باب الأيام المعلومات والأيام المعدودات
( قال الشافعي ) رضي الله عنه : " والأيام المعلومات العشر وآخرها يوم النحر ، والمعدودات ثلاثة أيام بعد النحر ( قالالمزني ) سماهن الله عز وجل باسمين مختلفين وأجمعوا أن الاسمين لم يقعا على أيام واحدة وإن لم يقعا على أيام واحدة فأشبه الأمرين أن تكون كل أيام منها غير الأخرى كما أن اسم كل يوم غير الآخر وهو ما قال الشافعي عندي ( قالالمزني ) فإن قيل لو كانت المعلومات العشر لكان النحر في جميعها فلما لم يجز النحر في جميعها بطل أن تكون المعلومات فيها - يقال له قال الله عز وجل سبع سماوات طباقا ، وجعل القمر فيهن نورا وليس القمر في جميعها وإنما هو في واحدها ؛ أفيبطل أن يكون القمر فيهن نورا كما قال الله جل وعز وفي ذلك دليل لما قال الشافعي وبالله التوفيق " .
قال الماوردي : وأصل هذا أن الله تعالى ذكر في كتابه العزيز أياما معلومات ، وأياما معدودات قال الله عز وجل : ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام [ الحج : 28 ] ، وقال تعالى : واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه [ البقرة : 203 ] ، فاختلف الناس في المعلومات والمعدودات ؛ فذهبالشافعي رضي الله عنه إلى أن الأيام المعلومات العشر من ذي الحجة آخرها يوم النحر ، والأيام المعلومات أيام التشريق الثلاثة وهي الحادي عشر ، والثاني عشر والثالث عشر .
وقال مالك : يوم النحر من المعلومات المحضة دون ما قبله من العشر ، واليوم الثالث عشر وهو آخر أيام التشريق من المعدودات المحضة واليوم - الحادي عشر ، والثاني عشر مشتركان في المعلومات والمعدودات .
وقال أبو حنيفة : يوم عرفة ويوم النحر من المعلومات المحضة ، واليوم الثاني عشر والثالث عشر من المعدودات المحضة واليوم الحادي عشر مشترك في المعلومات والمعدودات ؛ واستدلالا بقوله تعالي : ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام [ الحج : 28 ] .
قال مالك : فلما جعل التسمية على بهيمة الأنعام في الأيام المعلومات وذلك في يوم النحر دون ما قبله من العشر دل على أن ما قبل يوم النحر ليس منها .
وقال أبو حنيفة : لما قال : ليشهدوا منافع لهم بالحج : 28 ] يعني : الوقوف بعرفة
دل على أن يوم عرفة من المعلومات وما قبل يوم عرفة ليس منها .
والدلالة على ما قلنا : هو أن الله تعالى ذكرهما باسمين مختلفين فدل ذلك على اختلاف المسميين ، وإذا اختلفا لم يجز أن يشتركا ، فإذا انفردا ولم يشتركا ثبت قولنا ، لأن كل من أفردهما جعل العشر من المعلومات ، وأيام التشريق من المعدودات وقال تعالى : والفجر وليال عشر والشفع والوتر [ الفجر : 3 ] ، قال أهل العلم : وليال عشر ، يعني : عشر ذي الحجة ، و " والشفع " يعني : يوم النحر ، و " والوتر " يعني يوم عرفة فلما جعل في العشر التي شرفها وأقسم بها يوم النحر وعرفة وهما من المعلومات علم أن ما دخلا فيه في العشر كله من المعلومات ، وروى ابن أبي حسين عنجبير بن مطعم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : كل أيام التشريق ذبح ، ومالك يمنع من الذبح في اليوم الثالث ، ولأن يوم الحادي عشر يوم يسن فيه رمي الجمرات الثلاث فلم يجز أن يكون من المعلومات كالثالث عشر ، ولأن ما دخل في أحد العددين انتفى عن الآخر كالعاشر لما دخل في المعلومات انتفى عن المعدودات وكالثالث عشر لما دخل في المعدودات انتفى عن المعلومات .
وأما الجواب عن استدلالهم بالآية فمن وجهين :
أحدهما : أن الشيء قد يضاف إلى الجملة وإن كان يقع في بعض تلك الجملة كما قال تعالى : سبع سماوات طباقاوجعل القمر فيهن نورا [ نوح : 16 ] ، وليس القمر في جميعها وإنما هو في واحدة منها وكقوله تعالى : الحج أشهر معلومات [ البقرة : 197 ] ، وليس الحج في جميعها وإنما هو في بعضها وكما يقال : يوم الجمعة ، وليست الجمعة تقام في جميع اليوم وإنما تقام في بعضه . والجواب الثاني : إن الله تعالى أضاف الذكر على البهيمة إلى الأيام المعلومات ، والذكر عندنا يقع في جميع العشر : لأنه - إذا ساق الهدي وسمى اسم الله تعالى وكبر من أول العشر - على ما فعل الصحابة رضي الله عنهم وجرى به العمل
أما المنافع التي أرادها تعالى بقوله : ليشهدوا منافع لهم [ الحج : 28 ] ، ففيها ثلاثة أقاويل :
أحدها : إنها المواقف وقضاء المناسك .
والثاني : إنها المغفرة .
والثالث : إنها التجارة .
فإن قيل فلما ذكرها الله تعالى بهذين الاسمين المختلفين : قيل : لأمر علمه ويجوز أن يكون سمى المعلومات بهذا الاسم : لأن ما علم من أفعال الحج يقع فيها كالتعريف يوم عرفة والرمي والنحر والطواف يوم النحر ، كما أن الحج أشهر معلومات من أجل ما علم فيهن من الحج وسمى المعدودات أيام التشريق : لأنها أيام معدودة مستوية الأحكام في الرمي والتلبية والنحر ، فإن قيل : فيوم النحر يقع فيه النحر قيل لم يقع فيه لنفسه وإنما وقع فيه ، لأنه يقع لما يتعلق الإحلال به ، والله أعلم .
فإن قيل أي الأيام أشرف : المعلومات أو المعدودات ؟ قيل المعلومات أشرف لقوله تعالى : والفجر وليال عشر ، [ الفجر : 1 ] ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ما من أيام العمل فيهن أحب إلى الله تعالى من عشر ذي الحجة فأكثروا فيهن من التهليل والتحميد ، فقيل يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله تعالى ؟ قال : ولا الجهاد ، إلا المعفر في التراب .
***********************************************************************************************
{ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج : 29]
أنواع الطواف وحكم كل نوع:
جملة أنواع الطواف ستة منها ثلاثة في الحج المفرد والقران، وهي
1- طواف القدوم.
2- وطواف الإفاضة(ويسمى طواف الزيارة)
3- وطواف الوداع.
وفي العمرة لمن أداها من أهل الآفاق وجلس في مكة وأراد السفر إلى أهله طوافان:
الأول: طواف الفرض ويسمى طواف الركن لها.
الثاني: طواف الوداع لها.
والنوع السادس طواف عام وهو طواف التطوع المطلق.
أولاً: في حكم طواف القدوم:
طواف القدوم إنما يتصور في حق مفرد الحج وفي حق القارن إذا كانا قد أحرما من غير مكة ودخلا قبل الوقوف بعرفة، فأما المكي فلا يتصور في حقه طواف القدوم إذ لا قدوم له، وأما المحرم بالعمرة فلا يتصور في حقه أيضاً طواف القدوم بل إذا طاف للعمرة أجزأه عنهما ويتضمن القدوم كما تجزئ الصلاة المفروضة عن الفرض وتحية المسجد.
وأما من أحرم بالحج مفرداً أو قارناً ولم يدخل مكة إلا بعد الوقوف بعرفة فليس في حقه طواف قدوم بل الطواف الذي يفعله بعد الوقوف طواف الإفاضة.
حكم طواف القدوم:
اختلف الفقهاء رحمهم الله في حكم طواف القدوم على قولين:
القول الأول: أنه واجب يجب بتركه دم إن لم يكن تركه لضيق الوقت وهو قول المالكية: وهو رواية عند الحنابلة.
القول الثاني: أن طواف القدوم سنة لا يجب به شيء وهو قول جماهير أهل العلم، وبه قال الحنفية، كما أنه المشهور عند الشافعية والحنابلة.
الأدلة:
أدلة أهل القول الأول والذين يرون الوجوب:
الدليل الأول: قوله تعالى: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (الحج: من الآية29).
وجه الدلالة: أن الله أمر بالطواف بالبيت فدل على الوجوب والفرضية.
مناقشة الدليل السابق:
قال الكاساني في بدائع الصنائع: ولنا أنه لا يجب على أهل مكة بالإجماع ولو كان ركناً لوجب عليهم لأن الأركان لا تختلف بين أهل مكة وغيرهم كطواف الزيارة، فلما لم يجب على أهل مكة دل على أنه ليس بركن، والمراد من الآية طواف الزيارة لإجماع أهل التفسير، ولأنه خاطب الكل بالطواف بالبيت، وطواف الزيارة هو الذي يجب على الكل، فأما طواف اللقاء فإنه لا يجب على أهل مكة دل على أن المراد هو طواف الزيارة، وكذا سياق الآية دليل عليه لأنه أمر بذبح الهدايا بقوله عز وجل: (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) (الحج: من الآية28)، وأمر بقضاء التفث وهو الحلق والطواف بالبيت عقيب ذبح الهدي لأن كلمة (ثم) للترتيب مع التعقيب فيقتضي أن يكون الحلق والطواف مرتبين على الذبح، والذبح يختص بأيام النحر لا يجوز قبلها فكذلك الحلق والطواف وهو طواف الزيارة، وأما طواف اللقاء فإنه يكون سابقاً على أيام النحر فثبت أن المراد من الآية الكريمة طواف الزيارة وبه نقول إنه ركن.
وقال الشوكاني في نيل الأوطار: وأما الاستدلال على الوجوب بالآية فقال شارح البحر: إنها لا تدل على طواف القدوم لأنها في طواف الزيارة إجماعاً.
الدليل الثاني: ما جاء في الصحيحين "أن النبي صلى الله عليه وسلم أول ما يبدأ به الطواف".
وجه الدلالة: أن هذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال صلى الله عليه وسلم: "لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعَلِّي لا أحج بعد حجتي هذه".
أدلة القائلين بسنية طواف القدوم:
استدلوا بأن طواف القدوم تحية فلم يجب كتحية المسجد.
كما استدلوا أيضاً على عدم وجوبه بسقوطه عن أهل مكة بالإجماع، قالوا ولو كان واجباً لم يسقط عنهم.
وأجابوا عن فعله صلى الله عليه وسلم بأنه لا يدل على الوجوب.
الترجيح:
قلت والذي يترجح لي والعلم عند الله تعالى هو القول بوجوب طواف القدوم لمن دخل مكة مفرداً بالحج أو قارناً بينه وبين العمرة، وذلك لأن فعل النبي صلى الله عليه وسلم له مع قوله: "خذوا عني مناسككم" يستلزم الوجوب، وقد فعل ذلك الصحابة رضي الله عنهم، فقد روى البخاري في صحيحه عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل القرشي أنه سأل عروة بن الزبير فقال: قد حج النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته عائشة رضي الله عنها أنه أول شيء بدأ به حين قدم أنه توضأ ثم طاف بالبيت، ثم لم تكن عمرة، ثم حج أبو بكر رضي الله عنه فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ثم لم تكن عمرة، ثم عمر رضي الله عنه مثل ذلك، ثم حج عثمان رضي الله عنه فرأيته أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ثم لم تكن عمرة ثم معاوية وعبد الله بن عمر، ثم حججت مع أبي – الزبير بن العوام – فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم تكن عمرة، ثم رأيت المهاجرين والأنصار يفعلون ذلك، ثم لم تكن عمرة، ثم آخر من رأيت فعل ذلك ابن عمر ثم لم ينقضها عمرة، وهذا ابن عمر عندهم أفلا يسألونه ولا أحد ممن مضى ما كانوا يبدؤون بشيء حتى يضعوا أقدامهم من الطواف بالبيت ثم لا يحلون، وقد رأيت أمي وخالتي حين تقدمان ولا تبتدئان بشيء أول من البيت تطوفان به ثلم لا تحلان، وقد رواه مسلم أيضاً بلفظ أطول من هذا.
هذا وما استدل به أهل القول الأول من قياس غير المكي على المكي قياس مع الفارق كما هو ظاهر، إذ لا بد في القياس من موافقة المقيس للمقيس عليه في العلة والحكم كذلك في قياس الآفاقي على المكي، هذا وقد رجح القول بالوجوب ابن تيمية والشوكاني.
فرع: في حكم وجوب الدم على من ترك طواف القدوم.
على القول بوجوب طواف القدوم فهل يجب بتركه لغير عذر دم؟ والجواب أنه محل خلاف بين القائلين بوجوب هذا الطواف فقال ابن القاسم من المالكية بوجوب الدم، وقال أشهب لا عليه.
قال الباجي في المنتقى: فصل وإنما سمى طواف الورود الطواف الواجب لأنه واجب على الوارد، وليس يجب بمجرد الحج، ولو كان من أركان الحج لما سقط عمن أحرم من مكة ولا على المراهق، فإن أخره الوارد المدرك فقد قال ابن قاسم عليه دم، وقال أشهب لا شيء عليه، وجه قول ابن القاسم أن هذا نسك قد وجب عليه في حجة فإذا فات مع القدرة عليه، فعليه دم أصل ذلك رمي الجمار، ووجه قول أشهب أن كل ما لا يجب بتركه الدم على من أحرم من مكة فإنه لا يجب به الدم على من أحرم من غير مكة أصل ذلك طواف الوداع قلت والقول في عدم وجوب الدم قوي متجه، والعلم عند الله تعالى.
ثانياً: طواف الإفاضة:
وقد أجمع العلماء رحمهم الله على أنه ركن من أركان الحج لا يصح الحج إلا به، استناداً إلى قوله تعالى: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (الحج: من الآية29)، وقد أجمعوا على أن المراد بهذا الطواف: طواف الإفاضة.
هذا وقد نقل الإجماع على فرضية هذا الطواف غير واحد من أهل العلم.
قال الكاساني: وأما طواف الإفاضة.. فالدليل على أنه ركن قوله تعالى: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (الحج: من الآية29) والمراد منه طواف الزيارة بالإجماع.
وقال القرطبي: قال إسماعيل بن إسحاق: والطواف الواجب الذي لا يسقط بوجه من الوجوه هو طواف الإفاضة الذي يكون بعد عرفة، قال الله تعالى: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (الحج:29) قال فهذا هو الطواف المفترض في كتاب الله عز وجل وهو الذي يحل به الحاج من إحرامه كله، قال الحافظ أبو عمر: ما ذكره إسماعيل في طواف الإفاضة هو قول مالك عند أهل المدينة، وهي رواية ابن وهب وابن نافع وأشهب عنه، وهو قول جمهور أهل العلم من فقهاء الحجاز والعراق.
وقال النووي في المجموع: واعلم أن طواف الإفاضة ركن لا يصح الحج إلا به، وقال أيضاً: وهذا الطواف ركن من أركان الحج لا يصح إلا به بإجماع الأمة.
وقال ابن قدامة في المغني: والأطوفة المشروعة ثلاثة: طواف الزيارة وهو ركن الحج لا يتم إلا به بغير خلاف.
بداية وقته:
طواف الإفاضة له وقت فضيلة ووقت جواز:
فأما وقت الفضيلة فهو يوم النحر أول النهار استناداً إلى ما رواه مسلم في صحيحه عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفاض يوم النحر، ثم رجع فصلى الظهر بمنى، قال نافع: فكان ابن عمر يفيض يوم النحر ثم يرجع فيصلي الظهر بمنى ويذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله.
قال النووي: بعد ذكره لهذا الحديث: وفي هذا الحديث إثبات طواف الإفاضة وأنه يستحب فعله يوم النحر وأول النهار وقد أجمع العلماء على أن هذا الطواف وهو طواف الإفاضة ركن من أركان الحج لا يصح إلا به، واتفقوا على أنه يستحب فعله يوم النحر بعد الرمي والنحر والحلق.
وأما وقت الجواز فقد اختلف الفقهاء رحمهم الله في ابتدائه على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن ابتداء وقته من طلوع فجر يوم النحر وهو قول الحنفية، وقول في مذهب المالكية، وهو رواية عند الحنابلة.
القول الثاني: أن ابتداء وقته من منتصف ليلة النحر وبه قال الشافعية والحنابلة.
القول الثالث: أن من طاف يوم التروية قبل يوم عرفة فقد طاف للحج في وقته وهو قول في مذهب المالكية.
الأدلة:
أدلة القول الأول والذي مفاده أن ابتداء وقته بعد طلوع فجر يوم النحر:
الدليل الأول: فعله صلى الله عليه وسلم مع قوله: "خذوا عني مناسككم"، وقد طاف صلى الله عليه وسلم طواف الإفاضة يوم النحر في النهار ولم يطف ليلة النحر، والليالي تابعة للأيام السابقة لا اللاحقة، والنهار يبتدأ من طلوع الفجر.
الدليل الثاني: ما رواه أبو داود في سننه قال حدثنا هارون بن عبد الله حدثنا ابن أبي فديك عن الضحاك – يعني ابن عثمان – عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أرسل النبي صلى الله عليه وسلم بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت وكان ذلك اليوم الذي يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم – يعني عندها.
أدلة القول الثاني: والذي مفاده أن ابتداء طواف الإفاضة من منتصف ليلة النحر استدلوا بحديث عائشة المتقدم، والذي فيه أن الرسول صل الله عليه وسلم أرسل بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت... إلخ.
وجه الدلالة لهم: أن الرسول صل الله عليه وسلم أرسل بها في ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت قالوا وهذا كله في الليل قبل الفجر.
كما استدلوا بأدلة جواز الدفع من مزدلفة قبل فجر يوم النحر والتي منها ما رواه البخاري عن عبد الله مولى أسماء عن أسماء أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة فقامت تصلي، فصلت، ثم قالت: يا بنيّ هل غاب القمر؟ قلت: لا، ثم صلت ساعة ثم قالت: يا بني هل غاب القمر، فقلت: نعم. قالت: فارتحلوا فارتحلنا فمضينا، ثم رجعت فصلت الصبح في منزلها فقلت يا هنتا ما أرانا إلا قد غلسنا، قالت يا بنتي إن رسول الله صل الله عليه وسلم قد أذن للظعن.
ومنها ما رواه النسائي في سننه عن عطاء بن أبي رباح أن مولى لأسماء بنت أبي بكر أخبرهم قال: جئت مع أسماء بنت أبي بكر، منى بغلس، فقلت لها: لقد جئنا بغلس فقالت: كنا نصنع هذا مع من هو خير منك. ولأبي داود قالت: كنا نصنع هذا على عهد رسول الله صل الله عليه وسلم.
وجه الدلالة من الأحاديث السابقة: جواز الدفع من مزدلفة بعد منتصف الليل وإذا جاز الدفع منها جاز الرمي والطواف.
أدلة القول الثالث: والذي مفاده أن من طاف يوم التروية فقد طاف للحج في وقته قال النمري القرطبي مستدلاً لهذا القول: ومن قال هذا قال: إنما قيل لطواف الدخول وطواف الإفاضة واجب لأن بعضها ينوب عن بعض على ما وصفنا، ولأنه قد روي عن مالك أنه يرجع من نسي أحدهما من بلده كما يرجع إلى الآخر على ما ذكرنا، ولأن الله عز وجل لم يفرض على الحاج إلا طوافاً واحداً بقوله: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ) (الحج: من الآية27)، وقال في سياق الآية: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (الحج:29)، والواو في هذه الآية وغيرها عندهم لا توجب رتبة إلا بتوقيت ومن طاف بالبيت يوم التروية فقد طاف للحج في وقته وحين عمله.
هذا وبناءً على استعراض أدلة الأقوال المتقدمة يترجح لي والعلم عند الله تعالى أن ابتداء طواف الإفاضة ينبني على ابتداء وقت جواز الدفع من مزدلفة ليلة النحر وقد تبين لنا من خلال الأدلة المتقدمة أن ابتداء الدفع من مزدلفة يختلف باختلاف الحاج قوة وضعفاً، فالضعفة من النساء والصبيان والمرأة الحامل، وكبار السن من الرجال والنساء والمرضى، وكذا المرأة التي يخشى من حيضها أو نفاسها والذي يترتب على تأخرها تعطيل رفقتها، وكذا المرافق لأي ممن تقدم كالسائق والمحْرَم والمساعد ونحوهم كل هؤلاء يجوز لهم الطواف بعد دفعهم من مزدلفة وبعد غيبوبة القمر آخر ليلة النحر كما تقدم إيضاحه، وأما الأقوياء فلا يجوز لهم لطواف إلا بعد طلوع الشمس لأن النبي صل الله عليه وسلم وأصحابه ممن لا عذر لهم لم يطوفوا إلا بعد طلوع الشمس وهذا القول هو الذي يجمع بين النصوص المتقدمة، ومتى أمكن الجمع وجب العمل به، ولا يلجأ لغيره كالترجيح بين الأدلة إلا لتعذره، والله أعلم.
نهاية وقت طواف الإفاضة:
لم يرد نص في نهاية وقت طواف الإفاضة وجمهور العلماء على أنه لا آخر لوقته بل يبقى وقته ما دام صاحب النسك حياً، لكن العلماء اختلفوا في لزوم الدم بالتأخير أو عدم لزومه إلى ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه لا يلزم بالتأخير دم مطلقاً ففي أي وقت أتى به أجزأه، وهذا قول أبي يوسف ومحمد من الحنفية ومذهب الشافعية والحنابلة.
القول الثاني: أن تأخيره عن أيام التشريق يجب فيه دم، وهو قول أبي حنيفة، وقول لبعض الحنابلة، وقد خرجه القاضي وغيره رواية في المذهب.
القول الثالث: أنه لا يجب الدم إلا إذا أخره عن شهر ذي الحجة، وهذا هو المشهور عن المالكية.
الأدلة:
استدل أهل القول الأول على عدم وجوب الدم في التأخير: بأنه لم يرد نص على نهاية وقت طواف الإفاضة فمتى فعله الإنسان أجزأه، ولأنه لو توقت آخره لسقط بمضي آخره كالوقوف بعرفة فلما لم يسقط دل على أنه لم يتوقف، ثم إنّ الأصل عدم وجوب الدم حتى يرد الشرع به.
واستدل أهل القول الثاني والثالث على وجوب الدم في التأخير بأن التأخير بمنزلة الترك في حق وجوب الجابر بدليل أن من جاوز الميقات بغير إحرام ثم أحرم يلزمه دم ولو لم يوجد منه إلا تأخير النسك، وكذا تأخير الواجب في باب الصلاة بمنزلة الترك في حق وجوب الجابر وهو سجود السهو فكان الفقه في ذلك أن أداء الواجب كما هو واجب، إذ مراعاة محل الواجب واجب فكان التأخير تركاً للمراعاة الواجبة وهي مراعاته في محله. قالوا ولأنه نسك يفعل في الحج فكان آخره محدوداً كالوقوف والرمي فإذا أخره لزم أن يجبره بدم.
الترجيح:
يترجح لي والعلم عند الله تعالى عدم وجوب الدم بتأخير طواف الإفاضة لأن آخر وقته غير محدود شرعاً، ولهذا أجمعوا على أنه من أتى به ولو سافر ورجع أجزأه، وإنما الخلاف في وجوب الدم ولا دليل على وجوبه إذ الأصل عدم وجوبه، واستدلال الموجبين بأن التأخير بمنزلة الترك في حق وجوب الجابر غير مسلم به إذ قد يعفى عن التأخير من غير جبر ولا حرج، ولا يعفى عن الترك فقد روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صل الله عليه وسلم قيل له في الذبح والحلق والرمي والتقديم والتأخير فقال: لا حرج، وفي رواية عنه قال: كان النبي صل الله عليه وسلم يسأل يوم النحر بمنى، فيقول: لا حرج فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح قال اذبح ولا حرج، وقال رميت بعدما أمسيت فقال: لا حرج، وروى البخاري أيضاً عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن الرسول صل الله عليه وسلم ما سئل يومئذ عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: افعل ولا حرج.
هذا وقياسهم طواف الإفاضة على الوقوف والرمي قياس مع الفارق لأن الوقوف والرمي مؤقتان بوقت يفوتان بفواته وليس كذلك في طواف الإفاضة فإنه متى أتي به صح كما تقدم. والله أعلم.
ثالثاً: طواف العمرة:
اتفق الأئمة الأربعة على أن طواف العمرة ركن من أركانها لا تصح إلا به بل نقل بعض أهل العلم الإجماع على ذلك.
قال الكاساني في بدائع الصنائع: وأما ركنها – يعني العمرة – فالطواف، لقوله عز وجل: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (الحج: من الآية29) ولإجماع الأمة عليه.
وجاء في مواهب الجليل ما نصه: "ثم الطواف لهما سبعاً" هذا معطوف على الإحرام في قوله: وركنهما الإحرام ويعني أن الركن الثاني من الأركان التي يشترك فيها الحج والعمرة الطواف فإن الطواف ركن في العمرة والطواف الركن في الحج طواف الإفاضة.
وقال النووي في المجموع: وأما العمرة فأركانها الإحرام والطواف والسعي والحلق إن جعلناه نسكاً.
وقال البهوتي في كشاف القناع: وأركان العمرة ثلاثة الإحرام والطواف والسعي... فمن ترك ركناً أو ترك النية له إن اعتبرت فيه كالطواف والسعي لم يتم نسكه إلا به.
رابعاً: طواف الوداع للحج لغير حاضري المسجد الحرام:
هذا وقد أجمع العلماء رحمهم الله على مشروعيته وعلى سقوطه عن الحائض إلا ما روي عن ابن الخطاب وابن عمر وزيد بن ثابت أنهم أوجبوه على الحائض وقد ثبت رجوع ابن عمر وزيد بن ثابت.
وقد جاء في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن الحائض.
وروى مسلم في صحيحه عن طاوس قال: كنت مع ابن عباس إذ قال زيد ابن ثابت: تفتي أن تصدر الحائض قبل أن يكون آخر عهدها بالبيت، فقال له ابن عباس: إما لا فسل فلانة الأنصارية هل أمرها بذلك رسول الله صل الله عليه وسلم قال: فرجع زيد بن ثابت إلى ابن عباس يضحك وهو يقول: ما أراك إلا قد صدقت، وروى مسلم أيضاً عن عائشة رضي الله عنها قالت حاضت صفية بنت حيي بعدما أفاضت قالت عائشة فذكرت حيضتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صل الله عليه وسلم: "أحابستنا هي قالت: فقلت يا رسول الله إنها قد كانت أفاضت وطافت بالبيت ثم خاضت بعد الإفاضة فقال رسول الله صل الله عليه وسلم فلتنفر".
هذا وقد اختلفوا في حكمه في حق غير الحائض على قولين:
القول الأول: أنه واجب وهو قول جمهور العلماء منهم الحسن البصري والحكم وحماد والثوري وغيرهم وهو قول أبي حنيفة والأصح في مذهب الشافعي كما أنه مذهب الحنابلة.
القول الثاني: أنه سنة وبه قال الإمام مالك وحكاه النووي عن داود وابن المنذر وعن مجاهد في رواية عنه، وهو قول في مذهب الشافعي.
الأدلة:
أدلة القائلين بوجوب طواف الوداع:
الدليل الأول: ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض.
الدليل الثاني: ما رواه مسلم وأبو داود وابن ماجة وغيرهم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان الناس ينصرفون في كل وجه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت.
قال النووي في شرحه لهذا الحديث: فيه دلالة لمن قال بوجوب طواف الوداع وأنه إذا تركه لزمه دم وهو الصحيح من مذهبنا، وبه قال أكثر العلماء.
الدليل الثالث: ما رواه مالك في الموطأ عن نافع عن عبد الله بن عمر بن الخطاب قال لا يصدرن أحد من الحاج حتى يطوف بالبيت فإن آخر النسك الطواف بالبيت.
قال الباجي قال مالك في قول عمر بن الخطاب فإن آخر النسك الطواف بالبيت أن ذلك فيما نرى والله أعلم لقول الله تبارك وتعالى: (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) (الحج: من الآية32)، وقال: (ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (الحج: من الآية33)، فمحل الشعائر كلها وانقضاؤها إلى البيت العتيق.
الدليل الرابع: ما رواه مالك أيضاً عن يحيى بن سعيد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ردّ رجلاً من ممر الظهران لم يكن ودع البيت حتى ودع.
الدليل الخامس: ما رواه البخاري ومسلم عن عروة عن أم سلمة رضي الله عنهما زوج النبي صل الله عليه وسلم أن رسول الله صل الله عليه وسلم قال: وهو بمكة وأراد الخروج ولم تكن أم سلمة طافت بالبيت وأرادت الخروج فقال لها رسول الله صل الله عليه وسلم إذا أقيمت صلاة الصبح فطوفي على بعيرك والناس يصلون ففعلت ذلك فلم تصلي حتى خرجت.
هذا وقد قال ابن حجر في الفتح: حديثها هذا في طواف الوداع.
أدلة القائلين بسنية طواف الوداع:
الدليل الأول: ما رواه البخاري ومسلم ومالك وغيرهم واللفظ لمسلم عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صل الله عليه وسلم: أراد من صفية بعض ما يريد الرجل من أجله فقالوا: إنها حائض يا رسول الله قال: وإنها لحابستنا، فقالوا يا رسول الله إنها قد زارت يوم النحر قال: فلتنفر معكم، وفي رواية أن النبي صل الله عليه وسلم لما علم بحيضها قال لها: عقري حلقي إنك لحابستنا ثم قال: أكنت أفضت يوم النحر قالت نعم قال فانفري.
وجه الدلالة: من الحديث السابق لهذا القول:
قال الباجي (مسألة) إذا ثبت أنه مشروع – يعني طواف الوداع – فليس بواجب، ثم ذكر حديث عائشة المتقدم – وقال: فوجه الدليل من الحديث أنه خاف أن لا تكون طافت للإفاضة وأن يحبسهم ذلك بمكة، فلما أخبر أنها قد أفاضت، قال: أخرجوا ولم يحبسهم لعذر طواف الوداع على صفية كما خاف أن يحبسهم لعذر طواف الإفاضة.
الدليل الثاني: ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أُمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خُفف عن المرأة الحائض.
وجه الدلالة: أن الرسول صل الله عليه وسلم رخص للحائض في تركه ولم يأمرها بدم ولا شيء ولو كان واجباً لأمر بجبره ولوجب عليها كطواف الإفاضة، قالوا ولأنه كتحية البيت أشبه طواف القدوم.
الترجيح والمناقشة:
قلت والذي يترجح لي والله أعلم هو القول بوجوب طواف الوداع على كل من أراد الخروج من مكة وهو من غير حاضري المسجد الحرام إلا الحائض والنفساء وذلك لعدة وجوه:
الوجه الأول: أن غاية ما استدل به من رأى سُنية ترخيص النبي صل الله عليه وسلم للحائض في تركه وأنهه تحية للبيت كطواف القدوم.
والجواب عن هذا: أن تخصيص الحائض بإسقاطه عنها دليل على وجوبه على غيرها إذ لو كان ساقطاً عن الكل لم يكن لتخصيصها بذلك معنى، هذا وقياس طواف الوداع على طواف القدوم قياس مع الفارق ذلك أن طواف الوداع جاء الأمر به من الرسول صل الله عليه وسلم بخلاف طواف القدوم ثم إن بعض من قال بسنيته طواف الوداع وهم المالكية قالوا بوجوب طواف القدوم كما تقدم وبناءً على هذا فهو قياس مسألة مختلف فيها على مثلها، وهذا غير سليم في القياس إذ الصحيح في القياس قياس مسألة مختلف فيها على متفق عليها.
الوجه الثاني: أن الأدلة الصحيحة والتي تقدمت في أدلة القول الأول صريحة في أمره صل الله عليه وسلم للناس بأن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض، والأمر يقتضي الوجوب.
الوجه الثالث: ثبوت نهيه صل الله عليه وسلم الناس عن الانصراف والنفر قبل أن يكون آخر عهدهم بالبيت، فقد تقدم فيما رواه مسلم في صحيحه أن النبي صل الله عليه وسلم قال: لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت، فهو دليل على منع النفر بدون وداع، وهو واضح في وجوب طواف الوداع.
الوجه الرابع: ثبوت طواف الوداع بفعله صل الله عليه وسلم فقد روى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك عن النبي صل الله عليه وسلم أنه صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ورقد رقدة بالمحصب ثم ركب إلى البيت فطاف به.
قال ابن حجر في الفتح: وفي سياق حديث أنس الثاني ما يشعر بأنه صلى بالأبطح وهو المحصب مع ذلك المغرب والعشاء، ثم ركب إلى البيت فطاف به أي طواف الوداع.
قلت: وحديث أنس هذا صريح بأن النبي صل الله عليه وسلم طاف للوداع قبل أن يخرج ففيه دلالة على ثبوت طواف الوداع بفعله صل الله عليه وسلم والذي يدل على الوجوب مع قوله صل الله عليه وسلم: "خذوا عني مناسككم".
فرع فيما إذا طهرت الحائض أو النفساء بعد أن نفرت وقبل مفارقة بنيان مكة.
جمهور العلماء رحمهم الله على أن الحائض إذا طهرت قبل مفارقتها البنيان من مكة أن عليها أن ترجع، ولا يلزمها الرجوع فيما إذا تجاوزت مكة بمسافة قصر.
واختلفوا فيما إذا تجاوزتها بأقل من مسافة قصر على قولين:
أحدهما: يلزمها الرجوع.
والثاني: لا يلزمها.
قال النووي في المجموع: ولو طهرت الحائض أو النفساء فإن كان قبل مفارقة بناء مكة لزمها طواف الوداع لزوال عذرها، وإن كان بعد مسافة قصر لم يلزمها العود بلا خلاف، وإن كان بعد مفارقة مكة وقبل مسافة القصر، فقد نص الشافعي أنه لا يلزمها، ونص أن المقصر بترك الطواف يلزمه العود، وللأصحاب طريقاً (المذهب) الفرق كما نص عليه وبه قطع المصنف والجمهور لأنه مقصر بخلاف الحائض (والطريق الثاني) حكاه الخراسانيون فيهما قولان (أحدهما) يلزمها (والثاني) لا يلزمهما (فإن قلنا) لا يجب العود فهل الاعتبار في المسافة بنفس مكة أم بالحرم فيه طريقان (المذهب) وبه قطع المصنف والجمهور بنفس مكة (والثاني) حكاه جماعة من الخراسانيين: فيه وجهان (أصحهما) هذا (والثاني) الحرم.
وقال ابن قدامة في المغني (فصل) وإذا نفرت الحائض بغير وداع فطهرت قبل مفارقة البنيان رجعت فاغتسلت لأنها في حكم الإقامة بدليل أنها لا تستبيح الرخص فإن لم يمكنها الإقامة فمضت أو مضت لغير عذر فعليها دم، وإن فارقت البنيان لم يجب الرجوع لأنها قد خرجت عن حكم الحاضر، فإن قيل: فلم لا يجب الرجوع إذا كانت قريبة كالخارج من غير عذر، قلنا: هناك ترك واجباً فلم يسقط بخروجه حتى يصير إلى مسافة القصر لأنه يكون إنشاء سفر طويل غير الأول وههنا لم يكن واجباً ولا يثبت وجوبه ابتداء إلا في حق من كان مقيماً.
قلت وما ذكره ابن قدامة من عدم وجوب رجوع الحائض بعد مفارقة بنيان مكة قوي متجه وكذا النفساء، والله أعلم.
فرع في طواف الوداع للحج على أهل مكة أو من أراد الإقامة فيها.
فرع فيما إذا طهرت الحائض أو النفساء بعد أن نفرت وقبل مفارقة بنيان مكة.
جمهور العلماء رحمهم الله على أن الحائض إذا طهرت قبل مفارقتها البنيان من مكة أن عليها أن ترجع، ولا يلزمها الرجوع فيما إذا تجاوزت مكة بمسافة قصر.
واختلفوا فيما إذا تجاوزتها بأقل من مسافة قصر على قولين:
أحدهما: يلزمها الرجوع.
والثاني: لا يلزمها.
قال النووي في المجموع: ولو طهرت الحائض أو النفساء فإن كان قبل مفارقة بناء مكة لزمها طواف الوداع لزوال عذرها، وإن كان بعد مسافة قصر لم يلزمها العود بلا خلاف، وإن كان بعد مفارقة مكة وقبل مسافة القصر، فقد نص الشافعي أنه لا يلزمها، ونص أن المقصر بترك الطواف يلزمه العود، وللأصحاب طريقاً (المذهب) الفرق كما نص عليه وبه قطع المصنف والجمهور لأنه مقصر بخلاف الحائض (والطريق الثاني) حكاه الخراسانيون فيهما قولان (أحدهما) يلزمها (والثاني) لا يلزمهما (فإن قلنا) لا يجب العود فهل الاعتبار في المسافة بنفس مكة أم بالحرم فيه طريقان (المذهب) وبه قطع المصنف والجمهور بنفس مكة (والثاني) حكاه جماعة من الخراسانيين: فيه وجهان (أصحهما) هذا (والثاني) الحرم.
وقال ابن قدامة في المغني (فصل) وإذا نفرت الحائض بغير وداع فطهرت قبل مفارقة البنيان رجعت فاغتسلت لأنها في حكم الإقامة بدليل أنها لا تستبيح الرخص فإن لم يمكنها الإقامة فمضت أو مضت لغير عذر فعليها دم، وإن فارقت البنيان لم يجب الرجوع لأنها قد خرجت عن حكم الحاضر، فإن قيل: فلم لا يجب الرجوع إذا كانت قريبة كالخارج من غير عذر، قلنا: هناك ترك واجباً فلم يسقط بخروجه حتى يصير إلى مسافة القصر لأنه يكون إنشاء سفر طويل غير الأول وههنا لم يكن واجباً ولا يثبت وجوبه ابتداء إلا في حق من كان مقيماً.
قلت وما ذكره ابن قدامة من عدم وجوب رجوع الحائض بعد مفارقة بنيان مكة قوي متجه وكذا النفساء، والله أعلم.
فرع في طواف الوداع للحج على أهل مكة أو من أراد الإقامة فيها.
جماهير أهل العلم ومنهم الأئمة الأربعة على عدم وجوب طواف الوداع للحج على حاضري المسجد الحرام أو من أراد الإقامة فيه من غيرهم وقد نص فقهاء المذاهب على ذلك.
قال الكاساني: أما شرائط الوجوب فمنها أن يكون من أهل الآفاق فليس على أهل مكة ولا من كان منزله داخل المواقيت إلى مكة طواف الصدر إذا حجوا لأن هذا الطواف إنما وجب توديعاً للبيت، ولهذا يسمى طواف الوداع ويسمى طواف الصدر لوجوده عند صدور الحجاج ورجوعهم إلى وطنهم، وهذا لا يوجد في أهل مكة لأنهم في وطنهم، وأهل داخل المواقيت في حكم أهل مكة فلا يجب عليهم كما يجب كما لا يجب على أهل مكة، وقال أبو يوسف أحب إليّ أن يطوف المكي طواف الصدر لأنه وضع لختم أفعال الحج، وهذا المعنى يوجد في أهل مكة، ولو نوى الآفاقي الإقامة بمكة أبداً بأن توطن بها واتخذها داراً فهذا لا يخلو من أحد وجهين: إما أن ينوي الإقامة بها قبل أن يحل النفر الأول، وإما أن ينوي بعد ما حل النفر الأول، فإن نوى الإقامة قبل أن يحل النفر الأول سقط عنه طواف الصدر أي لا يجب عليه بالإجماع، وإن نوى بعد ما حل النفر الأول لا يسقط وعليه طواف الصدر في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف يسقط عنه إلا إذا شرع فيه، ثم ذكر وجه قول أبي حنيفة وقول أبي يوسف.
وجاء في الكافي في فقه أهل المدينة: ولا ينصرف أحد إلى بلده حتى يودع البيت بالطواف سبعاً فإن ذلك سنة ونسك لا يسقط إلا عن الحائض وحدها وهو عند مالك مستحب لا يرى فيها دماً.
وقال الشيرازي في المهذّب (فصل) إذا فرغ من الحج فأراد المقام لم يكلف طواف الوداع، فإذا أراد الخروج طاف للوداع وصلى ركعتي الطواف للوداع.
وقالا لنووي في المجموع شرح المذهب: قال أصحابنا من فرغ من مناسكه وأراد المقام بمكة ليس عليه طواف الوداع، وهذا لا خلاف فيه سواء كان من أهلها أو غريباً، وإن أراد الخروج من مكة إلى وطنه أو غيره طاف للوداع.
قال الرافعي: ولأن الأصحاب اتفقوا على أن المكي إذا حج ونوى أن يقيم بوطنه لا يؤمر بطواف الوداع، وكذلك الأفقي إذا حج وأراد الإقامة بمكة لا وداع عليه، ولو كان من جملة المناسك لعم الحجيج هذا كلام الرافعي، ومما يستدل به من السنة لكونه ليس من المناسك ما ثبت في صحيح مسلم أن الرسول صل الله عليه وسلم قال: "يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثاً".
وجه الدلالة: أن طواف الوداع يكون عند الرجوع وسماه قبل قاضياً للمناسك وحقيقته أن يكون قضاها كلها.
قلت: وهذا الخلاف في مذهب الشافعية.
أما الحنفية فظاهر كلامهم أنه نسك حيث قال الكاساني وهو يتكلم عن طواف الوداع (والطواف آخر مناسكه).
وأما المالكية فقد اختلفوا فيه كالمذهبين، وسبب اختلافهم راجع إلى اختلافهم في معنى قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فيما رواه مالك عنه أنه قال: لا يصدرن أحد من الحاج حتى يطوف بالبيت فإن آخر النسك الطواف بالبيت.
قال الباجي بعد سياقه لهذا الأثر (فصل) وقوله فإن آخر النسك الطواف بالبيت يحتمل أن يريد به أن طواف الوداع آخر النسك الذي تلبس به الحاج أو المعتمر ويحتمل أن يريد به أن الطواف آخر نسك يُعمل لأنه بعد انقضاء كل نسك وعند فراق البيت.
الترجيح:
قلت والذي يظهر لي أن طواف الوداع ليس من جملة مناسك الحج وإنما هو عبادة مستقلة لأنه بالاتفاق لا يجب على من حج وهو من أهل مكة كما لا يجب أيضاً على الأفقي إذا حج وأراد الإقامة بمكة ولو كان من جملة المناسك لوجب على كل من حج، ولما رواه مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثاً"، وقد تقدم أن وجه الدلالة منه: أن طواف الوداع يكون عند الصدور وقد سماه قبله قاضياً للمناسك وحقيقته أن يكون قضاها كلها.
وقت طواف الوداع:
وقت طواف الوداع بعد أن يفرغ من جميع مناسك الحج ومن جميع أعماله عند إرادته السفر من مكة ليكون آخر عهده بالبيت على ما جرت به العادة في توديع المسافر إخوته وأهله لما جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض، ولما رواه مسلم وغيره أن النبي صل الله عليه وسلم قال: لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت.
فعلى الصادر من مكة أن يؤخره حتى يكون بعد جميع أموره، ولا يلزمه إعادة الطواف لو بقي بعد الوداع لانتظار رفقة أو تحميل رَحْلِه، وكذا لو اشترى حاجة في طريقه، أو نام يسيراً، أو بقي مدة لم تطل عرفاً، وهذا هو قول جماهير أهل العلم.
فرع في حكم ما إذا بقي مدة بعد طواف الوداع أو اشتغل بتجارة ونحو ذلك هل يعيد الطواف:
اختلف الفقهاء رحمهم الله في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول: للحنفية: ومفاده: أنه لو طاف للوداع ثم أطال الإقامة بمكة ولم ينو الإقامة بها ولم يتخذها داراً جاز طوافه وإن أقام سنة بعد الطواف إلا أنّ الأفضل أن يكون طوافه عند الصدر، وقد نص الكاساني في بدائع الصنائع على ذلك.
القول الثاني: وإليه ذهب المالكية ومفاده: أن طواف الوداع يكون متصلاً بفراق من يودع وليس شراؤه أو بيعه جهازاً أو طعاماً ساعة من نهار فاصلاً بين وداعه وسفره، وإنما يفصل بينهما مقام بوم وليلة بمكة، وقد نص على ذلك الباجي في شرح موطأ مالك وأفاد بأن ما ذكره هو على ما في مدونة مالك.
القول الثالث: للشافعي والحنابلة ومفاده: أنه إذا وادع واشتغل في تجارة من بيع وشراء لغير ما يحتاج إليه أو أقام مدة طويلة عرفاً، فعليه أن يعيد الوداع، وقد أشار إلى ذلك من فقهاء الشافعية الشيرازي في المهذب ونص عليه النووي في المجموع، ونص عليه من فقهاء الحنابلة ابن قدامة في المغني، وابن مفلح في الفروع، والمرداوي في الإنصاف، والبهوتي في كشاف القناع وغيرهم.
الترجيح:
قلت والذي يترجح لي والعلم عند الله تعالى أن طواف الوداع إنما يكون بعد نهاية أعمال المرء عندما يريد الخروج إلى أهله ليكون آخر عهده بالبيت كعادة المسافر في توديع أهله وأقاربه وأصحابه، ولا تجوز الإقامة بعده مدة طويلة عرفاً كما لا يجوز أن يؤخر عنه بعض أعمال الحج كالرمي مثلاً، لأن هذا لا يصدق عليه أن يكون آخر عهده بالبيت بل بالرمي، فإن فعل أعاده.
وأرى أنّ له أن يشتري ما يحتاج إليه بعد الوداع من جميع الحاجات حتى ولو اشترى شيئاً للتجارة ما دامت المدة قصيرة، كما أرى أن النوم اليسير للراحة لا يضر وكذا انتظار الرفقة ونحو ذلك، أما أن يقيم مدة طويلة ولو لم ينم الإقامة كقول الحنفية، أو يقيم يوماً وليلة كقول المالكية فأرى في مثل هذا أن يعيد الطواف، لأن هذه مدة طويلة لا يصدق على من بقي فيها أنّ آخر عهده بالبيت، والله أعلم.
قال النووي (فرع) قد ذكرنا أنه إذا كان عليه طواف فرض فنوى بطوافه غيره انصرف إلى الفرض نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب هذا مذهبنا، وقال أحمد لا يقع عن فرضه إلا بتعيين النية قياساً على الصلاة وقياس أصحابنا على الإحرام بالحج وعلى الوقوف وغيره.
وقال في موضع آخر: قال أصحابنا ولو طاف للوداع ولم يكن طاف الإفاضة وقع عن طواف الإفاضة وأجزأه.
وقال ابن قدامة في المغني على قول الخرقي (مسألة) قال (وإن طاف للوداع لم يجزئه لطواف الزيارة).
قال ابن قدامة: وإنما لم يجزئه عن طواف الزيارة لأن تعيين النية شرط فيه على ما ذكرنا فمن طاف للوداع فلم يعين النية له فكذلك لم يصح.
قلت والقول بعدم الإجزاء قوي متجه لقوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى".
قال أبو الفرج عبد الرحمن بن محمد المقدسي: فأما إن نوى بطوافه الوداع لم يجزئه عن طواف الزيارة لقوله عليه السلام: "وإنما لكل امرئ ما نوى" وحكمه حكم من ترك طواف الزيارة.
حكم إجزاء طواف الإفاضة عن طواف الوداع:
جمهور العلماء رحمهم الله على أنه إذا أخر طواف الإفاضة فطافه عند الخروج أجزأه عن طواف الوداع.
قال الباجي في المنتقى شرح موطأ مالك (فرع) ويجزئ عن طواف الوداع الطواف الواجب إذا خرج بأثره فإن أقام بعده فعليه طواف الوداع لأن طوافاً لفرضه قرب من طواف البيت فليس عليه تجديد طواف.
وجاء في الشرح الكبير لأبي الفرج عبد الرحمن المقدسي (مسألة) [فإن أخر طواف الزيارة فطافه عند الخروج أجزأه عن طواف الوداع].
هذا ظاهر المذهب لأنه أمر أن يكون ـآخر عهده بالبيت، وقد فعل، ولأن ما شرع لتحية المسجد أجزأ عنه الواجب من جنسه كتحية المسجد بركعتين تجزئ عنهما المكتوبة، وركعتا الطواف والإحرام يجزئ عنهما المكتوبة.
وعنه لا يجزئ عن طواف الوداع لأنهما عبادتان واجبتان فلم تجزئ إحداهما عن الأخرى كالصلاتين الواجبتين.
قلت والقول بالإجزاء قوي لما ذكروه من التوجيه، والله أعلم.
فرع: إذا نوى بطوافه الوداع فهل يجزئ عن الإفاضة على قولين للعلماء، فذهب الشافعية إلى أنه يجزئه بينما ذهب الحنابلة إلى عدم الإجزاء.
تم إجتزاء بعض الأدلة لكثرتها و أيضا بعض النصوص بما لا يضر المعني العام
هذا و لمن أراد البحث مفصلا
بحث
أ.د. سليمان العيسى
رابط البحث
http://almoslim.net/node/83643
*******************************************************************************************
قال عز وجل : {والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون }(الحج: 36)
أنواع الهَدْي
ينقسم الهَدْي إلى نوعين تطوع وواجب .
فهدي التطوع هو ما يقدمه العبد قربة إلى الله تعالى من غير إيجاب سابق ، فله أن يتقرب وأن يهدي ما شاء من النعم إن لم يكن محرماً ، وقد بعث النبي - صلى الله عليه وسلم- غنماً مع أبي بكر رضي اللّه عنه عندما حج سنة تسع ، وأهدى في حجه مائة بدنة.
وأما الهدي الواجب فهو الذي يجب على العبد بسبب من الأسباب الموجبة للدم ، والدماء الواجبة في الحج أنواع :
- دم التمتع والقران
وهو الدم الواجب بسبب الجمع بين الحج والعمرة في سفر واحد قال جل وعلا : { فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة } (البقرة: 196) وأُلحِق القارن قياساً على المتمتع فيجب عليهما ما استيسر من الهدي وأقله شاة أو سبع بدنة أو سبع بقرة ، والحكم في الآية السابقة على الترتيب فلا يجوز العدول عن الهدي إلى غيره إلا إذا عجز عنه ، كأن يعدمه أو يعدم ثمنه ، فينتقل حينئذ إلى الصيام فيصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله .
وما سبق خاص بمن لم يكن من حاضري المسجد الحرام ، أما من كان من حاضري المسجد الحرام فلا هدي عليه .
- دم ارتكاب المحظور
وهو الدم الواجب بارتكاب محظور من محظورات الإحرام -غير الوطء وعقد النكاح وقتل الصيد - كالحلق ولبس المخيط والتطيب وتقليم الأظافر ، فالواجب فيه دم على التخيير ، وهي فدية الأذى المذكورة في قوله تعالى : { فمن كان منكم مريضاً أو به أذىً من رأسه ففدية من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسك } (البقرة: 196) ، فهو مخير بين أن يذبح شاة ، أو يطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع ، أو يصوم ثلاثة أيام .
- دم ترك الواجب
وهو الدم الواجب لترك واجب من واجبات الحج كترك الإحرام من الميقات ، وعدم الجمع بين الليل والنهار في الوقوف بعرفة ، وترك المبيت بمزدلفة ومنى ، وترك طواف الواداع .
فالواجب فيه شاة ، وإن لم يجد ففي انتقاله إلى الصيام خلاف، فمنهم من قال يصوم عشرة أيام قياساً على دم التمتع ، ومنهم من لم يلزمه بالصوم لأن القياس مع الفارق .
- كفارة الوطء والاستمتاع
وهو الدم الواجب بالجماع ، فإذا جامع الرجل زوجته في الفرج قبل التحلل الأول فسد حجه ، ويجب عليه بدنة ، ويتم أعمال الحج ويقضيه من العام التالي ، وأما لو أنزل بمباشرة دون الفرج ، أو لمْسٍ بشهوة ، أو استمناءٍ فقد اختلفوا هل يجب عليه بدنة أو شاة كفدية الأذى ؟ وأما بالنسبة لفساد حجه فالصحيح الذي عليه الجمهور أنه لا يفسد بغير الوطء في الفرج .
وأما إن حصل الجماع بعد التحلل الأول فإن حجه لا يفسد وعليه ذبح شاة أو بدنة على خلاف بين العلماء ، والمرأة في وجوب الفدية مثل الرجل إذا كانت مطاوعة له .
- دم الفوات والإحصار
وهو الدم الواجب بسبب فوات الحج ، وذلك بأن يطلع فجر يوم النحر على المُحْرِم ولم يقف بعرفة ، وحينئذ فإنه يتحلل بعمرة فيطوف ، ويسعى ، ويحلق أو يقصر ، ويقضي الحج الفائت ، ويهدى هدياً يذبحه في قضائه .
ويجب الدم أيضاً بسبب الإحصار وهو طروء مانع يمنع المُحْرِم من إتمام نسكه بعد أن شرع فيه ، كمرض أو عدو أو غير ذلك من الموانع لقوله جل وعلا :{ فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي } (البقرة: 196). فيجب عليه هدي يذبحه حيث أحصر ، فإن لم يجد الهدي ففي انتقاله إلى الصيام خلاف .
وينبغي أن يعلم أن الفوات خاص بفوات الوقوف بعرفة ، وأما الإحصار فهو عام فيمن أحصر عن أي ركن من الأركان ، أما من أحصر عن واجب فإنه لا يتحلل بل يبقى على إحرامه ، وفي لزوم الدم عليه خلاف ، والفوات أيضاً خاص بالحج فلا يتصور في العمرة فوات ، وأما الإحصار فهو عام في الحج والعمرة .
- دم جزاء الصيد
وهو الدم الواجب بسبب قتل المحرم للصيد ، أو الإعانة على قتله بإشارة أو مناولة أو ما أشبه ذلك ، فيجب فيه دم المثل لما قتل يذبحه ويوزعه على فقراء الحرم لقوله تعالى : {ومن قتله منكم متعمداً فجزاءٌ مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هدياً بالغ الكعبة } (المائدة: 95) ، وله أن يقَوِّم المثل ويشتري بقيمته طعاماً يفرق على المساكين لكل مسكين نصف صاع ، أو يصوم عن طعام كل مسكين يوماً لقوله تعالى في الآية السابقة : {أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياماً } (المائدة: 95)، فالواجب فيه إذاً على التخيير .
شروط الهدي
ويشترط في الهدي ما يشترط في الأضحية ، وهو أن يكون من بهيمة الأنعام ( الإبل ، والبقر ، والغنم ) ، وأن يبلغ السن المعتبر شرعاً ، بأن يكون ثنياً من ( الإبل والبقر والمعز ) ، أو جذعاً من الضأن ، والثني من الإبل ما تم له خمس سنين ، ومن البقر ما تم له سنتان ، ومن الغنم ما تم له سنة ، والجذع من الضأن ما له ستة أشهر ، كما يشترط أن يكون سليماً من العيوب التي تمنع الإجزاء فلا تجزئ العوراء البين عورها ، ولا العرجاء البين عرجها ، ولا المريضة البين مرضها ، ولا العجفاء التي لا مخ فيها.
وأفضلها الإبل ، ثم البقر ، ثم الغنم ، وأقل ما يجزئ عن الواحد شاة أو سُبْع بدنة ، أو سبع بقرة ، لقول جابر رضي اللّه عنه - فيما رواه مسلم - : " حججنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فنحرنا البعير عن سبعة والبقرة عن سبعة " .
والأفضل ما توافرت فيه صفات التمام والكمال كالسمن ، وكثرة اللحم ، وجمال المنظر ، وغلاء الثمن لقوله تعالى : {ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب } (الحج: 32) قال ابن عباس رضي الله عنه : "تعظيمها : استسمانها ، واستعظامها ، واستحسانها". وكان عروة بن الزبير رضي الله عنه يقول لبنيه : " يا بني لا يهد أحدكم للّه تعالى من البدن شيئاً يستحي أن يهديه لكريمه ، فإن اللّه أكرمُ الكرماء، وأحق من اختير له " .
ويستحب كذلك إشعار الهدي وتقليده إظهاراً شعائر الله ، وإعلاماً للناس بأن هذه قرابين تساق إلى بيت الله الحرام ، ويتقرب بها إليه ، والإشعار هو : أن يشق أحد جنبي سنام البدنة حتى يسيل دمها ، ويجعل ذلك علامة على كونها هدياً فلا يُتعرَّضُ لها ، والتقليد هو : أن يجعل في عنق الهدي قطعة جلد ونحوها ليُعرَف أنه هدي ، تقول عائشة رضي اللهعنها : " لقد كنتُ أفتلُ قلائد هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ، فيبعث هديه إلى الكعبة " رواه البخاري .
وإذا عين هديه بالقول أو الإشعار أو التقليد لم يجز بيعه ، ولا هبته ، لأنه بتعيينه خرج عن ملكه وصار حقاً لله تعالى .
محل ذبح الهدي ووقته
والهدي- سواء أكان واجباً أم تطوُّعاً - لا يُذبح إلا في الحرم سوى نوعين :
الأول : ما وجب بفعل محظور غير قتل الصيد ، فيجوز ذبحه في الحرم ، وفي الموضع الذي وُجد سببه فيه .
الثاني : ما وجب بالإحصار فحيث أحصر .
وللمُهدي أن يذبح هديه في أي موضع من الحرم لقوله صلى الله عليه وسلم: ( كل منى منحر وكل فجاج مكة طريق ومنحر ) رواه أبو داود .
ووقت الذبح يبدأ من يوم النحر إذا مضى قدر فعل الصلاة بعد ارتفاع الشمس قدر رمح ، ويمتد إلى غروب شمس آخر يوم من أيام التشريق على الصحيح ، وهو اليوم الثالث عشر من ذي الحجة لقوله - صلى الله عليه وسلم- ( كل أيام التشريق ذبح ) رواه أحمد .
ويستحب له أن يتولى نحر هديه بنفسه وله أن ينيب غيره ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نحر بيده ثلاثاً وستين بدنة ثم أعطى علياً فنحر ما بقي .
وله أن يأكل من هدي التطوع والمتعة والقران ، وأن يهدي ويتصدق بخلاف أنواع الهدي الأخرى ، والله أعلم .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق