كتابه الكريم
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [سورة النساء: 59]،
طاعة ولاة الأمور أصل من أصول عقيدة السلف، ومعتقد يعتقده أهل السنة والجماعة، وقد دلت النصوص الكثيرة على هذا الأمر، وعلى هذا الأصل، وجاء العقل الصريح – أو السليم – بأهمية هذا الأمر، فإن الناس لا يصلح أن يعيشوا من دون أن يكون لهم رأس، يرجعون إليه، يرعى حق الله فيهم، وينصف مظلومهم من ظالمهم، ويقيم حدود الله – تبارك وتعالى – وقديما قال الشاعر الحكيم:
لا يصلح الناس فوضى لا سَراة لهم ولا سراة إذا جهّالهم سادوا
فالعقل والفطرة يقتضيان وجود مثل هذا الأمر، وجاءت نصوص الشرع بما يدل عليه ويؤكده وبخاصة في هذه الأمة الخاتمة، وفي هذه البعثة المحمدية، فقد أنزل الله – تبارك وتعالى – في كتابه آيات تدل على هذا، وصدحت السنة بأحاديث كثيرة، تؤكّد مثل هذا الأمر وتُعيّنه.
فطاعة ولاة الأمر – من مدلول هذه الآية – أمر لازم، والطاعة إنما هي في المعروف، فهذه الطاعة أمر لازم ومتحتم، تنفيذا وامتثالا لهذا النص الصريح من كتاب الله – تبارك وتعالى -.
وجاء في السنة أن الصحابة قد بايعوا النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – على السمع والطاعة، في المنشط والمكره، في العسر واليسر، وعلى أثرة عليهم، كما في حديث عبادة بن الصامت، في الصحيحين وغيرهما، وهذا يدل على عظم هذا الأمر، وأنه قد اقتضى البيعة على هذا الأمر، تأكيدا له، وتعظيما لشأنه، وهناك نصوص أخرى كثيرة سيأتي ذكرها عند مناسبتها.
ومما يدل على أهمية هذا الأمر أيضا، ما جاء عن عمر بن الخطاب، الفاروق الملهم – رضي الله تبارك وتعالى عنه – حين قال: كن كالكلمة الخالدة التي يقوم بها، أو بامتثالها أمور الدين والدنيا.
لا دين إلا بجماعة
وتلك الكلمة قامت عليها بعض المؤلفات، فصارت هي الأصل الذي تفرعت عنه مسائل ذلك الكتاب، كمقدمة ابن خلدون، يقول عمر الفاروق – رضي الله تبارك وتعالى عنه – الخليفة الراشد الثاني: لا دين إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمامة، ولا إمامة إلا بسمع وطاعة.
فأول ما قال – رضي الله عنه -: لا دين إلا بجماعة.
فهذه الكلمة قد يستغربها بعض الناس، فيقول: إذا كان الدين أركانه الشهادتان والصلاة والزكاة، والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، إلى آخر ما هو معروف، فكيف يقول عمر – رضي الله عنه -: لا دين إلا بجماعة. ونحن لا نجد هذا، لا في أركان الإسلام، ولا في أركان الإيمان؟
والجواب على ذلك أنه – رضي الله تبارك وتعالى عنه – لم يغب عنه أركان الإيمان، ولا أركان الإسلام، ولكنه أراد الدين بمعناه الشامل، وبمعناه الكامل، لعموم الناس، لا للفرد بذاته، فهذا الدين لا يكون إلا بجماعة، يعنى حتى يظهر أثر الدين، فإن الدين إذا كانت هناك جماعة ظهرت معالمه واشتهرت، كصلاة الجماعة والأعياد والاستسقاء، وما إلى ذلك.
كذلك أيضًا ظهور محافل الإسلام، من وجود العدل والرحمة بين المسلمين، والتواد والتآلف والتحاب، وكل هذا لا يكون من فرد واحد، بل لا بد أن يكون هناك جماعة، وهذه الجماعة إذا توافرت، فربما تعدى قوي على ضعيف، وأكل مبطل حق مُحِقّ، فإذا كان ثمة جماعة، ظهر منهم إنصاف المظلوم، وردع الظالم عن ظلمه، وإقامة شعائر هذا الدين، فمن هنا ظهر الدين بمعناه الشامل في الجماعة.
إذا تجمع الناس وتكاثروا في مكان، فلا بد لهم من إمام يرجعون إليه، يشعرون أن ما ورد من إشكال، أو ما ورد من أمور تهمهم في دينهم ودنياهم، أن هناك من ينير لهم السبيل فيها، ويرجعون إليه، فيعملون برأيه، وحتى يأطرهم على الحق أطْرا.
فلا بد إذن من وجود هذا الإمام لتكون تلك الجماعة على معناها المراد شرعًا، وإلا صارت غثاء كغثاء السيل، فلا دين إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمامة، ولا إمامة إلا بسمع وطاعة.
فإذا وجدت الجماعة، ثم وجدت الإمام، لكن هذا الإمام لا يسمع له، ولا يطاع، ولا ينفذ له أمر، فما الفائدة إذن من إقامته؟ فحينئذ نستطيع أن نقول: إن الدين لا يظهر على وجهه، وعلى شموله وكماله، إلا بهذه الأمور: الجماعة، والإمامة، والسمع وطاعة لهذا الإمام.
فإن لم يتم ذلك، صار الناس هملا، فتضيع مصلحة الأمة، بل تضيع الأمة كلها إذا لم يكن لها رأس يُسمع له ويطاع، ولهذا جاء التأكيد في الشرع على أنه لا ينبغي للناس أن يعيشوا دون إمام.
وهذا عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – لما طُعن وأوصى قال: لا يمضي ثلاث إلا وقد بايعتم خليفة. وذلك لأنه لا ينبغي للأمة أن تعيش فترة من دون أن يكون لها والٍ يلي أمورها.
من هم الولاة الذين يحق لهم السمع والطاعة؟
فهذه المقدمة تبين مفهوم تلك الطاعة، وأهمية وجود تلك الولاية، فإذا قال قائل: من هم إذن الولاة الذين يحق لهم السمع والطاعة؟ فالجواب أنهم الذين يلون أمور المسلمين، وأجمعت عليهم الأمة، متمثلا في أهل حَلها وعقدها الذين بايعوه، فإن مثل هذا تتعين طاعته في المعروف، وتلزم البيعة له، ولهذا جاء عن الإمام أحمد – رحمه الله – أنه سئل عن الإمام الذي إذا مات الإنسان، وليس في رقبته بيعة له مات ميتة جاهلية؟ فقال – رحمه الله -: هو الذي يُجمع الناس عليه كلهم.
وهذا يقتضي أنه إذا وُجد من يلي أمر المسلمين، ويقوم على شئونهم، وبايعه أهل الحل والعقد، فعلى جميع المسلمين أن يعلموا أن هذه بيعة شرعية، وأنها لازمة لهم، تأسيا بهؤلاء الذين بايعوا أبا بكر، والذين بايعوا عمر، فهؤلاء كانوا هم أهل الحل والعقد في المدينة، فلما بايعه هؤلاء تمت البيعة لهما – رضي الله عنهما – في جميع أصقاع بلاد الإسلام.
فهذا أيضا بيان للوالي الذي نريد التحدث عنه، يعني من هم ولاة الأمور الوارد ذكرهم في قول الله – تبارك وتعالى – ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ﴾،
فإن الطاعة في الأصل هي اللين والانقياد، فإذا قيل: فلان طائع لأبيه. يعني لين في يده، منقاد له، وأما حدود الطاعة لولي الأمر، فقد حددها الشارع الحكيم، فيقال: إن حدود الطاعة ما جاءت به الشريعة.
وهو إيجاب الطاعة والانقياد لولي الأمر بالمعروف، في المنشط والمكره، والعسر واليسر، والأثرة على المسلم، فإذا أمر ولي الأمر بشيء مشروع، وجبت طاعته، وإذا أمر بمندوب وجبت طاعته، وإذا أمر بمباح وجبت طاعته أيضا، أما إذا أمر بمعصية، فحينئذ لم تجز طاعته في تلك المعصية فقط، ولا تنقص طاعته المشروعة، ولا تنزع يد من طاعة، ولا يشغب عليه بسبب تلك المعصية، فإذا أمرك ولي الأمر بترك الصلاة، أو قتل أحد بغير حق، أو نحو ذلك من الأمور المعلومة لكل أحد أنها مما حرمه الله – تعالى – لم تجز طاعته، بل الواجب عصيان أمره في هذا.
أما إذا أمر بشيء تنازع فيه أهل العلم، أو كان متفقا على تحريمه، لكن حمل ولي الأمر على هذا دفعُ ما هو أعظم منه شرا، وتعذر دفعهما جميعا، أو منع ولي الأمر من أمر مشروع لأجل تحصيل ما هو أكبر منه، وتعذر تحصيلهما جميعا، وجبت طاعته في ذلك، وحرمت مخالفته، والذي يقرر ما هو من هذا القبيل هم أهل العلم الراسخون، وليس لكل أحد أن يحكم بأن ذلك الأمر معصية لله – تعالى – لأن الكلام في الشريعة توقيع عن الله – تعالى – وولي الأمر قد يأمر بأمر، يظهر للناس أنه معصية، لكنه قرر ذلك لدفع مفسدة أعظم، أو منع من مصلحة شرعية، لتحصيل مصلحة أكبر، ويكون ذلك بالتدارس والتشاور مع أهل الحل والعقد من العلماء المعتبرين، وأهل المعرفة والتجربة من الوجهاء والرؤساء والمستشارين.
ولا يلزم أن يعلن للناس العلة والدافع والسبب لذلك، لأن للدولة أسرارها التي لو أعلنتها للعامة لاطلع عليها العدو، وأيضا للدولة سياستها الخارجية، كما أن لها سياستها الداخلية، وحيث إنه علي ولي الأمر تحقيق مصالح رعيته وجلبها وتحصيلها، وعليه حمايتهم وحفظهم وتحصينهم في أمور الدين والدنيا، فيجب على الرعية معاونته على تحقيق ذلك، بالدعاء له، والنصح له، والدفع عنه، والسمع والطاعة له، ديانة لله – تعالى – بالمعروف.
أما عن ولي الأمر الذي يجب طاعته، فهو من غلب على بلده، وتولى الزمام، وسمي أميرا، أو سلطانا، أو ملكا، أو نحو ذلك، واستتب له الأمر بَرًّا كان أو فاجرا.
هذا هو ولي الأمر، وأهل العلم مجمعون على وجوب الطاعة بالمعروف للسلطان المتغلب، برا كان أو فاجرا، وكل هذا بعد تحقق شرط الإسلام، لأن الله – تعالى – لا يقبل من الخلق غير دين الإسلام، ولا يصلح أي عمل بلا إسلام،
قال – تعالى – ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [سورة آل عمران: الآية 19]،
وقال ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾ [سورة آل عمران: الآية 85]،
وقال ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [سورة المائدة: الآية 3].
وعليه فالفهم الصحيح هو ما قرره القرآن والسنة، وطبقه الصحابة – رضي الله عنهم – وأئمة السنة بعدهم، فأهل السنة هم أهل العدل والوسط بين طرفي الإفراط والتفريط، وطرفي الغلو والجفاء، ولهذا لا يغلو أهل السنة في ولي الأمر، فيطيعونه بإطلاق، ولا يجفون، فيرونه مثل أي واحد منهم، فيطيعونه فيما يحبون، ويعصونه فيما يكرهون ويسخطون، وإنما يطيعونه ويُعزرونه ويوقرونه طاعة لله – تعالى – فإذا أمرهم بمعصية لم يطيعوه في تلك المعصية فقط، ولا ينزعون أيديهم من طاعته، ولا يخرجون عليه بسبب المعاصي والمخالفات الشرعية، ولا يغْلون أيضا في ولاة الأمر، فلا يأمرون بطاعته مطلقا، وإنما يقيدون طاعته بالمعروف، ويُجرون هذا الأصل مجرى النصوص الشرعية، ويُعملونها إعمال بقية النصوص الشرعية، فيلزمون الطاعة، لكن بالمعروف، ويتركون طاعته في المعصية، من غير نزع يد الطاعة، وينصحونه من غير خروج عليه، وصدق الله القائل ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [سورة البقرة: الآية 143].
أسباب تكلم العلماء عن طاعة ولاة الأمر في كتب الاعتقاد
وقد تكلم العلماء عن طاعة ولاة الأمر في كتب الاعتقاد، وذلك للأسباب التالية:
أولا: أن السمع والطاعة بالمعروف لولاة الأمر، أصل من أصول عقيدة أهل السنة والجماعة، وليس من المسائل الفرعية التي يسوغ فيها الخلاف.
ثانيا: أن المخالف والمنازع لهم في ذلك – يعني أهل السنة – هم أهل الأهواء والبدع، من الخوارج والمعتزلة وأضرابهم، أما أهل السنة والجماعة فمتفقون على وجوب السمع والطاعة بالمعروف لولاة أمر المسلمين، وإن جاروا، وإن ظلموا، وصاحب السنة يرى أن هذا الأمر دين، يسير فيه على وفق كتاب الله – تعالى – وسنة نبيه – صلى الله عليه وسلم – ويتبع الصحابة – رضي الله تعالى عنهم – وأئمة أهل السنة – رحمهم الله تعالى – ويعلم أن هذه عقيدة، إنما يخالف فيها أهل الأهواء والبدع.
ثالثًا: أنه بالسمع والطاعة تحصل مصالح الدين والدنيا وتحفظ، وبعدم السمع والطاعة يفسد الدين، وتفسد الدنيا، ولهذا قال أمير المؤمنين عمر الفاروق – رضي الله عنه -: إنه لا إسلام إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمارة، ولا إمارة إلا بطاعة.
وقال التابعي الجليل، الحسن البصري – رحمه الله تعالى – عن ولاة الأمر: هم يلون من أمورنا خمسا: الجمعة والجماعة والعيد والثغور والحدود، والله ما يستقيم الدين إلا بهم، وإن جاروا، أو ظلموا، والله لما يُصلح الله بهم أكثر مما يفسدون، مع أن طاعتهم لغيظ، وإن فرقتهم لكفر.
الدعاء للسلطان
وقال الإمام الجليل الحسن بن علي البَرْبَهَاري في كتابه الجليل “شرح السنة”: إذا رأيت الرجل يدعو على السلطان، فاعلم أنه صاحب هوى، وإذا سمعت الرجل يدعو للسلطان بالصلاح، فاعلم أنه صاحب سنة.
ويقول الفضل بن عياض: لو كان لي دعوة، ما جعلتها إلا في السلطان.
قال الإمام البربهاري: فأُمرنا أن ندعو لهم بالصلاح، ولم نؤمر أن ندعو عليهم، وإن جاروا وظلموا، لأن جورهم وظلمهم على أنفسهم وعلى المسلمين، وصلاحهم لأنفسهم وللمسلمين.
فالدعاء للسلطان بالصلاح صلاح له ولرعيته، وسبب للعدل، وانتشار الخير، وفي الدعاء عليه شر عليه، وعلى رعيته، وسبب للظلم والجور وانتشار الشر.
معنى لزوم الجماعة وما هي ثمرات طاعة ولاة الأمر

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق