الآية الأولى
قال تعالى:
{واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا}
[ النساء
36
ونتكلم فيها عن بر الوالدين
إن بر الوالدين من أعظم شعائر الدين قضى به ربنا عز وجل،
وثنى به، وعطفه على عبادته وتوحيده
{ وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا }
[ سورة الإسراء 23]
{ وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا }
[ سورة الإسراء 23]
وعن عائشة أم المؤمنين رضي
الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {دخلت الجنة فسمعت فيها قراءة قلت من
هذا ؟ فقالوا: حارثة بن النعمان ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( كذلكم البر
كذلكم البر، وكان أبر الناس بأمه}
من روائع هذا الدين تمجيده للبر حتى صار يعرف به ، فحقا
إن الإسلام دين البر الذي بلغ من شغفه به أن هون على أبنائه كل صعب في سبيل ارتقاء
قمته العالية ، فصارت في رحابه أجسادهم كأنها في علو من الأرض وقلوبهم معلقة
بالسماء
وأعظم البر ( بر الوالدين ) الذي لو استغرق المؤمن عمره
كله في تحصيله لكان أفضل من جهاد النفل ، الأمر الذي أحرج أدعياء القيم والأخلاق
في دول الغرب ، فجعلوا له يوما واحدا في العام يردون فيه بعض الجميل للأبوة
المهملة ، بعدما أعياهم أن يكون من الفرد منهم بمنزلة الدم والنخاع كما عند المسلم
الصادق وبالوالدين إحسانا
قال تعالى:
{ وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا }
[ البقرة 83
{ وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا }
[ البقرة 83
والإحسان نهاية البر , فيدخل فيه جميع ما يحب من الرعاية
والعناية , وقد أكد الله الأمر بإكرام الوالدين حتى قرن تعالى الأمر بالإحسان إليهما
بعبادته التي هي توحيده والبراءة عن الشرك اهتماما به وتعظيما له (2)
وقال تعالى:
{ واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا }
[النساء 36 ]،
فأوصى
سبحانه بالإحسان إلى الوالدين إثر تصدير ما يتعلق بحقوق الله عز وجل التي هي آكد الحقوق وأعظمها تنبيها على جلالة شأن الوالدين بنظمهما في سلكها بقوله ( وبالوالدين إحسانا ) وقد كثرت مواقع هذا النظم في التنزيل العزيز كقوله تعالى
{ واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا }
[النساء 36 ]،
فأوصى
سبحانه بالإحسان إلى الوالدين إثر تصدير ما يتعلق بحقوق الله عز وجل التي هي آكد الحقوق وأعظمها تنبيها على جلالة شأن الوالدين بنظمهما في سلكها بقوله ( وبالوالدين إحسانا ) وقد كثرت مواقع هذا النظم في التنزيل العزيز كقوله تعالى
{ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما
يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا
كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا}
قال ذو النون ثلاثة من أعلام البر : بر الوالدين بحسن
الطاعة لهما ولين الجناح وبذل المال ، وبر الولد بحسن التأديب لهم والدلالة على
الخير ، وبر جميع الناس بطلاقة الوجه وحسن المعاشرة، وطلبت أم مسعر ليلة من مسعر
ماء فقام فجاء بالكوز فصادفها وقد نامت فقام على رجليه بيده الكوز إلى أن أصبحت
فسقاها } وعن محمد ابن المنكدر قال : بت أغمز ( المراد بالغمز ما يسمى الآن
بالتكبيس ) رجلي أمي وبات عمي يصلي ليلته فما سرني ليلته بليلتي ، ورأى أبو هريرة رجلا
يمشي خلف رجل فقال من هذا ؟ قال أبي قال : لا تدعه باسمه ولا تجلس قبله ولا تمش
أمامه}
ووصينا الإنسان بوالديه
قال تعالى :
{ ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا
تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون }
[ العنكبوت 8 ]
قيل نزلت في سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه كما روى الترمذي : قال سعد أنزلت في أربع آيات فذكر قصة , وقالت أم سعد أليس قد أمر الله بالبر والله لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى أموت أو تكفر قال فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا فاها فنزلت هذه الآية
{ ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي.. ... } ، وقال جل ذكره
:{ ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون }
{ ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا
تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون }
[ العنكبوت 8 ]
قيل نزلت في سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه كما روى الترمذي : قال سعد أنزلت في أربع آيات فذكر قصة , وقالت أم سعد أليس قد أمر الله بالبر والله لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى أموت أو تكفر قال فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا فاها فنزلت هذه الآية
{ ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي.. ... } ، وقال جل ذكره
:{ ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون }
[ الأحقاف
15-16]،
وقال أيضا: { ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلى المصير وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون }
[لقمان 14- 15 ]
كذلكم البر كذلكم البر
وقال أيضا: { ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلى المصير وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون }
[لقمان 14- 15 ]
كذلكم البر كذلكم البر
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى
الله عليه وسلم أي العمل أحب إلى الله عز وجل؟ قال: ( الصلاة على وقتها) قال: ثم
أي؟ قال: ( بر الوالدين ) قال ثم أي؟ قال: ( الجهاد في سبيل الله ) ومن البر
بهما والإحسان إليهما ألا يتعرض لسبهما ولا يعقهما؛ فإن ذلك من الكبائر بلا خلاف،
وبذلك وردت السنة الثابتة؛ فعن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال: { من الكبائر شتم الرجل والديه ) قالوا يا رسول الله وهل يشتم
الرجل والديه ؟ قال ( نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه }
وعن عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال صلى الله عليه
وسلم ( رضا الرب في رضا الوالدين وسخطه في سخطهما ) أي غضبهما الذي لا يخالف
القوانين الشرعية كما تقرر فإن قيل : ما وجه تعلق رضى اللّه عنه برضى الوالد قلنا
: الجزاء من جنس العمل , فلما أرضى من أمر اللّه بإرضائه رضي اللّه عنه , فهو من
قبيل لا يشكر اللّه من لا يشكر الناس قال الغزالي : وآداب الولد مع والده : أن
يسمع كلامه , ويقوم بقيامه , ويمتثل أمره , ولا يمشي أمامه , ولا يرفع صوته ,
ويلبي دعوته , ويحرص على طلب مرضاته , ويخفض له جناحه بالصبر ولا يمن بالبر ، ولا
ينظر إليه شذرا، ولا يقطب وجهه في وجهه}
وفي الحديث الصحيح: {أنت ومالُك لأبيك}؛ حديث صحيحٌ رواه
جابر - رضِي الله عنه - عن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأخرجه ابن ماجه.
ورواه أيضًا سمرة وأبو
مسعود - رضي الله عنهما - وأخرجه الطبراني في "الأوسط"
و"الصغير"، وأخرجه البيهقي في "دلائل النبوة"، وصحَّحه ابن
حجر والألباني.
والرواية الأخرى للحديث:
((أنت ومالُك لوالدك، إنَّ أولادكم من أطيَبِ كسْبكم، فكُلُوا من كسْب أولادكم))؛
رواه ابن عمر - رضي الله عنهما - عن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأخرجه
أحمد وأبو داود وابن ماجه.
وذكر أنَّ رجلاً قال لرسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم
-: إنَّ أبويَّ بلغا من الكبر أنِّي ألي منهما ما وليا منِّي في الصِّغَر، فهل
قضيتهما؟
فقال - صلَّى الله عليه
وسلَّم -: ((لا؛ فإنهما كانا يَفعَلان ذلك وهما يُحِبَّان بقاءَك، وأنت تفعَل ذلك
وأنت تريدُ موتهما)).
وذكَر الزمخشري أنَّ
رجلاً شكا إلى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أباه وأنَّه يأخُذ ماله، فدعا
به، فإذا شيخٌ يتوكَّأ على عصا، فسأله، فقال الشيخ: إنَّه كان ضعيفًا وأنا قوي،
وكان فقيرًا وأنا غني، فكنت لا أمنعه شيئًا من مالي، واليوم أنا ضعيفٌ وهو قوي،
وأنا فقيرٌ وهو غني، ويبخل عليَّ بماله، فبكى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم
- وقال: ((ما من حجرٍ ولا مدرٍ يسمع هذا إلا بكى))، ثم قال للولد: ((أنت ومالُك
لأبيك، أنت ومالُك لأبيك)).
وذكر عن ابنِ عمرَ - رضِي الله عنهما - أنَّه رأى رجلاً
في الطواف يحمل أمَّه ويقول:
إِنِّى لَهَا مَطِيَّةٌ لاَ تُذْعَرُ
إِذَا الرِّكَابُ نَفَرَتْ لَا تَنْفِرُ
مَا حَمَلَتْ وَأَرْضَعَتْنِى أَكْثَرُ
اللهُ رَبِّى ذُو الْجَلَالِ أَكْبَرُ
فقال: أتراني جازَيْتها؟
قال: لا، ولو زفرة واحدة.
وقال ابن حجر: أخرجه ابن
المبارك في "البر والصلة"... بسنده قال: كان ابن عمر يطوفُ بالبيت فرأى
رجلاً... فذكره، وهذا إسنادٌ صحيح، وأخرجه البيهقي في "الشعب".
ويحسن أنْ أنقل ما قاله
ابن قدامة في الحكم الفقهي المستنبَط من الحديث قال: -رحمه الله -: "وللأب
أنْ يأخُذ من مال ولده ما شاء، ويتملَّكه مع حاجة الأب إلى ما يأخُذه ومع
عدمها، صغيرًا كان الولد أو كبيرًا، بشرطين:
-أحدهما: ألاَّ يجحف بالابن ولا
يضرُّ به، ولا يأخذ شيئًا تعلَّقت حاجتُه به.
-الثاني: ألاَّ يأخذ من مال
ولدٍ فيعطيه الآخَر، نصَّ عليه أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد؛ وذلك لأنَّه
ممنوعٌ من تخصيص بعض ولده بالعطيَّة من مال نفسه، فلأنْ يُمنَع من تخصيصه بما
أخَذَ من مال ولده الآخَر أولى.
وقد رُوِي أنَّ مسروقًا زوَّج ابنته بصداق عشرة آلاف
فأخذها فأنفقها في سبيل الله وقال للزوج: جهِّز امرأتك.
وروت عائشة - رضِي الله عنها - قالت: قال رسول الله -
صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنَّ أطيب ما أكلتُم من كسْبكم، وإنَّ أولادكم
من كسْبكم))؛ أخرجه سعيد والترمذي وقال: حديث حسن
وروى عمرو بن شُعَيب عن أبيه عن جدِّه قال: جاء رجلٌ إلى
النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: إنَّ أبي اجتاحَ مالي، فقال - صلَّى الله
عليه وسلَّم -: ((أنت ومالك لأبيك))
ولأنَّ الله - تعالى - جعل الولد موهوبًا لأبيه فقال: ﴿
وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ﴾ [الأنعام: 844]
وقال: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ
يَحْيَى ﴾ [الأنبياء: 90]
وقال زكريا: ﴿ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا ﴾ [ آل
عمران: 38]
وقال إبراهيم: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي
عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ﴾ [إبراهيم: 399]
وما كان موهوبًا له كان
له أخْذ ماله؛ كعبده، وقال سُفيان بن عُيَينة في قوله - تعالى -: ﴿ وَلاَ عَلَى
أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ ﴾ [النور: 611]
ثم ذكر بيوت سائر
القَرابات إلا الأولاد لم يذكُرهم؛ لأنهم دخلوا في قوله: ﴿بُيُوتِكُمْ ﴾، فلمَّا
كانت بيوت أولادهم كبيوتهم لم يذكر بيوت أولادهم، ولأنَّ الرجل يَلِي مالَ
ولده من غير تولية، فكان له التصرُّف فيه كمال نفسه..."، انتهى كلام ابن
قدامة.
إنَّ منزلة الوالدين في شريعة الإسلام منزلةٌ رفيعة؛
فالأب هو سبب وجود الإنسان، وهو وأمُّه اللذان تعهَّداه بالرعاية والعناية، ولولا
أنْ يقوم الوالدان برعايته وإرضاعه، وتنظيفه ومُداواته - لهلك حتمًا؛ لأنَّه
وُلِدَ أضعف ما يكون مخلوق، فأحسَنَا إليه غايةَ الإحسان، فكان عليه أنْ يُقابِل
هذا الإحسان بالبرِّ والطاعة؛
يقول الله - تعالى -: ﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلاَّ الْإِحْسَانُ ﴾ [الرحمن: 600]
يقول الله - تعالى -: ﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلاَّ الْإِحْسَانُ ﴾ [الرحمن: 600]
وقال - سبحانه -: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا
إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ
الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلاَ
تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ
الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا
﴾ [الإسراء: 23-244]
حرَّم الله على الولد أنْ يقول لوالديه: (أف) إذا كلَّفاه
بأمرٍ من الأمور، وأمَرَه أنْ يخفض لهما جَناحَ الذلِّ من الرحمة، وأمَرَه أنْ
يُصاحِبهما في الدنيا معروفًا ولو كانا كافرين يدعوانه إلى الشرك؛
﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [لقمان: 155]
﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [لقمان: 155]
**************************************************************
الآية الثانية
قول
الله تعالى:
{ وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ۗ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا}.
{ وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ۗ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا}.
الرياء
مبطل للأعمال مهما بلغت وهو من الأخلاق الذميمة.
والرياء
ضد الإخلاص، والإخلاص: أن تقصد بعملك وجه الله ، أما الرياء فمشتق من الرؤية وهو
أن يعمل العمل ليراه الناس ، والسمعة مشتقة من السمع وهو: أن يعمل العمل ليسمعه
الناس.
قال
ابن قدامة في مختصر منهاج القاصدين (ص: 220) : (وشوائب الرياء الخفي كثيرة لا
تنحصر ، ومتى أدرك الإنسان من نفسه تفرقة بين أن يُطَّلَع على عبادته أو لا يطلع ،
ففيه شعبة من الرياء ، ولكن ليس كل شوب محبطاً للأجر ، ومفسداً للعمل بل فيه تفصيل
، فإن قيل: فما ترى أحداً ينفك عن السرور إذا عُرِفت طاعته ، فهل جميع ذلك مذموم؟
فالجواب: أن السرور ينقسم إلى محمود ومذموم ، فالمحمود أن يكون قصده إخفاء الطاعة
، والإخلاص لله ، ولكن لما اطلع عليه الخلق ، علم أن الله أطلعهم ، وأظهر الجميل
من أحواله ، فيُسَرُّ بحسن صنع الله، ونظره له ، ولطفه به ، حيث كان يستر الطاعة
والمعصية ، فأظهر الله عليه الطاعة وستر عليه المعصية ، ولا لطف أعظم من ستر
القبيح ، وإظهار الجميل ، فيكون فرحه بذلك ، لا بحمد الناس وقيام المنزلة في
قلوبهم ، أو يستدل بإظهار الله الجميل ، وستر القبيح في الدنيا أنه كذلك يفعل به
في الآخرة ، فأما إن كان فرحه باطلاع الناس عليه لقيام منزلته عندهم حتى يمدحوه ،
ويعظموه ، ويقضوا حوائجه ، فهذا مكروه مذموم ، فإن قيل: فما وجه حديث أبي هريرة
قال رجل: يا رسول الله ، الرجل يعمل العمل فيسره ، فإذا اطلع عليه أعجبه؟ فقال:
"له أجران: أجر السر، وأجر العلانية" رواه الترمذي ، فالجواب أن الحديث
ضعيف ، وفسره بعض أهل العلم بأن معناه أن يعجبه ثناء الناس عليه بالخير ، لقوله
عليه الصلاة والسلام: "أنتم شهداء الله في الأرض" وقد روى مسلم عن أبي
ذر قيل: يا رسول الله أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه؟ فقال:
"تلك عاجل بشرى المؤمن" فأما إذا أعجبه ليعلم الناس فيه الخير ويكرموه
عليه فهذا رياء) انتهى.
والرياء
شرك خفي ، فقد روى أحمد وابن ماجه عن أبي سعيد قال: خرج علينا رسول الله صلى الله
عليه وسلم ونحن نتذاكر الدجال فقال: ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من الدجال؟
قلنا: بلى، فقال: الشرك الخفي ، أن يقوم الرجل يصلي فيزين صلاته لما يدرك من نظر
رجل" وروى أحمد عن محمود بن لبيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن
أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر الرياء".
والرياء
لا يحبط كل الأعمال ، وإنما يحبط العمل الذي حصل فيه الرياء.
عافانا الله وإياكم من الرياء ورزقنا الإخلاص.
عافانا الله وإياكم من الرياء ورزقنا الإخلاص.
ولقد
ورد ذم الرياء في الكتاب والسنة،
ومن ذلك قوله تعالى: {فويل للمصلين* الذين هم عن صلاتهم ساهون*الذين هم يراءون} [الماعون:4-6]،
وقوله: {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} [الكهف:110]،
وقوله صلى الله عليه وسلم: {يقول الله تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري، تركته وشركه} رواه مسلم، ورواه ابن ماجه بلفظ: "فأنا منه بريء وهو للذي أشرك".
ومن ذلك قوله تعالى: {فويل للمصلين* الذين هم عن صلاتهم ساهون*الذين هم يراءون} [الماعون:4-6]،
وقوله: {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} [الكهف:110]،
وقوله صلى الله عليه وسلم: {يقول الله تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري، تركته وشركه} رواه مسلم، ورواه ابن ماجه بلفظ: "فأنا منه بريء وهو للذي أشرك".
وأما
أثر الرياء على العمل ففيه تفصيل، ذكره الإمام ابن رجب الجنبلي وغيره ونحن نذكر
كلام ابن رجب بشيء من الاختصار.
قال
رحمه الله: واعلم أن العمل لغير الله أقسام:
-تارة يكون الرياء محضاً بحيث لا يراد به سوى مراءاة المخلوقين
لغرض دنيوي، كحال المنافقين في صلاتهم، كما قال الله عز وجل: {وإذا قاموا إلى
الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا} وهذا الرياء المحض لا
يكاد يصدر من مؤمن في فرض الصلاة والصيام، وقد يصدر في الصدقة الواجبة أو الحج،
وغيرهما من الأعمال الظاهرة أو التي يتعدى نفعها، فإن الإخلاص فيها عزيز، وهذا
العمل لا يشك مسلم أنه حابط، وأن صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة.
-وتارة يكون العمل لله، ويشاركه الرياء:
فإن
شاركه في أصله، فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه وحبوطه أيضاً. كالحديث السابق:
"أنا أغنى الشركاء عن الشرك" وأخرج الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه من
حديث أبي سعيد بن أبي فضالة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا جمع
الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه، نادى مناد: من كان أشرك في عمل عمله لله
عز وجل، فليطلب ثوابه من عند غير الله عز وجل، فإن الله أغنى الشركاء عن
الشرك" وخرج النسائي بإسناد جيد عن أبي أمامة الباهلي أن رجلاً جاء إلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت رجلاً غزا يلتمس الأجر والذكر؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا شيء له" فأعادها ثلاث مرات،
يقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا شيء له" ثم قال "إن
الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً، وابتغي به وجهه". ولا نعرف عن
السلف في هذا خلافاً، وإن كان فيه خلاف عن بعض المتأخرين.
-وأما إن كان أصل العمل لله، ثم طرأت عليه نية الرياء، فإن كان
خاطراً دفعه، فلا يضره بغير خلاف، وإن استرسل معه، فهل يحبط به عمله أم لا يضره
ذلك ويجازى على أصل نيته؟ في ذلك اختلاف بين العلماء من السلف قد حكاه الإمام أحمد
وابن جرير الطبري، ورجحا أن عمله لا يبطل بذلك، وأنه يجازى بنيته الأولى، وهو مروي
عن الحسن البصري وغيره.
وذكر
ابن جرير أن هذا الاختلاف إنما هو في عمل يرتبط آخره بأوله كالصلاة والصيام والحج،
فأما ما لا ارتباط فيه كالقراءة والذكر وإنفاق المال ونشر العلم، فإنه ينقطع بنية
الرياء الطارئة عليه ويحتاج إلى تجديد نية.
فأما
إذا عمل العمل لله خالصاً، ثم ألقى الله له الثناء الحسن في قلوب المؤمنين بذلك،
ففرح بفضل الله ورحمته، واستبشر بذلك، لم يضره ذلك، وفي هذا المعنى جاء حديث أبي
ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الرجل يعمل من الخير، ويحمده الناس
عليه؟ فقال: "تلك عاجل بشرى المؤمن" خرجه مسلم.
قال
ابن رجب رحمه الله: وبالجملة؛ فما أحسن قول سهل بن عبد الله التستري: ليس على
النفس شيء أشق من الإخلاص لأنه ليس لها فيه نصيب. وقال يوسف بن الحسين الرازي: أعز
شيء في الدنيا الإخلاص، وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي، وكأنه ينبت فيه على
لون آخر. فهذا حاصل ما ذكره العلماء في أثر الرياء على العمل.
وعليه،
فمن أتى بأصل الإيمان ودخل الرياء على بعض أعماله، فقد يؤدي إلى حبوط هذه الأعمال
على نحو ما سبق، فيكون تاركاً للواجب وفاعلاً للحرام، بل الرياء من الشرك الأصغر،
ومن كانت هذه حاله، ومات دون توبة فأمره إلى الله تعالى، إن شاء غفر له وأدخله
الجنة ابتداء، وإن شاء عذبه بقدر ذنوبه ثم أدخله الجنة، وهذا معتقد أهل السنة
والجماعة في سائر أهل المعاصي والكبائر إذا سلموا من الكفر الأكبر
ولذا
نقول: إذا طرأ الرياء على العمل فلا يخلو إما أن يجاهد صاحبه ذلك الرياء فهذا لا
يبطل عمله بإذن الله, بل هذا يؤجر على تلك المجاهدة وربما يكون ذلك خيراً له, أي
ربما يكون هذا النزغ من الشيطان سبباً في مجاهدة يؤجر عليها العبد أجراً أكبر
وأكثر مما لو أنه عمل العمل ولم يأته الشيطان ولم يحدثه في ذلك.
وإما
أن يستسلم للشيطان وأن يوافقه فيرائي بذلك العمل, فهذا لا يخلو إن كان العمل
واحداً متصلاً كالصلاة الواحدة مثلاً, فمتى دخلها الرياء ولو في آخرها فإنها تبطل
والعياذ بالله, فتحبط جميعاً, هذا الظاهر؛ لأن الأعمال بالخواتيم, وهذه عبادة
واحدة لا تزال متصلة فإذا طرأ الرياء في آخرها وسلّم وهو على ذلك فهذه خاتمة سوء
تجعل العمل كله حابطاً.
لكن
لا يعني ذلك أن تحبط كل صلاة قد صلاها من قبل خالصة لوجهه الكريم, وهي صلاة بعيدة
منفصلة عنها؛ لأن الإيمان يزيد وينقص, كما هو مذهب أهل السنة والجماعة, فربما كان
في الفجر مثلاً يصلي بإخلاص لا رياء فيه فيؤجر, ثم في الظهر شابته شائبة الرياء
فلم يؤجر, ثم في العصر يرجع إليه إخلاصه فيؤجر, وهذا هو الحق الموافق للفطرة ولحال
الناس وواقع الناس جميعاً, لا كما يزعم الخوارج أو غيرهم أنه يبطل ويحبط عمله كله
وصلواته كلها.
وكذلك
النفقة فربما أنفق اليوم -أو الآن- ألف ريال بلا رياء, ثم بعد دقائق أو بعد أيام
أو ساعات أنفق أخرى وراءى فيها والعياذ بالله فهذه تبطل وتحبط, وتلك التي أخلص
فيها لا تحبط, وهذا هو القول الصحيح في هذا الأمر والله تعالى أعلم.
******************************************************************
الآية الثالثة
قول الله تعالى:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا )
[النساء: 43].
ونتكلم فيها عن قضاء الحاجة والتيمم:
أولا: قضاء الحاجة.
وهاك بعض المسائل متعلقة بقضاء الحاجة منها:
البول من قيام
في حديث جابر ـ رضي الله عنه ـ نهى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يبول الرجل قائما. أخرجه ابن ماجه.
وروى ابن عمر ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ انتهى إلى سباطة قوم فبال قائما، ثم دعا بماء فمسح على خفيه. حديث صحيح.
فالنهي الأول يدل على الكراهة لا التحريم، وفعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يدل على ذلك ولكن الجواز بشرطين: أن يأمن من التلوث بالبول، والثاني أن يأمن من أن ينظر إلى عورته أحد.
وأما الحكم بالنسبة لما يسمى بالمبولة فتأخذ نفس الحكم.
2- عدم الاستتار
بعض الناس يقف لقضاء الحاجة في أماكن غي مخصصة لها ولا يستتر من الناس بحيث ترى الناس عورته، وهذا من الأشياء الشائعة عند العوام فيقع مثلا في أماكن الوضوء في المساجد وفي الطرقات، وقد بين النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن هذا الفعل سبب من أسباب عذاب القبر كما جاء في حديث ابن عباس قال مر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بحائط من حيطان المدينة أو مكة فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعذبان وما يعذبان في كبير ثم قال بلى كان أحدهما لا يستتر من بوله وكان الآخر يمشي بالنميمة.
3- ترك الاستنزاه من البول .
بعض الناس كذلك بمجرد الانتهاء من البول فإنه يلبس سراويله دون أن يستنزه من البول بمعنى إكمال التبول وترك تنظيف الفرج بعد التبول فيتنجس بذلك، وهذا حرام ولا تصح الصلاة في هذه الملابس لتيقن النجاسة، وقد ورد في بعض روايات الحديث السابق عند الإمام مسلم ما يفيد ذلك، ( قال وكان الآخر لا يستنزه عن البول أو من البول ).
4- صلاة الحاقن، والحاقب.
بعض الناس يكون متوضئا ثم يدخل عليه وقت الصلاة، وهو يحتاج أن يقضي حاجته فيصلي قبل قضاء الحاجة كسلا منه لإعادة الوضوء أو يخشى فوات الجماعة فيصلى على حاله، وهذا خطأ لنهي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن ذلك :
روت عائشة قالت إني سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول لا صلاة بحضرة الطعام ولا هو يدافعه الأخبثان.
والحكمة في النهي عن ذلك أنه يخل بالخشوع وبذلك يستحب له أن يفرغ نفسه من ذلك قبل دخول الصلاة.
5- إذا دخل الإنسان الحمام ونسي التسمية فكيف يسمي.
إذا كان الإنسان في الحمام للوضوء وشق عليه الخروج فإنه يسمي بقلبه لا بلسانه؛ لأن التسمية في الوضوء سنة وليست بواجبة، ومثل التسمية جميع الأذكار فينبغي على من دخل الخلاء أن يكون مستصحبا للذكر بقلبه.
6- إعادة الاستنجاء عند الوضوء.
بعض الناس يستنجي لكل وضوء من ريح وضراط، والبعض يستنجي لإرادة الوضوء، وهذا خطأ فلا الريح ولا الضراط يستوجب الاستنجاء، كما أن الفرج والدبر إذا غسلا بعد خروج البول والغائط فقد طهرا، وإذا طهرا فلا حاجة لإعادة غسلهما.
7- غسل الماء بالصابون ونحوه بعد قضاء الحاجة.
من الأخطاء التي يقع فيها كثير من الناس أنه لا يغسل يديه بالصابون ونحوه من المنظفات بعد قضاء الحاجة، بل وربما لا يغسل البعض أصلا وهذا خطأ مخالف لهدي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حيث كان إذا فرغ من قضاء حاجته غسل يده بشيء من المطهرات.
س: هل يكفي الورق ( المناديل ) في إزالة النجاسة بدون استخدام الماء؟
الجواب: نعم يكفي استعمال المناديل والأوراق ونحوها في الاستجمار وتجزئ إذا أنقت ونظفت المحل من قبل أو دبر، والأفضل أن يكون ما يستجمر به وترا، ويجب ألا ينقص عن ثلاث مسحات، ولا يجب استعمال الماء بعده لكن استعمال الماء بعده سنة فقط.
آداب الاستنجاء
أن يبدأ الرجل في الاستنجاء بالقبل لئلا تتلوث يده إذا شرع في الدبر ؛ لأن قبله بارز تصيبه اليد إذا مدها إلى الدبر، والمرأة مخيرة في البداية بأيهما شاءت، لعدم ذلك فيها، ويستحب أن يمكث بعد البول قليلا.
إبداء الحياء من الله تعالى عند قضاء الحاجة
بعض الناس لا يدخل الخلاء إلا عاريا، ويضع بعضهم التليفون في الحمام، والبعض يقرأ الجرائد والمجلات التي لا تخلو عن اسم الله تعالى، والبعض لا يقضي حاجته إلا على أنغام الموسيقى، حتى سمعنا أن بعض الناس يضع الكاسيت في الحمام، وهذا ينافي الحياء، وهذا من الأخطاء الشائعة، فإن السنة إظهار الحياء من الله تعالى على كل حال خاصة في حال ظهور العورة، والحياء شعبة من الإيمان بل ويندب تغطية رأسه حال قضاء الحاجة والاستنجاء حياء من الله تعالى وملائكته ؛ ولأنه أحفظ لمسام الشعر من تعلق الرائحة بها؛ ولأن ذلك يروى عن أبي بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ.
خرج ابن أبي شيبة في المصنف: " أن أبا بكر الصديق قال وهو يخطب الناس يا معشر المسلمين استحيوا من الله فوالذي نفسي بيده إني لأظل حين أذهب إلى الغائط في الفضاء مغطى رأسي استحياء من ربي.
وعن أبي موسى قال إني لأغتسل في البيت المظلم فأحني ظهري إذا أخذت ثوبي حياء من ربي.
ويكره على أن يبول في شق أو ثقب، وهو الفتحة في الأرض أو الجدار، وهو مسكن الهوام والدواب، وعلة الكراهة كونه لا يأمن أن يكون فيه حيوان يلسعه أو يكون مسكنا للجن فيتأذى بهم، فقد حكي أن سعد بن عبادة بال في جحر بالشام ثم استلقى ميتا فسمعت الجن تقول:
نحن قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة ورميناه بسهمين فلم نخطئ فؤاده
دعاء دخول الخلاء
يقدم رجله اليسرى في الدخول واليمنى في الخروج ويقول عند دخوله "بسم الله أعوذ بالله من الخبث والخبائث" قال أحمد يقول إذا دخل الخلاء: أعوذ بالله من الخبث والخبائث، وما دخلت قط المتوضأ ولم أقلها إلا أصابني ما أكره، وعن أنس :{ أن النبي ـ ـ كان إذا دخل الخلاء قال اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث }.
وعن علي قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ :{ ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الكنيف أن يقول: بسم الله }.
وعن علي قال: قال إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال :{ لا يعجز أحدكم إذا دخل مرفقه أن يقول: اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم} رواهما ابن ماجه.
قال أبو عبيد الخبث بسكون الباء الشر والخبائث الشياطين، وقيل الخبث بضم الباء والخبائث: ذكران الشياطين وإناثهم .
وفائدة الاستعاذة: هي لجوء المستعيذ إلى الله عز وجل من النفوس الخبيثة التي تسكن في أماكن الخلاء وقضاء الحاجة، ومعنى أعوذ بالله: أي أعتصم وألتجئ بالله ـ عز وجل ـ من الخبث والخبائث.
فإذا خرج من الخلاء قال غفرانك الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني.
روى أنس :{ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان إذا خرج من الخلاء قال غفرانك الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني }.
وقالت عائشة :{ كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا خرج من الخلاء قال غفرانك}.
وغفران مصدر غفر يغفر غفرا وغفرانا، كشكر يشكر شكرا وشكرانا، والمعنى أسألك غفرانك، والمغفرة معناها: ستر الذنب والتجاوز عنه، فالمعنى اغفر لي: أي استر ذنوبي وتجاوز عني حتى أسلم من عقوبتها ومن الفضيحة بها. وقيل إن الإنسان لما تخفف من أذية الجسم تذكر أذية الإثم فدعا الله أن يخفف عنه أذية الإثم كما منّ عليه بتخفيف أذية الجسم، من باب تذكر الشيء بالشيء.
ثم إن هذا الدعاء عند الدخول والخروج يذكرنا ببعض نعم الله علينا، والتي قال فيها: ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم ) [النحل:18] فلله تعالى الحمد أن يسر للإنسان إخراج هذا الطعام بهذه السهولة وهذه نعمة كبرى، وصدق الله الجليل حين قال: ( وفي أنفسكم أفلا تبصرون ) [الذاريات :21 ] فعلى العاقل أن يتفكر في هذه النعمة تعبدا لله ـ عز وجل ـ في التفكر في قدرته، وحكمته وعلمه، في كيفية هضم الطعام بسلاسة، وإخراجه على هذا النحو، ثم تحول بعضه إلى دم، وبعضه إلى روث .......، ولا يعرف هذه النعمة إلا من ابتلى بما يذكره بها فنسأل الله تعالى العافية .
ثانيا: التيمم.
التيمم في اللغة القصد قال الله تعالى:
ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون
[ البقرة :267 ].
وفي الشريعة عبارة عن التعبد لله ـ تعالى ـ بقصد الصعيد الطيب لمسح الوجه واليدين
وثبوت التيمم بالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى :{ فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا } ونزول الآية في غزوة المريسيع حين عرس رسول الله ـ
ـ ليلة فسقط عقد عائشة رضي الله عنها فلما ارتحلوا ذكرت ذلك لرسول الله ـ
ـ فبعث رجلين في طلبه ونزلوا ينتظرونهما فأصبحوا وليس معهم ماء فأغلظ أبو بكر
رضي الله تعالى عنه على عائشة رضي الله تعالى عنهما وقال حبست رسول الله ـ
ـ والمسلمين على غير ماء فنزلت آية التيمم فلما صلوا جاء أسيد بن الحضير إلى مضرب عائشة رضي الله عنها فجعل يقول ما أكثر بركتكم يا آل أبي بكر وفي رواية يرحمك الله يا عائشة ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله للمسلمين فيه فرجا.
ومن خلال هذه العلة يتبين لنا وجوب التسليم والانقياد لله في أمره وإن لم تظهر الحكمة واضحة؛ لأنه لا يخلو أمر عن حكمة فالله سبحانه منزه عن العبث.
والسنة ما روي :{ عن رسول الله ـ
ـ أنه قال جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا أينما أدركتني الصلاة تيممت وصليت } متفق عليه.
وقال عليه الصلاة والسلام: { الصعيد الطيب طهور المسلم ولو إلى عشر حجج ما لم تجد الماء } أخرجه الترمذي.
وحديث عمار ـ
ـ: { أن رجلا أتى عمر فقال إني أجنبت فلم أجد ماء فقال لا تصل فقال عمار أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سرية فأجنبنا فلم نجد ماء فأما أنت فلم تصل وأما أنا فتمعكت في التراب وصليت فقال النبي ـ
ـ إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ثم تنفخ ثم تمسح بهما وجهك وكفيك فقال عمر اتق الله يا عمار قال إن شئت لم أحدث به } الحديث أخرجه مسلم .
وأما الإجماع، فأجمعت الأمة على جواز التيمم في الجملة.
التيمم خصوصية لأمة النبي محمد
التيمم من بين عدة أشياء خص الله ـ تعالى ـ بها الأمة فروى جابر بن عبد الله :{ أن رسول الله ـ
ـ قال: أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة } متفق عليه.
قوله: { لم يعطهن أحد قبلي } نفي لحصول أحد من السابقين على هذه الأشياء ومعلوم أنه لا يعطاهن أحد بعده فتكون خصائص له، إذ الخاصة ما توجد في الشيء ولا توجد في غيره .
مفهوم العدد غير مراد؛ لأنه قد ثبت أنه أعطي أكثر من الخمس، وقد عدها السيوطي في الخصائص فبلغت الخصائص زيادة على المائتين.
تـنـبيه
قوله وجعلت لي الأرض مسجدا
أولا: اختلف في بيان ما خصص به على الأمم قبله في ذلك فقيل: إن الأمم الماضية لم تكن الصلاة تباح لهم إلا في مواضع مخصوصة كالبيع، والكنائس وقيل كانوا لا يصلون إلا فيما تيقنوا طهارته من الأرض وخصصت هذه الأمة بجواز الصلاة في جميع الأرض إلا ما تيقنت نجاسته حكاهما القاضي عياض.
ثانيا: عموم ذكر الأرض في هذا الحديث مخصوص بما نهى الشارع عن الصلاة فيه كالمقبرة، والحمام ومعاطن الإبل.
قد يستشكل على أحد قول النبي ـ
ـ :{ وكان النبي يبعث في قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة } مع عموم رسالة نوح بعد الطوفان .
والجواب عن ذلك أن عموم الرسالة خاص به ـ ـ وآله، فأما نوح فإنه بعث إلى قومه خاصة، نعم صار بعد إغراق من كذب به مبعوثا إلى أهل الأرض ؛ لأنه لم يبق إلا من كان مؤمنا به، ولكن ليس العموم في أصل البعثة ؛ وقيل غير ذلك .
س: هل الحي أولى بالماء أم تغسيل الميت إن لم يوجد غيره؟
الجواب: تغسيل الميت أولى فلو كان مع رجل ماء فأجنب رجل وطهرت امرأة من الحيض ومات رجل ولم يسعهم الماء كان الميت أحبهم إلى أن يجودوا بالماء عليه ويتيمم الحيان ؛ لأنهما قد يقدران على الماء والميت إذا دفن لم يقدر على غسله، فإن كان مع الميت ماء فهو أحقهم به، فإن خافوا العطش شربوه ويمموه وأدوا ثمنه في ميراثه.
وإن عدم الميت الماء يمم كما يتيمم الحي؛ لأن غسله فرض، وقد ذكرنا عن النبي ـ
ـ أن التراب طهور إذا لم نجد الماء، فهذا عموم لكل طهور واجب، ولا خلاف في أن كل غسل طهور .
مسألة الترتيب في التيمم
ذهب الحنفية والمالكية إلى أن الترتيب في التيمم بين الوجه واليدين ليس بواجب بل مستحب؛ لأن الفرض الأصلي المسح، وإيصال التراب وسيلة إليه فلا يجب الترتيب في الفعل الذي يتم به المسح.
والوارد عن عمار بن ياسر: { أن رسول الله ـ
ـ علمه التيمم فضرب ضربة بكفيه على الأرض ثم نفضها ثم مسح بها ظهر كفه بشماله أو ظهر شماله بكفه ثم مسح بها وجهه } فكان هذا حكما زائدا، وبيانا أن كل ذلك جائز، بخلاف الوضوء. فمن أخذ بظاهر القرآن فبدأ بالوجه فحسن، ومن أخذ بحديث عمار فبدأ باليدين قبل الوجه فحسن.
وذهب الشافعية إلى أن الترتيب فرض كالوضوء.
وذهب الحنابلة إلى أن الترتيب فرض عندهم في غير حدث أكبر، أما التيمم لحدث أكبر ونجاسة ببدن فلا يعتبر فيه ترتيب.
والراجح هو مذهب الترتيب لقوله عليه السلام: { ابدءوا بما بدأ الله به } فوجب أن لا يجزئ إلا الابتداء بالوجه ثم اليدين .
س: كم صلاة تصلى بالتيمم الواحد ؟.
الجواب: اختلف الفقهاء في ذلك والراجح أن المتيمم يصلي بتيممه ما شاء من الصلوات الفرض والنوافل ما لم ينتقض تيممه بحدث أو بوجود الماء؛ لأن التيمم لا يخلو من أن يكون طهارة أو لا طهارة، فإن كان طهارة فيصلي بطهارته ما لم يوجب نقضها قرآن أو سنة، وإن كان ليس طهارة فلا يجوز له أن يصلي بغير طهارة.
من معه ماء يحتاج إليه للعطش فهو كالعادم فيتيمم مع وجوده، وهذا لا خلاف فيه، نقل ابن المنذر وغيره الإجماع عليه .
كما أنه إذا احتاج إليه لعطش نفسه أو رفيقه أو حيوان محترم من مسلم أو ذمي أو مستأمن أو بهيمة جاز التيمم بلا إعادة.
إذا وجد الماء يباع بثمن مثله وهو واجد للثمن غير محتاج إليه لزمه شراؤه بلا خلاف، ويعتبر ثمن مثله في ذلك الموضع في تلك الحالة فإن ثمن المثل يعتبر حالة التقويم والله أعلم.
إذا احتاج إلى ماء الطهارة دون العطش ووجد الماء مع من لا يحتاج إليه فطلبه منه بيعا أو هبة أو قرضا فامتنع من ذلك لم يجز أن يقهره على أخذه بلا خلاف، بخلاف ما لو احتاج إليه لشدة العطش وصاحبه غير محتاج إليه فإنه يقهره على أخذه ؛ لأن لماء الطهارة بدلا فيتيمم ويصلي ولا إعادة
كما أنه لا يجوز للعاري أن يقهر صاحب الثوب على أخذه لستر العورة للصلاة فإن خاف من حر أو برد فله قهره إذا لم يبذله إليه صاحبه .
س: هل يجوز لفاقد الماء التعرض للجنابة ؟.
نعم يجوز لفاقد الماء التعرض للجنابة كأن يجامع أهله وهو يعلم عدم وجود الماء الذي يرفع به الجنابة، وأن التيمم يكفيه .
والدليل على ذلك ما روي عن أبي ذر قال :{ إني اجتويت المدينة فأمر لي رسول الله ـ
ـ بذود وبغنم فقال لي اشرب من ألبانها فقال أبو ذر: فكنت أعزب عن الماء ومعي أهلي فتصيبني الجنابة فأصلي بغير طهور فأتيت رسول الله ـ
ـ وهو في رهط من أصحابه وهو في ظل المسجد فقال: أبو ذر فقلت نعم، هلكت يا رسول الله. قال وما أهلكك؟ قلت إني كنت أعزب عن الماء ومعي أهلي تصيبني الجنابة فأصلي بغير طهور، فأمر لي بماء .... إلى أن قال، الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك فإن ذلك خير } رواه أبو داود والنسائي.
يصح اقتداء المتوضئ بالمتيمم ودليله حديث عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل .
تيمم الحائض والجنب صحيح إذا عدما الماء، أو لم يقدرا عليه، فإذا وجدا الماء أو قدرا على استعماله وجب الغسل لحديث عمران بن حصين وفيه أن النبي ـ
ـ رأى جلا معتزلا لم يصل في القوم قال ما منعك أن تصلى؟ قال أصابتني جنابة ولا ماء، فقال النبي ـ
ـ { عليك بالصعيد فإنه يكفيك } ثم حضر الماء بعد ذلك فأعطاه النبي ـ
ـ ماء وقال { أفرغه على نفسك }
الـوضـوء
الوضوء شرط صحة الصلاة، وهو مفتاح الصلاة بمثابة مفتاح الباب، فمن أراد أن يفتح الباب بحث عن المفتاح فكذلك الوضوء، ومن ثم فقد ورد فيه فضائل كثيرة للحث على المحافظة عليه والتمسك به فمن ذلك ما يأتي:
عن أبي مالك الأشعري أن رسول الله ـ r ـ قال :{الوضوء شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماوات والأرض والصلاة نور والصدقة برهان والصبر ضياء والقرآن حجة لك أو عليك كل الناس يغدو فبايع نفسه فمعتقها أو موبقها }.
الوضوء تظهر آثاره يوم القيامة، ويميز الله ـ عز وجل ـ أصحاب الوضوء في الدنيا، وبه يعرفهم النبي ـ r ـ.
ومنه ما روي عن أبي هريرة قال: إني سمعت النبي ـ r ـ يقول إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل}.
ومن ذلك أيضا ما رواه أبو هريرة أن رسول الله ـ r ـ قال :إن حوضي أبعد من أيلة من عدن لهو أشد بياضا من الثلج وأحلى من العسل باللبن ولآنيته أكثر من عدد النجوم وإني لأصد الناس عنه كما يصد الرجل إبل الناس عن حوضه قالوا يا رسول الله أتعرفنا يومئذ قال نعم لكم سيما ليست لأحد من الأمم تردون علي غرا محجلين من أثر الوضوء.
إسباغ الوضوء، والإحسان في الصلاة يكفر الخطايا، ويعلي الله به الدرجات، واسمع لما روي عن النبي ـ r ـ .
روي عن عثمان أنه دعا بطهور فقال: سمعت رسول الله ـ r ـ يقول ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة وذلك الدهر كله.
وما روي عن أبي هريرة أن رسول الله ـ r ـ قال: ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات قالوا بلى يا رسول الله قال إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط.
ومنه ما روي عن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله ـ ـ من أتم الوضوء كما أمره الله تعالى فالصلوات المكتوبات كفارات لما بينهن هذا حديث ابن معاذ وليس في حديث غندر في إمارة بشر ولا ذكر المكتوبات .
ومنه حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ـ ـ إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرجت من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء أو نحو هذا وإذا غسل يديه خرجت من يديه كل خطيئة بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقيا من الذنوب}، قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح .
وبين ـ r ـ أن بالوضوء تنحل عقد الشيطان فروى أبو هريرة ـ ـ أن رسول الله ـ r ـ قال: يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد يضرب كل عقدة عليك ليل طويل فارقد فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة فإن توضأ انحلت عقدة فإن صلى انحلت عقدة فأصبح نشيطا طيب النفس وإلا أصبح خبيث النفس كسلان.
كما ذكر عليه السلام أن المحافظة على الوضوء من علامات الإيمان فروى ثوبان قال: قال رسول الله ـ r ـ استقيموا ولن تحصوا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن.
فرائض الوضوء .
حكم التسمية في الوضوء: ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والشافعية إلى عدم وجوب التسمية في الوضوء، واستدلوا على ذلك بقول الله ـ تعالى ـ: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم الآية [المائدة:6] يدل على أن التسمية على الوضوء ليست بفرض؛ لأنه أباح الصلاة بغسل هذه الأعضاء من غير شرط التسمية، فمن شرطها فهو زائد في حكم هذه الآية ما ليس منها وناف لما أباحته من جواز الصلاة بوجود الغسل.
ويدل عليه من جهة السنة حديث عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه توضأ مرة مرة
وقال :{ هذا وضوء من لا يقبل الله له صلاة إلا به} ولم يذكر فيه التسمية .
وقد علم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الأعرابي الطهارة في الصلاة في حديث رفاعة بن رافع وقال: { لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء فيغسل وجهه ويديه } إلى آخره، ولم يذكر التسمية .
وحديث علي، وعثمان، وعبد الله بن زيد، وغيرهم في صفة وضوء رسول الله ـ
ـ ولم يذكر أحد منهم التسمية فرضا فيه، وقالوا: هذا وضوء رسول الله ـ
ـ فلو كانت التسمية فرضا فيه لذكروها ولورد النقل به متواترا في عدد ورود النقل في سائر الأعضاء المفروض طهارتها، لعموم الحاجة إليه .
وأيضا: لأن المطلوب من المتوضئ هو الطهارة، وترك التسمية لا يقدح فيها ؛ لأن الماء خلق طهورا في الأصل، فلا تقف طهوريته على صنع العبد.
والخلاصة: أن التسمية مستحبة في الوضوء وغيره من الأفعال، عبادة أو غيرها، فتقال عند البدء في تلاوة القرآن الكريم والأذكار، وركوب سفينة ودابة، ودخول المنزل ومسجد، أو خروج منه، وعند إيقاد مصباح أو إطفائه، وقبل وطء مباح، وصعود خطيب منبرا، ونوم، والدخول في صلاة النفل، وتغطية الإناء، وفي أوائل الكتب، وعند تغميض ميت ولحده في قبره، ووضع اليد على موضع ألم بالجسد، وصيغتها ( باسم الله ) والأكمل ( بسم الله الرحمن الرحيم ) فإن نسي التسمية أو تركها عمدا فلا شيء، ويثاب إن فعل. ومما ورد حديث :{ كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه باسم الله فهو أبتر }. وفي رواية { فهو أقطع } وفي أخرى { فهو أجذم }، وما ورد عن رسول الله ـ
ـ: { ضع يدك على الذي تألم من جسدك، وقل: باسم الله ثلاثا. .. } الحديث. وحديث: { أغلق بابك واذكر اسم الله، فإن الشيطان لا يفتح بابا مغلقا، وأطفئ مصباحك واذكر اسم الله، وخمر إناءك. .. } وحديث: { إذا عثرت بك الدابة فلا تقل: تعس الشيطان، فإنه يتعاظم، حتى يصير مثل البيت، ويقول: بقوتي صرعته، ولكن قل: بسم الله الرحمن الرحيم، فإنه يتصاغر، حتى يصير مثل الذباب }.
س: متى يحرم أو يكره الإتيان بالتسمية ؟.
الجواب: تكره التسمية لو كان عاصيا بالفعل كالوضوء بالماء المغصوب أو كان الفعل محرما لذاته كالزنا وشرب الخمر وأكل الميتة، وذكر بعض العلماء أنها تحرم عند الحرام وتكره عند المكروه.
وعقد البخاري في ذلك بابا في صحيحه فقال: باب التسمية على كل حال وعند الوقاع. واحتج بحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ـ ـ قال: { لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال: باسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فقضي بينهما ولد لم يضره الشيطان }.
وبناء على ما سبق فإن التسمية ليست بواجبة، فلو تركها عمدا صح وضوءه على الراجح من أقوال الفقهاء .
واعلم أن أكمل التسمية أن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، فإن قال باسم الله فقط حصل فضيلة التسمية بلا خلاف.
واختلف المشايخ في أن التسمية يؤتى بها قبل الاستنجاء أو بعده، قال بعضهم: قبله لأنها سنة افتتاح الوضوء وقال بعضهم: بعده لأن حال الاستنجاء حال كشف العورة، فلا يكون ذكر اسم الله تعالى في تلك الحالة من باب التعظيم .
وأما فرائض الوضوء فهي على النحو الآتي:
الأول: غسل الوجه.
الفرض الأول من فرائض الوضوء الوجه، والوجه: هو ما تحصل به المواجهة وحده من منبت الشعر المعتاد إلى أسفل اللحية طولا، ومن الأذن إلى الأذن عرضا .
وعلى المذهب يجب غسل ما استرسل من اللحية ؛ لأنه تحصل به المواجهة .
وجملة ذلك: أن اللحية إن كانت خفيفة تصف البشرة وجب غسل باطنها. وإن كانت كثيفة لم يجب غسل ما تحتها، ويستحب تخليلها. وممن روي عنه أنه كان يخلل لحيته: عبد الله بن عمر، وابن عباس، والحسن، وأنس، وابن أبي ليلى، وعطاء بن السائب.
وقال إسحاق: إذا ترك تخليل لحيته عامدا أعاد؛ لأن النبي ـ
ـ:{ كان يخلل لحيته} رواه عنه عثمان بن عفان. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال البخاري: هذا أصح حديث في الباب.
وروى أبو داود عن أنس ـ
ـ :{ أن النبي ـ
ـ كان إذا توضأ أخذ كفا من ماء فأدخله تحت حنكه وقال: هكذا أمرني ربي عز وجل }.
وقال عطاء وأبو ثور: يجب غسل باطن شعور الوجه وإن كان كثيفا كما يجب في الجنابة ؛ ولأنه مأمور بغسل الوجه في الوضوء كما أمر بغسله في الجنابة، فما وجب في أحدهما وجب في الآخر مثله.
ومذهب أكثر أهل العلم أن ذلك لا يجب، ولا يجب التخليل ؛ وممن رخص في ترك التخليل ابن عمر، والحسن بن علي، وطاوس، والنخعي، والشعبي، وأبو العالية، ومجاهد، وأبو القاسم، ومحمد بن علي، وسعيد بن عبد العزيز، وابن المنذر ؛ لأن الله تعالى أمر بالغسل، ولم يذكر التخليل، وأكثر من حكى وضوء رسول الله ـ
ـ لم يحكه، ولو كان واجبا لما أخل به في وضوء، ولو فعله في كل وضوء لنقله كل من حكى وضوءه أو أكثرهم، وتركه لذلك يدل على أن غسل ما تحت الشعر الكثيف ليس بواجب ؛ لأن النبي ـ ـ كان كثيف اللحية فلا يبلغ الماء ما تحت شعرها بدون التخليل والمبالغة، وفعله للتخليل في بعض أحيانه يدل على استحباب ذلك، والله أعلم .
جاء في الموسوعة الفقهية" اتفق الفقهاء على أن الذقن من الوجه، فيجب غسله في الوضوء لقوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم } [المائدة:6] ولا خلاف بين الفقهاء في وجوب غسل الذقن الذي نبتت عليه اللحية الخفيفة، أي التي تظهر البشرة تحتها، ولا تسترها عن الرائي. أما ما نبت على الذقن من اللحية الكثيفة فيجب غسل ظاهرها لأنها نبتت في محل الفرض، والمواجهة تحصل بها فتدخل في اسم الوجه. أما باطنها من الذقن والبشرة فلا يجب غسله في الوضوء ؛ لعسر إيصال الماء إليه، ولما ورد أنه توضأ فغرف غرفة غسل بها وجهه وكانت لحيته الكريمة كثيفة، وبالغرفة الواحدة لا يصل الماء إلى ذلك غالبا ".
صفة غسل الوجه المستحبة
أن يأخذ الماء بيديه جميعا لأنه أمكن وأصبغ، ويبدأ بأعلى وجهه ثم يحدره ؛ لأن رسول الله ـ
ـ هكذا كان يفعل، ولأن أعلى الوجه أشرف لكونه موضع السجود، ولأنه أمكن فيجري الماء بطبعه ثم يمر يديه بالماء على وجهه حتى يستوعب جميع ما يؤمر بإيصال الماء إليه، فإن أوصل الماء على صفة أخرى أجزأه، والله أعلم.
"والفم والأنف منه " يعني أن المضمضة والاستنشاق من فروض الوضوء ؛ لوجودهما في الوجه، ودخولهما في حده .
وجمهور الفقهاء من المالكية، والحنفية، والشافعية على أن المضمضة ليست بواجبة في الطهارة الصغرى، والدليل على ما ذهبوا إليه أن هذا العضو باطن في أصل الخلقة فلم يجب إيصال الماء إليه في الوضوء كداخل العينين.
وأيضا: إن الواجب في باب الوضوء غسل الأعضاء الثلاثة، ومسح الرأس، وداخل الأنف، والفم ليس من جملتها أما ما سوى الوجه فظاهر، وكذا الوجه ؛ لأنه اسم لما يواجه به عادة، وداخل الأنف، والفم لا يواجه به بكل حال، فلا يجب غسله، بخلاف باب الجنابة ؛ لأن الواجب هناك تطهير البدن بقوله ـ تعالى ـ: وإن كنتم جنبا فاطهروا [ المائدة:6]، أي طهروا أبدانكم فيجب غسل ما يمكن غسله من غير حرج ظاهرا كان أو باطنا، ومواظبة النبي ـ ـ عليهما في الوضوء دليل السنية دون الفرضية، فإنه كان يواظب على سنن العبادات .
الفرض الثاني غسل اليدين إلى المرفقين .
هذه هي الفريضة الثانية وهي غسل اليدين مع المرفقين، فغسل اليدين فرض بالكتاب والسنة والإجماع، وتقديم اليمنى سنة بالإجماع وليس بواجب بالإجماع، قال ابن المنذر: أجمعوا على أنه لا إعادة على من يبدأ بيساره، وكذا نقل الإجماع فيه آخرون وحكى أصحابنا عن الشيعة أن تقديم اليمنى واجب، لكن الشيعة لا يعتد بهم في الإجماع، والله أعلم .
كيفية غسل اليدين.
ذهب جمهور العلماء: إلى أنه يستحب تقديم اليمين في كل ما هو من باب التكريم كالوضوء والغسل ولبس الثوب والنعل والخف والسراويل ودخول المسجد والسواك والاكتحال وتقليم الأظفار وقص الشارب ونتف الإبط وحلق الرأس والسلام من الصلاة والخروج من الخلاء والأكل والشرب والمصافحة واستلام الحجر الأسود والأخذ والعطاء وغير ذلك مما هو في معناه، ويستحب تقديم اليسار في ضد ذلك كالامتخاط والاستنجاء ودخول الخلاء والخروج من المسجد وخلع الخف والسراويل والثوب والنعل وفعل المستقذرات وأشباه ذلك.
ودليل هذه القاعدة أحاديث كثيرة في الصحيح، منها حديث عائشة رضي الله عنها " قالت: { كان رسول الله ـ
ـ يعجبه التيمن في شأنه كله في طهوره وترجله وتنعله }، وعن عائشة أيضا قالت: { كانت يد رسول الله ـ
ـ اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت اليسرى لخلائه، وما كان من أذى }، وعن حفصة رضي الله عنها: { أن رسول الله ـ
ـ كان يجعل يمينه لطعامه وشرابه وثيابه، ويساره لما سوى ذلك }، وعن أم عطية رضي الله عنها { أن النبي ـ
ـ قال لهن في غسل ابنته رضي الله عنها: ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها}.
وثبت الابتداء في الوضوء باليمين من رواية عثمان وأبي هريرة وابن عباس وغيرهم رضي الله عنهم وعن أبي هريرة ـ
ـ أن رسول الله ـ
ـ قال: { إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمنى وإذا نزع بدأ بالشمال لتكون اليمنى أولهما تنعل وآخرهما تنزع}.
يستحب أن يبدأ في غسل يديه من أطراف أصابعه فيجري الماء على يده ويدير كفه الأخرى عليها مجريا للماء بها إلى مرفقه ولا يكتفي بجريان الماء بطبعه، فإن صب عليه غيره بدأ بالصب من مرفقه إلى أطراف الأصابع ويقف الصاب عن يساره.
وإذا كان في أصبعه خاتم فلم يصل الماء إلى ما تحته وجب إيصال الماء إلى ما تحته بتحريكه أو خلعه لوجوب استيعاب المحل وإن تحقق وصوله استحب تحريكه .
الفرض الثالث: مسح جميع الرأس
ومسح الرأس لا خلاف فيه، وقد نص الله تعالى عليه بقوله :{ وامسحوا برءوسكم } [ المائدة :6]. واختلف في قدر الواجب ؛ فذهب المالكية، وهو المروي عن أحمد وجوب مسح جميعه في حق كل أحد، ودليل من أوجب جميع الرأس قوله تعالى:{ وامسحوا برءوسكم}، والباء للإلصاق، فكأنه قال: وامسحوا رءوسكم، فيتناول الجميع، كما قال في التيمم { وامسحوا بوجوهكم }.
وقول المخالفين: " إن الباء للتبعيض " غير صحيح، ولا يعرف أهل العربية ذلك، قال ابن برهان: من زعم أن الباء تفيد التبعيض فقد جاء أهل اللغة بما لا يعرفونه.
والدليل من السنة ما روي عن عبد الله بن زيد أن رسول الله ـ
ـ :{ مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه}.
" ومنه الأذنان " أي من الرأس.
اختلف الفقهاء في مسح الأذنين مع الرأس، فذهب الحنفية، والمالكية، والحنابلة، والثوري والأوزاعي، إلى أنهما من الرأس تمسحان معه، وروى ابن القاسم عن مالك: ( وإنما تمسحهما بماء جديد ).
وقال الحسن بن صالح: ( يغسل باطن أذنيه مع وجهه ويمسح ظاهرهما مع رأسه ) .
وقال الشافعي: ( يمسحهما بماء جديد وهما سنة على حيالهما لا من الوجه ولا من الرأس ).
وعلى المذهب فهما من الرأس، فلا يجدد لهما الماء، فقياس المذهب وجوب مسحهما مع مسحه.
وقال الخلال كلهم حكوا عن أبي عبد الله فيمن ترك مسحهما عامدا أو ناسيا، أنه يجزئه ؛ وذلك لأنهما تبع للرأس، لا يفهم من إطلاق اسم الرأس دخولهما فيه، ولا يشبهان بقية أجزاء الرأس، ولذلك لم يجزه مسحهما عن مسحه عند من اجتزأ بمسح بعضه .
والأولى مسحهما معه ؛ لأن النبي ـ
ـ مسحهما مع رأسه، فروت الربيع :{ أنها رأت النبي ـ
ـ مسح رأسه، ما أقبل منه وما أدبر وصدغيه وأذنيه مرة واحدة } وقال الترمذي: حديث الربيع حسن صحيح.
وروى المقدام بن معدي كرب: { أن النبي ـ ـ مسح برأسه وأذنيه، وأدخل إصبعيه في صماخي أذنيه} فيستحب أن يدخل سبابتيه في صماخي أذنيه، ويمسح ظاهر أذنيه بإبهاميه .
والخلاصة أنه لا يلزم أخذ ماء جديد للأذنين، بل ولا تستحب على القول الصحيح ؛ لأن جميع الواصفين لوضوء النبي ـ ـ لم يذكروا أنه كان يأخذ ماء جديدا لأذنيه فالأفضل أن يمسح أذنيه ببقية البلل الذي يبقي بعد مسح رأسه.
الفرض الرابع: غسل الرجلين إلى الكعبين .
غسل الرجلين واجب في قول أكثر أهل العلم. وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: أجمع أصحاب رسول الله ـ ـ على غسل القدمين.
ودليل الغسل ما روي أن عبد الله بن زيد، وعثمان، حكيا وضوء رسول الله ـ
ـ، قالا: فغسل قدميه.
وفي حديث عثمان: { ثم غسل كلتا رجليه ثلاثا } متفق عليه، وفي لفظ :{ ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاثا ثلاثا، ثم غسل اليسرى مثل ذلك}.
وعن علي ـ ـ أنه :{ حكى وضوء رسول الله ـ
ـ فقال: ثم غسل رجليه إلى الكعبين ثلاثا ثلاثا }.
وعن عمر ـ ـ أن رجلا توضأ، فترك موضع ظفر من قدمه، فأبصره النبي ـ
ـ فقال: ارجع فأحسن وضوءك. فرجع فتوضأ ثم صلى}، وفي لفظ: أن النبي ـ
ـ :{ رأى رجلا يصلي، وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره النبي ـ
ـ أن يعيد الوضوء والصلاة }.
وعن عبد الله بن عمرو :{ أن النبي ـ
ـ رأى قوما يتوضئون وأعقابهم تلوح، فقال: ويل للأعقاب من النار}.
الفرض الخامس: الترتيب .
وهو أن يأتي بالطهارة عضوا بعد عضو، كما أمر الله تعالى، وبمعنى آخر أن يبدأ بما بدأ الله به، وقد بدأ الله بذكر غسل الوجه ثم اليدين إلى المرفقين، ثم مسح الرأس، ثم غسل الرجلين، فالترتيب أن تأتي بها على ترتيب الله ـ عز وجل ـ، وإنما قلنا بوجوب الترتيب ؛ لأن النبي ـ
ـ كان يلتزم به كما ورد في أمر السعي بين الصفا والمروة حيث قرأ قول الله ـ عز وجل ـ ( إن الصفا والمروة من شعائر الله ) ثم قال ( ابدأ بما بدء الله به) فبين أن أصل الالتزام بالترتيب هو ترتيب الله ـ تعالىـ .
والترتيب في الوضوء على ما في الآية واجب عند أحمد، وهو مذهب الشافعي، وأبي ثور، وأبي عبيد .
القول الثاني: وهو ما حكاه أبو الخطاب عن أحمد أنه غير واجب. وهذا مذهب مالك، والثوري، والحنفية. وروي أيضا عن سعيد بن المسيب، وعطاء، والحسن وروي عن علي، ومكحول، والنخعي، والزهري، والأوزاعي فيمن نسي مسح رأسه، فرأى في لحيته بللا: يمسح رأسه به، ولم يأمروه بإعادة غسل رجليه. واختاره ابن المنذر .
والدليل: هو أن الله تعالى أمر بغسل الأعضاء، وعطف بعضها على بعض بواو الجمع، وهي لا تقتضي الترتيب، فكيفما غسل كان ممتثلا.
وروي عن علي وابن مسعود: ما أبالي بأي أعضائي بدأت.
وقال ابن مسعود: لا بأس أن تبدأ برجليك قبل يديك في الوضوء.
ودليل القول الأول: أن في الآية قرينة تدل على أنه أريد بها الترتيب ؛ فإنه أدخل ممسوحا بين مغسولين، والعرب لا تقطع النظير عن نظيره إلا لفائدة، والفائدة هاهنا الترتيب.
فإن قيل: فائدته استحباب الترتيب. قلنا: الآية ما سيقت إلا لبيان الواجب ؛ ولهذا لم يذكر فيها شيئا من السنن ؛ ولأنه متى اقتضى اللفظ الترتيب كان مأمورا به، والأمر يقتضي الوجوب ؛ ولأن كل من حكى وضوء رسول الله ـ ـ حكاه مرتبا، وهو مفسر لما في كتاب الله تعالى، وتوضأ مرتبا، وقال :{ هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به } أي بمثله.
وما روي عن علي، وابن مسعود قال أحمد: إنما عنيا به اليسرى قبل اليمنى ؛ لأن مخرجهما من الكتاب واحد .
س: والسؤال هل يسقط الترتيب بين أعضاء الوضوء بالجهل أو النسيان على القول بأنه فرض ؟.
والجواب عن ذلك هو حصول الخلاف بين القائلين بوجوب الترتيب فقال البعض يسقط وجوب الترتيب بالجهل والنسيان، لأنهما عذر، مثله مثل الترتيب بين الصلوات المقضيات .
وقال آخرون: لا يسقط الترتيب بالجهل والنسيان ؛ لأنه فرض والفرض لا يسقط بالنسيان، ولا يصح القياس على الصلوات ؛ لأن كل صلاة عبادة مستقلة، بخلاف الوضوء فإنه عبادة واحدة، ونظيره اختلاف الترتيب في الركوع والسجود في الصلاة الواحدة .
لكن لو فرض أن رجلا جاهلا في بادية نشأ على عدم المعرفة، ولم تتيسر له، فهاهنا يتوجه القول بأنه يعذر بالجهل ؛ للضرورة .
الفرض السادس: الموالاة في الوضوء.
والموالاة هي أن لا يشتغل المتوضئ بين أفعال الوضوء بعمل ليس منه ؛، لأن النبي ـ
ـ هكذا كان يفعل، وقيل في تفسير الموالاة: أن لا يمكث في أثناء الوضوء مقدار ما يجف فيه العضو المغسول، فإن مكث تنقطع الموالاة .
وهي فرض عند المالكية والشافعية، والحنابلة.
والدليل ما روي من رواية عمر أن النبي ـ ـ :{ رأى رجلا يصلي وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره النبي ـ ـ أن يعيد الوضوء والصلاة } ولو لم تجب الموالاة لأجزأه غسل اللمعة ؛ ولأنها عبادة يفسدها الحدث، فاشترطت لها الموالاة كالصلاة.
والموالاة الواجبة أن لا يترك غسل عضو حتى يمضي زمن يجف فيه العضو الذي قبله في الزمان المعتدل ؛ لأنه قد يسرع جفاف العضو في بعض الزمان دون بعض ؛ ولأنه يعتبر ذلك فيما بين طرفي الطهارة.
"وشروطه النية "
النية معناها: القصد يقال: نواك: الله بخير أي قصدك به، ونويت السفر. أي: قصدته، وعزمت عليه. والنية من شرائط الطهارة للأحداث كلها، لا يصح وضوء ولا غسل ولا تيمم، إلا بها على الراجح من أقوال أهل العلم، روي ذلك عن علي، وبه قال ربيعة ومالك والشافعي والليث وإسحاق وأبو عبيدة، وابن المنذر .
ودليل اشتراطها من القرآن والسنة .
أما القرآن: فقول الله تعالى:{ إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين } [ الزمر :2]، وهي دليل على وجوب النية في كل عمل ؛ وأعظمه الوضوء الذي هو شطر الإيمان.
ومنه قول الله تعالى:{ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} [البينة :5] والإخلاص عمل القلب وهو النية والأمر به يقتضي الوجوب .
ومنه أيضا قول الله تعالى :{ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم } [المائدة :6] أن معناه فاغسلوا وجوهكم للصلاة، وهذا معنى النية .
وأما السنة: فما روى عمر، عن النبي ـ
ـ أنه قال :{ إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى }. فنفى أن يكون له عمل شرعي بدون النية ؛ لأن لفظة إنما للحصر. وليس المراد صورة العمل فإنها توجد بلا نية، وإنما المراد أن حكم العمل لا يثبت إلا بالنية. ودليل آخر وهو قوله ـ
ـ :{ وإنما لكل امرئ ما نوى } وهذا لم ينو الوضوء فلا يكون له.
أما حكم المسألة: فهو أن النية شرط في صحة الوضوء والغسل والتيمم، وبه قال الزهري وربيعة شيخ مالك، ومالك والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق وأبو ثور، وأبو عبيد وداود، قال الشيخ أبو حامد وغيره، ويروى عن علي بن أبي طالب ـ
ـ.
وذهبت طائفة إلى أنه يصح الوضوء والغسل والتيمم بلا نية، حكاه ابن المنذر عن الأوزاعي، والحسن بن صالح.
وقال أبو حنيفة، وسفيان الثوري: يصح الوضوء والغسل بلا نية، ولا يصح التيمم إلا بالنية، وهي رواية عن الأوزاعي، والراجح الأول.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا )
[النساء: 43].
ونتكلم فيها عن قضاء الحاجة والتيمم:
أولا: قضاء الحاجة.
وهاك بعض المسائل متعلقة بقضاء الحاجة منها:
البول من قيام
في حديث جابر ـ رضي الله عنه ـ نهى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يبول الرجل قائما. أخرجه ابن ماجه.
وروى ابن عمر ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ انتهى إلى سباطة قوم فبال قائما، ثم دعا بماء فمسح على خفيه. حديث صحيح.
فالنهي الأول يدل على الكراهة لا التحريم، وفعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يدل على ذلك ولكن الجواز بشرطين: أن يأمن من التلوث بالبول، والثاني أن يأمن من أن ينظر إلى عورته أحد.
وأما الحكم بالنسبة لما يسمى بالمبولة فتأخذ نفس الحكم.
2- عدم الاستتار
بعض الناس يقف لقضاء الحاجة في أماكن غي مخصصة لها ولا يستتر من الناس بحيث ترى الناس عورته، وهذا من الأشياء الشائعة عند العوام فيقع مثلا في أماكن الوضوء في المساجد وفي الطرقات، وقد بين النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن هذا الفعل سبب من أسباب عذاب القبر كما جاء في حديث ابن عباس قال مر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بحائط من حيطان المدينة أو مكة فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعذبان وما يعذبان في كبير ثم قال بلى كان أحدهما لا يستتر من بوله وكان الآخر يمشي بالنميمة.
3- ترك الاستنزاه من البول .
بعض الناس كذلك بمجرد الانتهاء من البول فإنه يلبس سراويله دون أن يستنزه من البول بمعنى إكمال التبول وترك تنظيف الفرج بعد التبول فيتنجس بذلك، وهذا حرام ولا تصح الصلاة في هذه الملابس لتيقن النجاسة، وقد ورد في بعض روايات الحديث السابق عند الإمام مسلم ما يفيد ذلك، ( قال وكان الآخر لا يستنزه عن البول أو من البول ).
4- صلاة الحاقن، والحاقب.
بعض الناس يكون متوضئا ثم يدخل عليه وقت الصلاة، وهو يحتاج أن يقضي حاجته فيصلي قبل قضاء الحاجة كسلا منه لإعادة الوضوء أو يخشى فوات الجماعة فيصلى على حاله، وهذا خطأ لنهي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن ذلك :
روت عائشة قالت إني سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول لا صلاة بحضرة الطعام ولا هو يدافعه الأخبثان.
والحكمة في النهي عن ذلك أنه يخل بالخشوع وبذلك يستحب له أن يفرغ نفسه من ذلك قبل دخول الصلاة.
5- إذا دخل الإنسان الحمام ونسي التسمية فكيف يسمي.
إذا كان الإنسان في الحمام للوضوء وشق عليه الخروج فإنه يسمي بقلبه لا بلسانه؛ لأن التسمية في الوضوء سنة وليست بواجبة، ومثل التسمية جميع الأذكار فينبغي على من دخل الخلاء أن يكون مستصحبا للذكر بقلبه.
6- إعادة الاستنجاء عند الوضوء.
بعض الناس يستنجي لكل وضوء من ريح وضراط، والبعض يستنجي لإرادة الوضوء، وهذا خطأ فلا الريح ولا الضراط يستوجب الاستنجاء، كما أن الفرج والدبر إذا غسلا بعد خروج البول والغائط فقد طهرا، وإذا طهرا فلا حاجة لإعادة غسلهما.
7- غسل الماء بالصابون ونحوه بعد قضاء الحاجة.
من الأخطاء التي يقع فيها كثير من الناس أنه لا يغسل يديه بالصابون ونحوه من المنظفات بعد قضاء الحاجة، بل وربما لا يغسل البعض أصلا وهذا خطأ مخالف لهدي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حيث كان إذا فرغ من قضاء حاجته غسل يده بشيء من المطهرات.
س: هل يكفي الورق ( المناديل ) في إزالة النجاسة بدون استخدام الماء؟
الجواب: نعم يكفي استعمال المناديل والأوراق ونحوها في الاستجمار وتجزئ إذا أنقت ونظفت المحل من قبل أو دبر، والأفضل أن يكون ما يستجمر به وترا، ويجب ألا ينقص عن ثلاث مسحات، ولا يجب استعمال الماء بعده لكن استعمال الماء بعده سنة فقط.
آداب الاستنجاء
أن يبدأ الرجل في الاستنجاء بالقبل لئلا تتلوث يده إذا شرع في الدبر ؛ لأن قبله بارز تصيبه اليد إذا مدها إلى الدبر، والمرأة مخيرة في البداية بأيهما شاءت، لعدم ذلك فيها، ويستحب أن يمكث بعد البول قليلا.
إبداء الحياء من الله تعالى عند قضاء الحاجة
بعض الناس لا يدخل الخلاء إلا عاريا، ويضع بعضهم التليفون في الحمام، والبعض يقرأ الجرائد والمجلات التي لا تخلو عن اسم الله تعالى، والبعض لا يقضي حاجته إلا على أنغام الموسيقى، حتى سمعنا أن بعض الناس يضع الكاسيت في الحمام، وهذا ينافي الحياء، وهذا من الأخطاء الشائعة، فإن السنة إظهار الحياء من الله تعالى على كل حال خاصة في حال ظهور العورة، والحياء شعبة من الإيمان بل ويندب تغطية رأسه حال قضاء الحاجة والاستنجاء حياء من الله تعالى وملائكته ؛ ولأنه أحفظ لمسام الشعر من تعلق الرائحة بها؛ ولأن ذلك يروى عن أبي بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ.
خرج ابن أبي شيبة في المصنف: " أن أبا بكر الصديق قال وهو يخطب الناس يا معشر المسلمين استحيوا من الله فوالذي نفسي بيده إني لأظل حين أذهب إلى الغائط في الفضاء مغطى رأسي استحياء من ربي.
وعن أبي موسى قال إني لأغتسل في البيت المظلم فأحني ظهري إذا أخذت ثوبي حياء من ربي.
ويكره على أن يبول في شق أو ثقب، وهو الفتحة في الأرض أو الجدار، وهو مسكن الهوام والدواب، وعلة الكراهة كونه لا يأمن أن يكون فيه حيوان يلسعه أو يكون مسكنا للجن فيتأذى بهم، فقد حكي أن سعد بن عبادة بال في جحر بالشام ثم استلقى ميتا فسمعت الجن تقول:
نحن قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة ورميناه بسهمين فلم نخطئ فؤاده
دعاء دخول الخلاء
يقدم رجله اليسرى في الدخول واليمنى في الخروج ويقول عند دخوله "بسم الله أعوذ بالله من الخبث والخبائث" قال أحمد يقول إذا دخل الخلاء: أعوذ بالله من الخبث والخبائث، وما دخلت قط المتوضأ ولم أقلها إلا أصابني ما أكره، وعن أنس :{ أن النبي ـ ـ كان إذا دخل الخلاء قال اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث }.
وعن علي قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ :{ ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الكنيف أن يقول: بسم الله }.
وعن علي قال: قال إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال :{ لا يعجز أحدكم إذا دخل مرفقه أن يقول: اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم} رواهما ابن ماجه.
قال أبو عبيد الخبث بسكون الباء الشر والخبائث الشياطين، وقيل الخبث بضم الباء والخبائث: ذكران الشياطين وإناثهم .
وفائدة الاستعاذة: هي لجوء المستعيذ إلى الله عز وجل من النفوس الخبيثة التي تسكن في أماكن الخلاء وقضاء الحاجة، ومعنى أعوذ بالله: أي أعتصم وألتجئ بالله ـ عز وجل ـ من الخبث والخبائث.
فإذا خرج من الخلاء قال غفرانك الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني.
روى أنس :{ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان إذا خرج من الخلاء قال غفرانك الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني }.
وقالت عائشة :{ كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا خرج من الخلاء قال غفرانك}.
وغفران مصدر غفر يغفر غفرا وغفرانا، كشكر يشكر شكرا وشكرانا، والمعنى أسألك غفرانك، والمغفرة معناها: ستر الذنب والتجاوز عنه، فالمعنى اغفر لي: أي استر ذنوبي وتجاوز عني حتى أسلم من عقوبتها ومن الفضيحة بها. وقيل إن الإنسان لما تخفف من أذية الجسم تذكر أذية الإثم فدعا الله أن يخفف عنه أذية الإثم كما منّ عليه بتخفيف أذية الجسم، من باب تذكر الشيء بالشيء.
ثم إن هذا الدعاء عند الدخول والخروج يذكرنا ببعض نعم الله علينا، والتي قال فيها: ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم ) [النحل:18] فلله تعالى الحمد أن يسر للإنسان إخراج هذا الطعام بهذه السهولة وهذه نعمة كبرى، وصدق الله الجليل حين قال: ( وفي أنفسكم أفلا تبصرون ) [الذاريات :21 ] فعلى العاقل أن يتفكر في هذه النعمة تعبدا لله ـ عز وجل ـ في التفكر في قدرته، وحكمته وعلمه، في كيفية هضم الطعام بسلاسة، وإخراجه على هذا النحو، ثم تحول بعضه إلى دم، وبعضه إلى روث .......، ولا يعرف هذه النعمة إلا من ابتلى بما يذكره بها فنسأل الله تعالى العافية .
ثانيا: التيمم.
التيمم في اللغة القصد قال الله تعالى:
ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون
[ البقرة :267 ].
وفي الشريعة عبارة عن التعبد لله ـ تعالى ـ بقصد الصعيد الطيب لمسح الوجه واليدين
وثبوت التيمم بالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى :{ فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا } ونزول الآية في غزوة المريسيع حين عرس رسول الله ـ
ـ ليلة فسقط عقد عائشة رضي الله عنها فلما ارتحلوا ذكرت ذلك لرسول الله ـ
ـ فبعث رجلين في طلبه ونزلوا ينتظرونهما فأصبحوا وليس معهم ماء فأغلظ أبو بكر
رضي الله تعالى عنه على عائشة رضي الله تعالى عنهما وقال حبست رسول الله ـ
ـ والمسلمين على غير ماء فنزلت آية التيمم فلما صلوا جاء أسيد بن الحضير إلى مضرب عائشة رضي الله عنها فجعل يقول ما أكثر بركتكم يا آل أبي بكر وفي رواية يرحمك الله يا عائشة ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله للمسلمين فيه فرجا.
ومن خلال هذه العلة يتبين لنا وجوب التسليم والانقياد لله في أمره وإن لم تظهر الحكمة واضحة؛ لأنه لا يخلو أمر عن حكمة فالله سبحانه منزه عن العبث.
والسنة ما روي :{ عن رسول الله ـ
ـ أنه قال جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا أينما أدركتني الصلاة تيممت وصليت } متفق عليه.
وقال عليه الصلاة والسلام: { الصعيد الطيب طهور المسلم ولو إلى عشر حجج ما لم تجد الماء } أخرجه الترمذي.
وحديث عمار ـ
ـ: { أن رجلا أتى عمر فقال إني أجنبت فلم أجد ماء فقال لا تصل فقال عمار أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سرية فأجنبنا فلم نجد ماء فأما أنت فلم تصل وأما أنا فتمعكت في التراب وصليت فقال النبي ـ
ـ إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ثم تنفخ ثم تمسح بهما وجهك وكفيك فقال عمر اتق الله يا عمار قال إن شئت لم أحدث به } الحديث أخرجه مسلم .
وأما الإجماع، فأجمعت الأمة على جواز التيمم في الجملة.
التيمم خصوصية لأمة النبي محمد
التيمم من بين عدة أشياء خص الله ـ تعالى ـ بها الأمة فروى جابر بن عبد الله :{ أن رسول الله ـ
ـ قال: أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة } متفق عليه.
قوله: { لم يعطهن أحد قبلي } نفي لحصول أحد من السابقين على هذه الأشياء ومعلوم أنه لا يعطاهن أحد بعده فتكون خصائص له، إذ الخاصة ما توجد في الشيء ولا توجد في غيره .
مفهوم العدد غير مراد؛ لأنه قد ثبت أنه أعطي أكثر من الخمس، وقد عدها السيوطي في الخصائص فبلغت الخصائص زيادة على المائتين.
تـنـبيه
قوله وجعلت لي الأرض مسجدا
أولا: اختلف في بيان ما خصص به على الأمم قبله في ذلك فقيل: إن الأمم الماضية لم تكن الصلاة تباح لهم إلا في مواضع مخصوصة كالبيع، والكنائس وقيل كانوا لا يصلون إلا فيما تيقنوا طهارته من الأرض وخصصت هذه الأمة بجواز الصلاة في جميع الأرض إلا ما تيقنت نجاسته حكاهما القاضي عياض.
ثانيا: عموم ذكر الأرض في هذا الحديث مخصوص بما نهى الشارع عن الصلاة فيه كالمقبرة، والحمام ومعاطن الإبل.
قد يستشكل على أحد قول النبي ـ
ـ :{ وكان النبي يبعث في قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة } مع عموم رسالة نوح بعد الطوفان .
والجواب عن ذلك أن عموم الرسالة خاص به ـ ـ وآله، فأما نوح فإنه بعث إلى قومه خاصة، نعم صار بعد إغراق من كذب به مبعوثا إلى أهل الأرض ؛ لأنه لم يبق إلا من كان مؤمنا به، ولكن ليس العموم في أصل البعثة ؛ وقيل غير ذلك .
س: هل الحي أولى بالماء أم تغسيل الميت إن لم يوجد غيره؟
الجواب: تغسيل الميت أولى فلو كان مع رجل ماء فأجنب رجل وطهرت امرأة من الحيض ومات رجل ولم يسعهم الماء كان الميت أحبهم إلى أن يجودوا بالماء عليه ويتيمم الحيان ؛ لأنهما قد يقدران على الماء والميت إذا دفن لم يقدر على غسله، فإن كان مع الميت ماء فهو أحقهم به، فإن خافوا العطش شربوه ويمموه وأدوا ثمنه في ميراثه.
وإن عدم الميت الماء يمم كما يتيمم الحي؛ لأن غسله فرض، وقد ذكرنا عن النبي ـ
ـ أن التراب طهور إذا لم نجد الماء، فهذا عموم لكل طهور واجب، ولا خلاف في أن كل غسل طهور .
مسألة الترتيب في التيمم
ذهب الحنفية والمالكية إلى أن الترتيب في التيمم بين الوجه واليدين ليس بواجب بل مستحب؛ لأن الفرض الأصلي المسح، وإيصال التراب وسيلة إليه فلا يجب الترتيب في الفعل الذي يتم به المسح.
والوارد عن عمار بن ياسر: { أن رسول الله ـ
ـ علمه التيمم فضرب ضربة بكفيه على الأرض ثم نفضها ثم مسح بها ظهر كفه بشماله أو ظهر شماله بكفه ثم مسح بها وجهه } فكان هذا حكما زائدا، وبيانا أن كل ذلك جائز، بخلاف الوضوء. فمن أخذ بظاهر القرآن فبدأ بالوجه فحسن، ومن أخذ بحديث عمار فبدأ باليدين قبل الوجه فحسن.
وذهب الشافعية إلى أن الترتيب فرض كالوضوء.
وذهب الحنابلة إلى أن الترتيب فرض عندهم في غير حدث أكبر، أما التيمم لحدث أكبر ونجاسة ببدن فلا يعتبر فيه ترتيب.
والراجح هو مذهب الترتيب لقوله عليه السلام: { ابدءوا بما بدأ الله به } فوجب أن لا يجزئ إلا الابتداء بالوجه ثم اليدين .
س: كم صلاة تصلى بالتيمم الواحد ؟.
الجواب: اختلف الفقهاء في ذلك والراجح أن المتيمم يصلي بتيممه ما شاء من الصلوات الفرض والنوافل ما لم ينتقض تيممه بحدث أو بوجود الماء؛ لأن التيمم لا يخلو من أن يكون طهارة أو لا طهارة، فإن كان طهارة فيصلي بطهارته ما لم يوجب نقضها قرآن أو سنة، وإن كان ليس طهارة فلا يجوز له أن يصلي بغير طهارة.
من معه ماء يحتاج إليه للعطش فهو كالعادم فيتيمم مع وجوده، وهذا لا خلاف فيه، نقل ابن المنذر وغيره الإجماع عليه .
كما أنه إذا احتاج إليه لعطش نفسه أو رفيقه أو حيوان محترم من مسلم أو ذمي أو مستأمن أو بهيمة جاز التيمم بلا إعادة.
إذا وجد الماء يباع بثمن مثله وهو واجد للثمن غير محتاج إليه لزمه شراؤه بلا خلاف، ويعتبر ثمن مثله في ذلك الموضع في تلك الحالة فإن ثمن المثل يعتبر حالة التقويم والله أعلم.
إذا احتاج إلى ماء الطهارة دون العطش ووجد الماء مع من لا يحتاج إليه فطلبه منه بيعا أو هبة أو قرضا فامتنع من ذلك لم يجز أن يقهره على أخذه بلا خلاف، بخلاف ما لو احتاج إليه لشدة العطش وصاحبه غير محتاج إليه فإنه يقهره على أخذه ؛ لأن لماء الطهارة بدلا فيتيمم ويصلي ولا إعادة
كما أنه لا يجوز للعاري أن يقهر صاحب الثوب على أخذه لستر العورة للصلاة فإن خاف من حر أو برد فله قهره إذا لم يبذله إليه صاحبه .
س: هل يجوز لفاقد الماء التعرض للجنابة ؟.
نعم يجوز لفاقد الماء التعرض للجنابة كأن يجامع أهله وهو يعلم عدم وجود الماء الذي يرفع به الجنابة، وأن التيمم يكفيه .
والدليل على ذلك ما روي عن أبي ذر قال :{ إني اجتويت المدينة فأمر لي رسول الله ـ
ـ بذود وبغنم فقال لي اشرب من ألبانها فقال أبو ذر: فكنت أعزب عن الماء ومعي أهلي فتصيبني الجنابة فأصلي بغير طهور فأتيت رسول الله ـ
ـ وهو في رهط من أصحابه وهو في ظل المسجد فقال: أبو ذر فقلت نعم، هلكت يا رسول الله. قال وما أهلكك؟ قلت إني كنت أعزب عن الماء ومعي أهلي تصيبني الجنابة فأصلي بغير طهور، فأمر لي بماء .... إلى أن قال، الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك فإن ذلك خير } رواه أبو داود والنسائي.
يصح اقتداء المتوضئ بالمتيمم ودليله حديث عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل .
تيمم الحائض والجنب صحيح إذا عدما الماء، أو لم يقدرا عليه، فإذا وجدا الماء أو قدرا على استعماله وجب الغسل لحديث عمران بن حصين وفيه أن النبي ـ
ـ رأى جلا معتزلا لم يصل في القوم قال ما منعك أن تصلى؟ قال أصابتني جنابة ولا ماء، فقال النبي ـ
ـ { عليك بالصعيد فإنه يكفيك } ثم حضر الماء بعد ذلك فأعطاه النبي ـ
ـ ماء وقال { أفرغه على نفسك }
الـوضـوء
الوضوء شرط صحة الصلاة، وهو مفتاح الصلاة بمثابة مفتاح الباب، فمن أراد أن يفتح الباب بحث عن المفتاح فكذلك الوضوء، ومن ثم فقد ورد فيه فضائل كثيرة للحث على المحافظة عليه والتمسك به فمن ذلك ما يأتي:
عن أبي مالك الأشعري أن رسول الله ـ r ـ قال :{الوضوء شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماوات والأرض والصلاة نور والصدقة برهان والصبر ضياء والقرآن حجة لك أو عليك كل الناس يغدو فبايع نفسه فمعتقها أو موبقها }.
الوضوء تظهر آثاره يوم القيامة، ويميز الله ـ عز وجل ـ أصحاب الوضوء في الدنيا، وبه يعرفهم النبي ـ r ـ.
ومنه ما روي عن أبي هريرة قال: إني سمعت النبي ـ r ـ يقول إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل}.
ومن ذلك أيضا ما رواه أبو هريرة أن رسول الله ـ r ـ قال :إن حوضي أبعد من أيلة من عدن لهو أشد بياضا من الثلج وأحلى من العسل باللبن ولآنيته أكثر من عدد النجوم وإني لأصد الناس عنه كما يصد الرجل إبل الناس عن حوضه قالوا يا رسول الله أتعرفنا يومئذ قال نعم لكم سيما ليست لأحد من الأمم تردون علي غرا محجلين من أثر الوضوء.
إسباغ الوضوء، والإحسان في الصلاة يكفر الخطايا، ويعلي الله به الدرجات، واسمع لما روي عن النبي ـ r ـ .
روي عن عثمان أنه دعا بطهور فقال: سمعت رسول الله ـ r ـ يقول ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة وذلك الدهر كله.
وما روي عن أبي هريرة أن رسول الله ـ r ـ قال: ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات قالوا بلى يا رسول الله قال إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط.
ومنه ما روي عن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله ـ ـ من أتم الوضوء كما أمره الله تعالى فالصلوات المكتوبات كفارات لما بينهن هذا حديث ابن معاذ وليس في حديث غندر في إمارة بشر ولا ذكر المكتوبات .
ومنه حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ـ ـ إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرجت من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء أو نحو هذا وإذا غسل يديه خرجت من يديه كل خطيئة بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقيا من الذنوب}، قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح .
وبين ـ r ـ أن بالوضوء تنحل عقد الشيطان فروى أبو هريرة ـ ـ أن رسول الله ـ r ـ قال: يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد يضرب كل عقدة عليك ليل طويل فارقد فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة فإن توضأ انحلت عقدة فإن صلى انحلت عقدة فأصبح نشيطا طيب النفس وإلا أصبح خبيث النفس كسلان.
كما ذكر عليه السلام أن المحافظة على الوضوء من علامات الإيمان فروى ثوبان قال: قال رسول الله ـ r ـ استقيموا ولن تحصوا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن.
فرائض الوضوء .
حكم التسمية في الوضوء: ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والشافعية إلى عدم وجوب التسمية في الوضوء، واستدلوا على ذلك بقول الله ـ تعالى ـ: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم الآية [المائدة:6] يدل على أن التسمية على الوضوء ليست بفرض؛ لأنه أباح الصلاة بغسل هذه الأعضاء من غير شرط التسمية، فمن شرطها فهو زائد في حكم هذه الآية ما ليس منها وناف لما أباحته من جواز الصلاة بوجود الغسل.
ويدل عليه من جهة السنة حديث عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه توضأ مرة مرة
وقال :{ هذا وضوء من لا يقبل الله له صلاة إلا به} ولم يذكر فيه التسمية .
وقد علم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الأعرابي الطهارة في الصلاة في حديث رفاعة بن رافع وقال: { لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء فيغسل وجهه ويديه } إلى آخره، ولم يذكر التسمية .
وحديث علي، وعثمان، وعبد الله بن زيد، وغيرهم في صفة وضوء رسول الله ـ
ـ ولم يذكر أحد منهم التسمية فرضا فيه، وقالوا: هذا وضوء رسول الله ـ
ـ فلو كانت التسمية فرضا فيه لذكروها ولورد النقل به متواترا في عدد ورود النقل في سائر الأعضاء المفروض طهارتها، لعموم الحاجة إليه .
وأيضا: لأن المطلوب من المتوضئ هو الطهارة، وترك التسمية لا يقدح فيها ؛ لأن الماء خلق طهورا في الأصل، فلا تقف طهوريته على صنع العبد.
والخلاصة: أن التسمية مستحبة في الوضوء وغيره من الأفعال، عبادة أو غيرها، فتقال عند البدء في تلاوة القرآن الكريم والأذكار، وركوب سفينة ودابة، ودخول المنزل ومسجد، أو خروج منه، وعند إيقاد مصباح أو إطفائه، وقبل وطء مباح، وصعود خطيب منبرا، ونوم، والدخول في صلاة النفل، وتغطية الإناء، وفي أوائل الكتب، وعند تغميض ميت ولحده في قبره، ووضع اليد على موضع ألم بالجسد، وصيغتها ( باسم الله ) والأكمل ( بسم الله الرحمن الرحيم ) فإن نسي التسمية أو تركها عمدا فلا شيء، ويثاب إن فعل. ومما ورد حديث :{ كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه باسم الله فهو أبتر }. وفي رواية { فهو أقطع } وفي أخرى { فهو أجذم }، وما ورد عن رسول الله ـ
ـ: { ضع يدك على الذي تألم من جسدك، وقل: باسم الله ثلاثا. .. } الحديث. وحديث: { أغلق بابك واذكر اسم الله، فإن الشيطان لا يفتح بابا مغلقا، وأطفئ مصباحك واذكر اسم الله، وخمر إناءك. .. } وحديث: { إذا عثرت بك الدابة فلا تقل: تعس الشيطان، فإنه يتعاظم، حتى يصير مثل البيت، ويقول: بقوتي صرعته، ولكن قل: بسم الله الرحمن الرحيم، فإنه يتصاغر، حتى يصير مثل الذباب }.
س: متى يحرم أو يكره الإتيان بالتسمية ؟.
الجواب: تكره التسمية لو كان عاصيا بالفعل كالوضوء بالماء المغصوب أو كان الفعل محرما لذاته كالزنا وشرب الخمر وأكل الميتة، وذكر بعض العلماء أنها تحرم عند الحرام وتكره عند المكروه.
وعقد البخاري في ذلك بابا في صحيحه فقال: باب التسمية على كل حال وعند الوقاع. واحتج بحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ـ ـ قال: { لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال: باسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فقضي بينهما ولد لم يضره الشيطان }.
وبناء على ما سبق فإن التسمية ليست بواجبة، فلو تركها عمدا صح وضوءه على الراجح من أقوال الفقهاء .
واعلم أن أكمل التسمية أن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، فإن قال باسم الله فقط حصل فضيلة التسمية بلا خلاف.
واختلف المشايخ في أن التسمية يؤتى بها قبل الاستنجاء أو بعده، قال بعضهم: قبله لأنها سنة افتتاح الوضوء وقال بعضهم: بعده لأن حال الاستنجاء حال كشف العورة، فلا يكون ذكر اسم الله تعالى في تلك الحالة من باب التعظيم .
وأما فرائض الوضوء فهي على النحو الآتي:
الأول: غسل الوجه.
الفرض الأول من فرائض الوضوء الوجه، والوجه: هو ما تحصل به المواجهة وحده من منبت الشعر المعتاد إلى أسفل اللحية طولا، ومن الأذن إلى الأذن عرضا .
وعلى المذهب يجب غسل ما استرسل من اللحية ؛ لأنه تحصل به المواجهة .
وجملة ذلك: أن اللحية إن كانت خفيفة تصف البشرة وجب غسل باطنها. وإن كانت كثيفة لم يجب غسل ما تحتها، ويستحب تخليلها. وممن روي عنه أنه كان يخلل لحيته: عبد الله بن عمر، وابن عباس، والحسن، وأنس، وابن أبي ليلى، وعطاء بن السائب.
وقال إسحاق: إذا ترك تخليل لحيته عامدا أعاد؛ لأن النبي ـ
ـ:{ كان يخلل لحيته} رواه عنه عثمان بن عفان. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال البخاري: هذا أصح حديث في الباب.
وروى أبو داود عن أنس ـ
ـ :{ أن النبي ـ
ـ كان إذا توضأ أخذ كفا من ماء فأدخله تحت حنكه وقال: هكذا أمرني ربي عز وجل }.
وقال عطاء وأبو ثور: يجب غسل باطن شعور الوجه وإن كان كثيفا كما يجب في الجنابة ؛ ولأنه مأمور بغسل الوجه في الوضوء كما أمر بغسله في الجنابة، فما وجب في أحدهما وجب في الآخر مثله.
ومذهب أكثر أهل العلم أن ذلك لا يجب، ولا يجب التخليل ؛ وممن رخص في ترك التخليل ابن عمر، والحسن بن علي، وطاوس، والنخعي، والشعبي، وأبو العالية، ومجاهد، وأبو القاسم، ومحمد بن علي، وسعيد بن عبد العزيز، وابن المنذر ؛ لأن الله تعالى أمر بالغسل، ولم يذكر التخليل، وأكثر من حكى وضوء رسول الله ـ
ـ لم يحكه، ولو كان واجبا لما أخل به في وضوء، ولو فعله في كل وضوء لنقله كل من حكى وضوءه أو أكثرهم، وتركه لذلك يدل على أن غسل ما تحت الشعر الكثيف ليس بواجب ؛ لأن النبي ـ ـ كان كثيف اللحية فلا يبلغ الماء ما تحت شعرها بدون التخليل والمبالغة، وفعله للتخليل في بعض أحيانه يدل على استحباب ذلك، والله أعلم .
جاء في الموسوعة الفقهية" اتفق الفقهاء على أن الذقن من الوجه، فيجب غسله في الوضوء لقوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم } [المائدة:6] ولا خلاف بين الفقهاء في وجوب غسل الذقن الذي نبتت عليه اللحية الخفيفة، أي التي تظهر البشرة تحتها، ولا تسترها عن الرائي. أما ما نبت على الذقن من اللحية الكثيفة فيجب غسل ظاهرها لأنها نبتت في محل الفرض، والمواجهة تحصل بها فتدخل في اسم الوجه. أما باطنها من الذقن والبشرة فلا يجب غسله في الوضوء ؛ لعسر إيصال الماء إليه، ولما ورد أنه توضأ فغرف غرفة غسل بها وجهه وكانت لحيته الكريمة كثيفة، وبالغرفة الواحدة لا يصل الماء إلى ذلك غالبا ".
صفة غسل الوجه المستحبة
أن يأخذ الماء بيديه جميعا لأنه أمكن وأصبغ، ويبدأ بأعلى وجهه ثم يحدره ؛ لأن رسول الله ـ
ـ هكذا كان يفعل، ولأن أعلى الوجه أشرف لكونه موضع السجود، ولأنه أمكن فيجري الماء بطبعه ثم يمر يديه بالماء على وجهه حتى يستوعب جميع ما يؤمر بإيصال الماء إليه، فإن أوصل الماء على صفة أخرى أجزأه، والله أعلم.
"والفم والأنف منه " يعني أن المضمضة والاستنشاق من فروض الوضوء ؛ لوجودهما في الوجه، ودخولهما في حده .
وجمهور الفقهاء من المالكية، والحنفية، والشافعية على أن المضمضة ليست بواجبة في الطهارة الصغرى، والدليل على ما ذهبوا إليه أن هذا العضو باطن في أصل الخلقة فلم يجب إيصال الماء إليه في الوضوء كداخل العينين.
وأيضا: إن الواجب في باب الوضوء غسل الأعضاء الثلاثة، ومسح الرأس، وداخل الأنف، والفم ليس من جملتها أما ما سوى الوجه فظاهر، وكذا الوجه ؛ لأنه اسم لما يواجه به عادة، وداخل الأنف، والفم لا يواجه به بكل حال، فلا يجب غسله، بخلاف باب الجنابة ؛ لأن الواجب هناك تطهير البدن بقوله ـ تعالى ـ: وإن كنتم جنبا فاطهروا [ المائدة:6]، أي طهروا أبدانكم فيجب غسل ما يمكن غسله من غير حرج ظاهرا كان أو باطنا، ومواظبة النبي ـ ـ عليهما في الوضوء دليل السنية دون الفرضية، فإنه كان يواظب على سنن العبادات .
الفرض الثاني غسل اليدين إلى المرفقين .
هذه هي الفريضة الثانية وهي غسل اليدين مع المرفقين، فغسل اليدين فرض بالكتاب والسنة والإجماع، وتقديم اليمنى سنة بالإجماع وليس بواجب بالإجماع، قال ابن المنذر: أجمعوا على أنه لا إعادة على من يبدأ بيساره، وكذا نقل الإجماع فيه آخرون وحكى أصحابنا عن الشيعة أن تقديم اليمنى واجب، لكن الشيعة لا يعتد بهم في الإجماع، والله أعلم .
كيفية غسل اليدين.
ذهب جمهور العلماء: إلى أنه يستحب تقديم اليمين في كل ما هو من باب التكريم كالوضوء والغسل ولبس الثوب والنعل والخف والسراويل ودخول المسجد والسواك والاكتحال وتقليم الأظفار وقص الشارب ونتف الإبط وحلق الرأس والسلام من الصلاة والخروج من الخلاء والأكل والشرب والمصافحة واستلام الحجر الأسود والأخذ والعطاء وغير ذلك مما هو في معناه، ويستحب تقديم اليسار في ضد ذلك كالامتخاط والاستنجاء ودخول الخلاء والخروج من المسجد وخلع الخف والسراويل والثوب والنعل وفعل المستقذرات وأشباه ذلك.
ودليل هذه القاعدة أحاديث كثيرة في الصحيح، منها حديث عائشة رضي الله عنها " قالت: { كان رسول الله ـ
ـ يعجبه التيمن في شأنه كله في طهوره وترجله وتنعله }، وعن عائشة أيضا قالت: { كانت يد رسول الله ـ
ـ اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت اليسرى لخلائه، وما كان من أذى }، وعن حفصة رضي الله عنها: { أن رسول الله ـ
ـ كان يجعل يمينه لطعامه وشرابه وثيابه، ويساره لما سوى ذلك }، وعن أم عطية رضي الله عنها { أن النبي ـ
ـ قال لهن في غسل ابنته رضي الله عنها: ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها}.
وثبت الابتداء في الوضوء باليمين من رواية عثمان وأبي هريرة وابن عباس وغيرهم رضي الله عنهم وعن أبي هريرة ـ
ـ أن رسول الله ـ
ـ قال: { إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمنى وإذا نزع بدأ بالشمال لتكون اليمنى أولهما تنعل وآخرهما تنزع}.
يستحب أن يبدأ في غسل يديه من أطراف أصابعه فيجري الماء على يده ويدير كفه الأخرى عليها مجريا للماء بها إلى مرفقه ولا يكتفي بجريان الماء بطبعه، فإن صب عليه غيره بدأ بالصب من مرفقه إلى أطراف الأصابع ويقف الصاب عن يساره.
وإذا كان في أصبعه خاتم فلم يصل الماء إلى ما تحته وجب إيصال الماء إلى ما تحته بتحريكه أو خلعه لوجوب استيعاب المحل وإن تحقق وصوله استحب تحريكه .
الفرض الثالث: مسح جميع الرأس
ومسح الرأس لا خلاف فيه، وقد نص الله تعالى عليه بقوله :{ وامسحوا برءوسكم } [ المائدة :6]. واختلف في قدر الواجب ؛ فذهب المالكية، وهو المروي عن أحمد وجوب مسح جميعه في حق كل أحد، ودليل من أوجب جميع الرأس قوله تعالى:{ وامسحوا برءوسكم}، والباء للإلصاق، فكأنه قال: وامسحوا رءوسكم، فيتناول الجميع، كما قال في التيمم { وامسحوا بوجوهكم }.
وقول المخالفين: " إن الباء للتبعيض " غير صحيح، ولا يعرف أهل العربية ذلك، قال ابن برهان: من زعم أن الباء تفيد التبعيض فقد جاء أهل اللغة بما لا يعرفونه.
والدليل من السنة ما روي عن عبد الله بن زيد أن رسول الله ـ
ـ :{ مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه}.
" ومنه الأذنان " أي من الرأس.
اختلف الفقهاء في مسح الأذنين مع الرأس، فذهب الحنفية، والمالكية، والحنابلة، والثوري والأوزاعي، إلى أنهما من الرأس تمسحان معه، وروى ابن القاسم عن مالك: ( وإنما تمسحهما بماء جديد ).
وقال الحسن بن صالح: ( يغسل باطن أذنيه مع وجهه ويمسح ظاهرهما مع رأسه ) .
وقال الشافعي: ( يمسحهما بماء جديد وهما سنة على حيالهما لا من الوجه ولا من الرأس ).
وعلى المذهب فهما من الرأس، فلا يجدد لهما الماء، فقياس المذهب وجوب مسحهما مع مسحه.
وقال الخلال كلهم حكوا عن أبي عبد الله فيمن ترك مسحهما عامدا أو ناسيا، أنه يجزئه ؛ وذلك لأنهما تبع للرأس، لا يفهم من إطلاق اسم الرأس دخولهما فيه، ولا يشبهان بقية أجزاء الرأس، ولذلك لم يجزه مسحهما عن مسحه عند من اجتزأ بمسح بعضه .
والأولى مسحهما معه ؛ لأن النبي ـ
ـ مسحهما مع رأسه، فروت الربيع :{ أنها رأت النبي ـ
ـ مسح رأسه، ما أقبل منه وما أدبر وصدغيه وأذنيه مرة واحدة } وقال الترمذي: حديث الربيع حسن صحيح.
وروى المقدام بن معدي كرب: { أن النبي ـ ـ مسح برأسه وأذنيه، وأدخل إصبعيه في صماخي أذنيه} فيستحب أن يدخل سبابتيه في صماخي أذنيه، ويمسح ظاهر أذنيه بإبهاميه .
والخلاصة أنه لا يلزم أخذ ماء جديد للأذنين، بل ولا تستحب على القول الصحيح ؛ لأن جميع الواصفين لوضوء النبي ـ ـ لم يذكروا أنه كان يأخذ ماء جديدا لأذنيه فالأفضل أن يمسح أذنيه ببقية البلل الذي يبقي بعد مسح رأسه.
الفرض الرابع: غسل الرجلين إلى الكعبين .
غسل الرجلين واجب في قول أكثر أهل العلم. وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: أجمع أصحاب رسول الله ـ ـ على غسل القدمين.
ودليل الغسل ما روي أن عبد الله بن زيد، وعثمان، حكيا وضوء رسول الله ـ
ـ، قالا: فغسل قدميه.
وفي حديث عثمان: { ثم غسل كلتا رجليه ثلاثا } متفق عليه، وفي لفظ :{ ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاثا ثلاثا، ثم غسل اليسرى مثل ذلك}.
وعن علي ـ ـ أنه :{ حكى وضوء رسول الله ـ
ـ فقال: ثم غسل رجليه إلى الكعبين ثلاثا ثلاثا }.
وعن عمر ـ ـ أن رجلا توضأ، فترك موضع ظفر من قدمه، فأبصره النبي ـ
ـ فقال: ارجع فأحسن وضوءك. فرجع فتوضأ ثم صلى}، وفي لفظ: أن النبي ـ
ـ :{ رأى رجلا يصلي، وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره النبي ـ
ـ أن يعيد الوضوء والصلاة }.
وعن عبد الله بن عمرو :{ أن النبي ـ
ـ رأى قوما يتوضئون وأعقابهم تلوح، فقال: ويل للأعقاب من النار}.
الفرض الخامس: الترتيب .
وهو أن يأتي بالطهارة عضوا بعد عضو، كما أمر الله تعالى، وبمعنى آخر أن يبدأ بما بدأ الله به، وقد بدأ الله بذكر غسل الوجه ثم اليدين إلى المرفقين، ثم مسح الرأس، ثم غسل الرجلين، فالترتيب أن تأتي بها على ترتيب الله ـ عز وجل ـ، وإنما قلنا بوجوب الترتيب ؛ لأن النبي ـ
ـ كان يلتزم به كما ورد في أمر السعي بين الصفا والمروة حيث قرأ قول الله ـ عز وجل ـ ( إن الصفا والمروة من شعائر الله ) ثم قال ( ابدأ بما بدء الله به) فبين أن أصل الالتزام بالترتيب هو ترتيب الله ـ تعالىـ .
والترتيب في الوضوء على ما في الآية واجب عند أحمد، وهو مذهب الشافعي، وأبي ثور، وأبي عبيد .
القول الثاني: وهو ما حكاه أبو الخطاب عن أحمد أنه غير واجب. وهذا مذهب مالك، والثوري، والحنفية. وروي أيضا عن سعيد بن المسيب، وعطاء، والحسن وروي عن علي، ومكحول، والنخعي، والزهري، والأوزاعي فيمن نسي مسح رأسه، فرأى في لحيته بللا: يمسح رأسه به، ولم يأمروه بإعادة غسل رجليه. واختاره ابن المنذر .
والدليل: هو أن الله تعالى أمر بغسل الأعضاء، وعطف بعضها على بعض بواو الجمع، وهي لا تقتضي الترتيب، فكيفما غسل كان ممتثلا.
وروي عن علي وابن مسعود: ما أبالي بأي أعضائي بدأت.
وقال ابن مسعود: لا بأس أن تبدأ برجليك قبل يديك في الوضوء.
ودليل القول الأول: أن في الآية قرينة تدل على أنه أريد بها الترتيب ؛ فإنه أدخل ممسوحا بين مغسولين، والعرب لا تقطع النظير عن نظيره إلا لفائدة، والفائدة هاهنا الترتيب.
فإن قيل: فائدته استحباب الترتيب. قلنا: الآية ما سيقت إلا لبيان الواجب ؛ ولهذا لم يذكر فيها شيئا من السنن ؛ ولأنه متى اقتضى اللفظ الترتيب كان مأمورا به، والأمر يقتضي الوجوب ؛ ولأن كل من حكى وضوء رسول الله ـ ـ حكاه مرتبا، وهو مفسر لما في كتاب الله تعالى، وتوضأ مرتبا، وقال :{ هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به } أي بمثله.
وما روي عن علي، وابن مسعود قال أحمد: إنما عنيا به اليسرى قبل اليمنى ؛ لأن مخرجهما من الكتاب واحد .
س: والسؤال هل يسقط الترتيب بين أعضاء الوضوء بالجهل أو النسيان على القول بأنه فرض ؟.
والجواب عن ذلك هو حصول الخلاف بين القائلين بوجوب الترتيب فقال البعض يسقط وجوب الترتيب بالجهل والنسيان، لأنهما عذر، مثله مثل الترتيب بين الصلوات المقضيات .
وقال آخرون: لا يسقط الترتيب بالجهل والنسيان ؛ لأنه فرض والفرض لا يسقط بالنسيان، ولا يصح القياس على الصلوات ؛ لأن كل صلاة عبادة مستقلة، بخلاف الوضوء فإنه عبادة واحدة، ونظيره اختلاف الترتيب في الركوع والسجود في الصلاة الواحدة .
لكن لو فرض أن رجلا جاهلا في بادية نشأ على عدم المعرفة، ولم تتيسر له، فهاهنا يتوجه القول بأنه يعذر بالجهل ؛ للضرورة .
الفرض السادس: الموالاة في الوضوء.
والموالاة هي أن لا يشتغل المتوضئ بين أفعال الوضوء بعمل ليس منه ؛، لأن النبي ـ
ـ هكذا كان يفعل، وقيل في تفسير الموالاة: أن لا يمكث في أثناء الوضوء مقدار ما يجف فيه العضو المغسول، فإن مكث تنقطع الموالاة .
وهي فرض عند المالكية والشافعية، والحنابلة.
والدليل ما روي من رواية عمر أن النبي ـ ـ :{ رأى رجلا يصلي وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره النبي ـ ـ أن يعيد الوضوء والصلاة } ولو لم تجب الموالاة لأجزأه غسل اللمعة ؛ ولأنها عبادة يفسدها الحدث، فاشترطت لها الموالاة كالصلاة.
والموالاة الواجبة أن لا يترك غسل عضو حتى يمضي زمن يجف فيه العضو الذي قبله في الزمان المعتدل ؛ لأنه قد يسرع جفاف العضو في بعض الزمان دون بعض ؛ ولأنه يعتبر ذلك فيما بين طرفي الطهارة.
"وشروطه النية "
النية معناها: القصد يقال: نواك: الله بخير أي قصدك به، ونويت السفر. أي: قصدته، وعزمت عليه. والنية من شرائط الطهارة للأحداث كلها، لا يصح وضوء ولا غسل ولا تيمم، إلا بها على الراجح من أقوال أهل العلم، روي ذلك عن علي، وبه قال ربيعة ومالك والشافعي والليث وإسحاق وأبو عبيدة، وابن المنذر .
ودليل اشتراطها من القرآن والسنة .
أما القرآن: فقول الله تعالى:{ إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين } [ الزمر :2]، وهي دليل على وجوب النية في كل عمل ؛ وأعظمه الوضوء الذي هو شطر الإيمان.
ومنه قول الله تعالى:{ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} [البينة :5] والإخلاص عمل القلب وهو النية والأمر به يقتضي الوجوب .
ومنه أيضا قول الله تعالى :{ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم } [المائدة :6] أن معناه فاغسلوا وجوهكم للصلاة، وهذا معنى النية .
وأما السنة: فما روى عمر، عن النبي ـ
ـ أنه قال :{ إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى }. فنفى أن يكون له عمل شرعي بدون النية ؛ لأن لفظة إنما للحصر. وليس المراد صورة العمل فإنها توجد بلا نية، وإنما المراد أن حكم العمل لا يثبت إلا بالنية. ودليل آخر وهو قوله ـ
ـ :{ وإنما لكل امرئ ما نوى } وهذا لم ينو الوضوء فلا يكون له.
أما حكم المسألة: فهو أن النية شرط في صحة الوضوء والغسل والتيمم، وبه قال الزهري وربيعة شيخ مالك، ومالك والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق وأبو ثور، وأبو عبيد وداود، قال الشيخ أبو حامد وغيره، ويروى عن علي بن أبي طالب ـ
ـ.
وذهبت طائفة إلى أنه يصح الوضوء والغسل والتيمم بلا نية، حكاه ابن المنذر عن الأوزاعي، والحسن بن صالح.
وقال أبو حنيفة، وسفيان الثوري: يصح الوضوء والغسل بلا نية، ولا يصح التيمم إلا بالنية، وهي رواية عن الأوزاعي، والراجح الأول.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق