الثلاثاء، 9 أبريل 2019

الجزء الخامس عشر - الربع السابع - الأحكام الفقهية


وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا * كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئًا ۚ وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا * وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا * وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا

في بداية قصة صاحب الجنتين يتبين لنا جانب من العجب و كيف و إلي أين أوصله ذلك

نستعرض مع حضراتكم هذه الآفة
نسأل الله لنا و لكم العافية

العُجب من الآفات الخطيرة التي تصيب كثيراً من الناس، فتصرفهم عن شكر الخالق إلى شكر أنفسهم، وعن الثناء على الله بما يستحق إلى الثناء على أنفسهم بما لا يستحقون، وعن التواضع للخالق والانكسار بين يديه إلى التكبر والغرور والإدلال بالأعمال، وعن احترام الناس ومعرفة منازلهم إلى احتقارهم وجحد حقوقهم.
• والعجب هو الزهو بالنفس، واستعظام الأعمال والركون إليها، وإضافتها إلى النفس مع نسيان إضافتها إلى المُنعم سبحانه وتعالى.
• مساوئ العُجب: من مساوئ العجب أنه يحبط الأعمال الصالحة، ويخفي المحاسن، ويكسب المذام. قال الماوردي: "وأما الإعجاب فيخفي المحاسن، ويظهر المساوئ، ويكسب المذام، ويصد عن الفضائل.. وليس إلى ما يكسبه الكبر من المقت حد، ولا إلى ما ينتهي إليه العجب من الجهل غاية، حتى إنه ليطفئ من المحاسن ما انتشر، ويسلب من الفضائل ما اشتهر، وناهيك بسيئة تحبط كل حسنة، وبمذمة تهدم كل فضيلة، مع ما يثيره من حنق، ويكسبه من حقد".

حكم العجب
العجب محرم؛ لأنه نوع من الشرك.. قال شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله: "وكثيراً ما يقرن الرياء بالعجب، فالرياء من باب الإشراك بالخلق، والعجب من باب الإشراك بالنفس، وهذا حال المستكبر؛ فالمرائي لا يحقق قوله {إِيَّاكَ نَعْبُدُ}، والمعجب لا يحقق قوله: {وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، فمن حقق قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ } خرج عن الرياء، ومن حقق قوله: {وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} خرج عن الإعجاب". وقال أبو حامد الغزالي رحمه الله: "اعلم أن العجب مذموم في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، 
قال الله تعالى: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا} [سورة التوبة: 25]، ذكر ذلك في معرض الإنكار. 
وقال عز وجل: {وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا} [سورة الحشر: 2]، فرد على الكفار في إعجابهم بحصونهم وشوكتهم.
 وقال تعالى: {وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [سورة الكهف: 104]، وهذا أيضاً يرجع إلى العجب بالعمل، وقد يعجب الإنسان بالعمل وهو مخطئ فيه، كما يعجب بعمل هو مصيب فيه.

ومن السنة النبوية كذلك
قول النبي صلى الله عليه وسلم: «بينما رجل يمشي في حلةٍ تعجبه نفسه، مرجل جمته، إذ خسف الله به فهو يتجلجل إلى يوم القيامة» [رواه البخاري].
• وقال صلى الله عليه وسلم: «ثلاث مهلكات: شحُّ مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه» [أخرجه البيهقي وحسنه الألباني].
قال القرطبي: "إعجاب المرء بنفسه هو ملاحظته لها بعين الكمال، مع نسيان نعمة الله، فإن احتقر غيره مع ذلك فهو الكبر المذموم".
وقوله: «إذ خسف الله به» يدل على سرعة وقوع ذلك به،
وقوله: «فهو يتجلجل إلى يوم القيامة»
وفي رواية مسلم: «فهو يتجلجل في الأرض حتى تقوم الساعة».
 قال ابن فارس: "التجلجل: أي يسوخ في الأرض مع اضطراب شديد، ويندفع من شق إلى شق، فالمعنى يتجلجل في الأرض أي ينزل فيها مضطرباً متدافعاً".

من اقوال السلف:
قال ابن مسعود رضي الله عنه: "الهلاك في اثنين: القنوط والعجب". قال أبو حامد: "وإنما جمع بينهما؛ لأن السعادة لا تنال إلا بالسعي والطلب والجد والتشمير، والقانط لا يسعى ولا يطلب، والمعجب يعتقد أنه قد سعد وقد ظفر بمراده فلا يسعى". وقال مطرف: "لأن أبيت نائماً وأصبح نادماً أحب إليّ من أن أبيت قائماً وأصبح معجباً". وكان بشر بن منصور من الذين إذا رءُوا ذُكِرَ الله تعالى والدار الآخرة، لمواظبته على العبادة، فأطال الصلاة يوماً، ورجل خلفه ينتظر، ففطن له بشر، فلما انصرف عن الصلاة قال له: "لا يعجبنك ما رأيت مني؛ فإن إبليس لعنه الله قد عبد الله مع الملائكة مدة طويلة، ثم صار إلى ما صار إليه". وقيل لعائشة رضي الله عنها: "متى يكون الرجل مسيئاً؟"، قالت: "إذا ظن أنه محسن". وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "الإعجاب ضدّ الصواب، وآفة الألباب". وقيل: النعمة التي لا يحسد صاحبها عليها: التواضع، والبلاء الذي لا يرحم صاحبه منه: العجب.

العجب والكفر:
وربما طغت آفة العجب على المرء حتى وصل به الأمر إلى الكفر والخروج من ملة الإسلام كما هو الحال مع إبليس اللعين حيث أعجب بأصله وعبادته، ودفعه ذلك إلى الكبر وعصيان أمر الرب تعالى بالسجود لآدم عليه السلام. وقال الأحنف بن قيس: "عجبت لمن جرى في مجرى البول مرتين كيف يتكبر؟!"

حكم قول ماشاء الله لاقوة إلا بالله لرفع العين

ان العين حق لا خلاف بين أهل العلم من أهل السنه والجماعة أن الاصابة بالعين حق وهى شيء ثابت موجود .

روى البخاري ومسلم وابو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم قال (العين حق ) .

وفي رواية لمسلم عن ابن عباس مرفوعا : لو كان شيء سابق القدر لسبقته العين واذا استغسلتم فاغتسلوا "

قال النووي في شرحه لصحيح مسلم : ( في الحديث اثبات القدر وصحة أمر العين وأنها قوية الضرر).

قال ابن القيم ( هي سهام تخرج من نفس الحاسد أو العائن نحو المحسود والمعين ،تهبه تارة و تخطئه تارة ،فان صادفته مكشوفا لا وقاية عليه اثرت فيه ولا بد وان صادفته حذراً شاكي السلاح لا منفد فيه للسهام لم تؤثر فيه ، و ربما ردت السهام الي صاحبها ) زاد المعاد
الوقاية من العين بقول المعجب بالشيء : ما شاء الله ،أو ما شاء الله لا قوة الا بالله ،أو ما شاء الله تبارك الله (بدعه ).

انتشر بين أهل هذا العصر أن أحدهم اذا رأي ما يعجبه من أخيه وأراد رفع العين عما أعجبه قال ما شاء الله تبارك الله " أو قال " ما شاء الله لا قوة الا بالله " ظاناً أنه ذكر يقال عند الاعجاب بالشيء لدفع العين عنه ولذلك اذا أبديت لأحدهم اعجابك بماله أو بيته أو ولده أو لباسه أو بستانه ولم تقل ما شاء الله ، ربما وجد عليك خشية أن يصيبه من عينك ما يتلف ماله أو ولده.

فهل هذا الذكر في مثل هذا الموطن مشروع أم هو بدعة ؟
ان هذا الذكر في مثل هذا الموطن بدعة لأن الذكر عبادة والعبادة يشترط لقبولها شرطان بعد التوحيد :
1_ الأخلاص
2_ المتابعة

فالمتابعة هي الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم فعلا وتركا , ففعل ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم سنة , وترك ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم بدعة .

والدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد "

وفي رواية لمسم " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد"

فمن كان متابعا لرسول الله صلي الله عليه وسلم في العبادات فلا بد من أن يتابعه فيها في الزمان والمكان والسبب والهيئة والصفة والعدد, فلو قال ما شاء الله لدفع العين لم يتابع رسول الله صلي الله عليه وسلم في السبب فمتابعته في السبب لا تكون الا بالذكر الذي أمر به النبي صلي الله عليه وسلم عند وقوع ذلك السبب وهو "قول بارك الله لك أو عليك".

فلأصل في الأذكار التوقيف كما هو مقرر فلا يجوز لأحد أن يحسن هذا الذكر البدعي بعقله أو بالتقليد من غير تحقيق بالرجوع الى الدليل من الكتاب والسنة وعمل الصحابة رضي الله عنهم فان التحسين والتقبيح العقلي انما هو مذهب المعتزلة.

فما هو الذكر المشروع لدفع العين؟
لقد بين النبي صلي الله عليه وسلم ذلك أتم البيان كما ثبت ذلك في موطا مالك رضي الله عنه عن محمد ابن ابي امامة بن سهل بن حنيف أنه سمع أباه يقول اغتسل أبي سهل بن حنيف بالخرار , فنزع جبة كانت عليه وعامر بن ربيعة ينظر ــ وكان سهل رجلا أبيض حسن الجلد ــ فقال عامر : ما رأيت كاليوم ولا جلد عذراء , قال : فوعك سهل مكانه واشتد وعكه فأتى رسول الله صلي الله صلي الله عليه وسلم فأخبره سهل بالذي كان من أمر عامر فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم " علام يقتل أحدكم أخاه , ألا برّكت ان العين حق توضأ له " فتوضأ له , فراح سهل مع رسول الله ليس به بأس.

ففي قوله صلي الله عليه وسلم " ألا برّكت " بيان لما يقول من نظر الي شيء فأعجبه , فخشي العين عليه .

وفسرت رواية " ألا برّكت " بما أخرجه معمر الأزدي في جامعه بسند صحيح أن النبي صلي الله عليه وسلم قال " اذا رأى أحدكم منه ما يعجبه فليدع له بالبركة "

وجاء عند ابن ماجه أن النبي صلي الله عليه وسلم قال " اذا رأى أحدكم من أخيه ما يعجبه فليدع له بالبركة "

وكذلك أخرجه أحمد في مسنده وابن حبان والبيهقي والطبراني والحاكم في مستدركه وابن أبي عاصم في "الاحاد والمثاني " من طرق كلهم عن أبي امامة بن سهل وكلهم اجتمعوا على قوله صلي الله عليه وسلم للذي أصاب بعينه وهو عامر بن ربيعة " ألا برّكت " ومعناه ما جاء في الرواية الأخرى "اذا رأى منه ما يعجبه فليدع له بالبركة "
قال ابن عبد البر في " التمهيد " والتبريك أن يقول : تبارك الله أحسن الخالقين اللهم بارك فيه "

قال ابن القيم : أمر العائن أن يقول" اللهم بارك عليه " ليدفع تلك الكيفية الخبيثة بالدعاء الذي هو احسان الى المعين فان دواء الشيء بضده .

فالذكر المشروع لدفع العين هو الذكر الذي دلت عليه ظاهر سنة رسول الله صلي الله عليه وسلم في الروايات المفسرة وفيها " فليدع له بالبركة كما ذكر ابن القيم وابن عبد البر في تفسير ذلك.

فقالوا : يقول اللهم بارك فيه أو عليه .
(معنى قوله ألا برّكت)
فالبركة : بمعنى النماء والزيادة .
والتبريك : هو الدعاء بالبركة .

قال السيوطي في الديباج " البركة : طلب الزيادة في الخير والكرامة , وقيل التطهير والتزكية , وقيل الثبات , من بركت الابل . أي ثبتت علي الأرض .

فمعنى قوله صلي الله عليه وسلم " ألا بركت " يفسرها قوله صلي الله عليه وسلم " فليدع له بالبركة " وذلك بأن يقول اللهم بارك فيه أو عليه .

وليس معنى قول النبي صلي الله عليه وسلم " ألا بركت " بأن يقول تبارك الله فهذا لا يصح لأن معنى تبارك الله هو تمجيده وتعظيمه و أن هذا فيه تقديس لله فلا علاقة له بالدعاء للمعين بالبركة.

وبعض الناس إذا أعجبه شيء قال " ما شاء الله لا قوة إلا بالله " ! ويستدلون لذلك بالآية من سورة الكهف وبحديث .

أما الآية وهي قوله تعالى { ولولا إذ دخلتَ جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله } : فلا تصلح للاستدلال ، إذ لا علاقة للحسد بالموضوع ، وإنما أهلك الله جنتيه بسبب كفره وطغيانه .

وأما الحديث : فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من رأى شيئاً فأعجبه فقال : ما شاء الله لا قوة إلا بالله : لم تصبه العين " . والحديث ضعيف جدّاً !

قال الهيثمي : رواه البزار من رواية أبي بكر الهذلي ، وهو ضعيف جدّاً . " مجمع الزوائد "

و لكن قول ما شاء الله لا قوة إلا بالله
يكون إذا رأى ما يعجبه من نفسه و من ماله يقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، كما جاء في قصة صاحب الجنتين (وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ)
 أي: هذا بفضل الله وليس من حيلتي ولا من قوتي؛ حتى لا يصيبه العجب والغرور.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق