الثلاثاء، 7 أبريل 2020

الجزء العشرون - الربع الثالث - الأحكام الفقهية



﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ* قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القصص: 26، 27].

استدل العلماء بهذه الآية على جواز الإجارة
الإجارة في اللغة: مشتقةٌ مِن الأجر: وهو ما أَعطيتَ مِن أَجْر في عمل، والأَجْر الثواب، والجمع أُجور. (لسان العرب لابن منظور ج1 ص31)

 الإجارة في الشرع: تمليك منفعة شيء مباح لمدة محدودة بعوض. (المغني لابن قدامة ج8 ص6)

وأما أدلة مشروعية الإجارة فكثيرة من القرآن الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَالْإِجْمَاعِ: والمعقول. فأما القرآن فمنها قول الله تعالى: ﴿قَالَتْ إحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ قَالَ إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ [القصص: 26]

وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6]
وقوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْت لَاِتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف:77]

وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ أَخْذِ الْأَجْرِ عَلَى إقَامَتِهِ.

وَأَمَّا السُّنَّةُ:
فَثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ، اسْتَأْجَرَا رَجُلًا مِنْ بَنِي الدِّيلِ هَادِيًا خِرِّيتًا. (المغني لابن قدامة ج8 ص5-6)

رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قَالَ اللَّهُ: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ. (البخاري حديث 2270).

ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم: {أعطوا الأجير أجره قبل أن يجفَّ عرقه} رواه ابن ماجه.

وروى ابن عباس أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم: {احتجم وأعطى الحجام أجره} متفق عليه.

 وأما الإجماع:
فلقد أجمعت الأمة على العمل بالإجارة، ومن خالف هذا الإجماع وشذ عنه فإن خلافه لا يعتبر صحيحًا لمصادمته لنصوص القرآن والسنة التي تنص على مشروعية الإجارة، قال ابن قدامة وغيره: «وأجمع أهل العلم في كل عصر وكل مصر على جواز الإجارة، إلا ما يحكى عن عبد الرحمن بن الأصم أنه قال: لا يجوز ذلك لأنه غرر يعني أنه يعقد على منافع لـم تخلق، وهذا غلط، لا يمنع انعقاد الإجماع الذي سبق في الأعصار وصار في الأمصار. [المغني لابن قدامة 8/6].

وأما المعقول:
فقد ذكر الفتوحي وغيره [معونة أولي النهي للفتوحي 5/5]: "أن الحاجة إلى المنافع كالحاجة إلى الأعيان، فلما جاز العقد على الأعيان وجب أن تجوز الإجارة على المنافع، ولا يخفى ما بالناس من الحاجة إلى ذلك، فإنه ليس لكل أحد دار يملكها، ولا يقدر كل مسافر على بعير أو دابة يملكها، ولا يلزم أصحاب الأملاك إسكانهم وحملهم تطوعًا".


شروط صحة الإجارة.
1- رضا المتعاقدين، فلو أُكْرِه أحدهما، فلا تصح الإجارة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29].

2- أن تكون المنفعة المعقود عليها معلومة علماً يمنع التنازع عليها.

3- أن تكون المنفعة المعقود عليها مباحة شرعاً.

4- القدرة على تسليم العين المستأجرة بمنافعها.

5- أن تكون الأجرة مالاً معلوماً.

6- أن تكون مدة الإجارة محددة. [الفقه الإسلامي للزحيلي ج 4ص 737: ص749]


شروط استمرار عقد الإجارة:
1- سلامة العين المؤجرة من حدوث عيب يخل بالانتفاع بها:
ويترتب عليه أنه لو حدث عيب يخل بالانتفاع، فيكون المستأجر بالخيار بين الإبقاء على الإجارة ودفع كامل الأجرة وبين فسخها، كما إذا حدث بالدابة المؤجرة مرض أو عرج أو انهدم بعض بناء الدار؛ لأن المعقود عليه وهو المنافع يحدث شيئاً فشيئاً، فإذا حدث العيب بالشيء المستأجر كان هذا عيباً قبل القبض، فيوجب الخيار كما في عقد البيع.

2- عدم حدوث عذر يجيز فسخ الإجارة: كما إذا حدث عذر بأحد العاقدين أو بالشيء المأجور فيحق للمتعاقد فسخ العقد. [الفقه الإسلامي للزحيلي ج4 ص753: ص755].


تأجير العين المستأجرة:
إذا استأجر الإنسان محلاً أو بيتاً أو شقة أو معرضاً، جاز له أن يؤجر هذا المكان لغيره بمثل ما استأجره به أو بأكثر أو بأقل، بنفس مدة الإجارة وبشرط علم المالك ورضاه بذلك، وذلك لأن المستأجر يملك حق الانتفاع بالعين المستأجرة، فجاز له أن يستوفيها بنفسه أو بغيره، إلا أن يشترط المالك على المستأجر أن لا يؤجرها لغيره وبشرط أن لا يترتب على هذه الإجارة الجديدة ضرر للعين المستأجرة. 
(المغني لابن قدامة ج 8 ص 56:54) (مجموع فتاوى ابن تيمية ج 32 ص 308) (فتاوى اللجنة الدائمة ج 15 ص 89:87)


أخذ الأجرة على تلاوة القرآن:
لا يجوز أخذ أجرة على تلاوة القرآن الكريم سواء كان ذلك في سرادقات المأتم أو عند المقابر أو غير ذلك، ويجوز أخذ أجرة على تعليم القرآن وتحفيظه. (فتاوى دار الإفتاء المصرية ج 3 رقم 455 ص 909:907) (مجموع فتاوى ابن تيمية ج 30 ص 193:192) (فتاوى اللجنة الدائمة ج 4 ص 91).

روى أحمدُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ شِبْلٍ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: اقْرَءُوا الْقُرْآنَ وَلَا تَغْلُوا فِيهِ وَلَا تَجْفُوا عَنْهُ وَلَا تَأْكُلُوا بِهِ وَلَا تَسْتَكْثِرُوا بِهِ. (حديث صحيح) (مسند أحمد ج 24 ص 288)


فسخ عقد الإجارة:
يجوز فسخ عقد الإجارة للأعذار الآتية:
1- عذر من جانب المستأجر: مثل إفلاس المستأجر، أو انتقاله من الحرفة إلى الزراعة أو من الزراعة إلى التجارة، أو من حرفة إلى أخرى؛ لأن المفلس أو المنتقل من عمل لا ينتفع به إلا بضرر، لا يجبر على البقاء في الحرفة الأولى مثلاً. 
ومثله السفر أي انتقال المستأجر عن البلد؛ لأن في إبقاء العقد مع السفر ضرراً به.

2-عذر من جانب المؤجر: مثل لحوق دين فادح به لا يجد طريقاً لقضائه إلا ببيع الشيء المأجور وأدائه من ثمنه، هذا إذا ثبت الدين قبل الإجارة بالبينة أو بالإقرار، أو ثبت عقد الإجارة بالبينة.

3- عذر راجع للعين للمتسأجرة: مثل أن يستأجر شخص مطعماً في مكان ما ثم يهجر الناس هذا المكان. (الفقه الإسلامي للزحيلي ج4 ص755 - 757)

4- هلاك العين المستأجرة:
العين المستأجرة أمانة في يد المستأجر، فلا يضمنها إن تلفت أو تعيبت بغير تفريط منه. (الفقه الإسلامي للزحيلي ج4 ص775).


الكلام عن الأجرة:
وفيه مسائل:
1- الإجارة سواء كانت مضافة إلى وقت مستقبل أو منجَز لا تلزم فيها الأجرة بمجرد العقد، فإذا اشترط تعجيلها أو تأجيلها أو تقسيمها إلى أقساط تؤدَّى في أوقات معينة، صح ذلك الشرط ولزم الوفاء به.

2- لو استأجر إنسان شخصًا بأجر معلوم وبطعامه، أو استأجر دابة بأجر معلوم وبعلفها لم تجز الإجارة؛ لأن الطعام أو العلف يصير أجرة، فكانت الأجرة مجهولة.

3- استئجار الظئر: وهي المرضع تستأجر بطعامها وكسوتها، لا تجوز الإجارة بمقتضى القياس - وهو قول الصاحبين والشافعية - لجهالة الأجرة وهي الطعام والكسوة، وأجاز الحنابلة والحنفية والمالكية ذلك استحسانًا بالنص: ﴿لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233].
 ويشترط في استئجار الأعمال: العلم بمدة الرضاع، ومعرفة الطفل، وموضع الرَّضاع، ومقدار العِوَض، والطعام والكسوة.

4- وتجب الأجرة بالعقد، وتستحق - أي: يملِك المطالبة بها - بتسليم العمل الذي في الذمة، ولا يجب تسليمها قبله.


الكلام عن العين المؤجرة:
فيه مسائل:
1- أن يعقد على نفعها المعيَّن دون أجزائها؛ لأن الإجارة هي بيع المنافع، فلا تدخل الأجزاء فيها، فلا تصح إجارة الطعام للأكل، أو الشمع لإشعاله، ولا حيوان ليأخذ لبنه إلا في الظِّئر.

2- يجوز إجارة الدور والحوانيت بدون بيان ما يعمل فيها ومَن يسكنها، وينصرف استعمالها لعرف البلدة، وإذا كانت الدار مشغولة بمتاع المؤجر، فإنه يجبر على تفريغها وتسليمها فارغة للمستأجر.

3- لا يجوز للمستأجر أن يعمل ما يورث الضرر أو وهن البناء إلا بإذن المالك، فإذا لم ينشأ عن العمل ضرر فهو جائز.

4- ويجوز له أن يعير الدار أو الأرض التي استأجرها لغيره بمثل الأجرة أو أقل، وقال الشافعي: تطيب له الزيادة على أجرتها.

5- لا تصلح الإجارة إذا كانت واردة على القيام بفرض أو واجب على الأجير قبل العقد، مثل الإجارة على الصلاة، والإمامة، والأذان، وتعليم القرآن.

 ورُوِي عن عثمان بن أبي العاص قال: إن آخرَ ما عهِد إليَّ النبي - صلى الله عليه وسلم: {أنِ اتَّخِذْ مؤذنًا لا يأخذُ على أذانه أجرًا} [رواه الترمذي، وحسَّنه] وهذا محل اتفاق الحنفية والحنابلة، وقال المالكية والشافعية بجواز الإجارة على القُرَبِ مثل تعليم القرآن؛ لأنه استئجار لعمل معلوم ببدل معلوم، ولأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - زوَّج رجلاً بما معه من القرآن، وقال: {إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله} [رواه البخاري]، والأجر ليس على الصلاة بذاتها، وإنما على التفرغ والحبس والقيام بالمسجد.

6- ويجوز بالاتفاق الاستئجارُ على تعليم اللغة، والأدب، والحساب، والفقه، والحديث، وبناء المساجد؛ لأنها ليست بفرض ولا بواجب، وقد تقع قربةً تارة، وطاعة تارة، وتارة غير قربة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق