أحكام الوكالة
الآية الأولى:
﴿وَكَذَٰلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ ۚ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ ۖ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۚ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَٰذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَىٰ طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف الآية: 19].
يعتبر عقد الوكالة من عقود التفويضات التي تتضمن تفويض الغير، وإطلاق يده في التصرف لعمل كان ممنوعًا عليه من قبل، ومثل عقد الوكالة: الطلاق، والإيصاء، والإذن للصبي بالتجارة.
ولا شك أن الشريعة الإسلامية السمحة كلها عدل ورحمة، ومن رحمة الله تعالى بالعباد أن أجاز من المعاملات عقد الوكالة الذي كانت الحاجة داعية إلى جوازه، حيث إن الإنسان بطبعه لا يستطيع أن يعمل بنفسه في أمور كثيرة.
التعريف بالعقد: -
العقد لغة:
مصدر عقد الشيء يعقده عقدًا وتعاقدًا، فانعقد وتعقد، إذا شده، فانشد، فهو نقيض الحل، وهو في الأصل للحبل ونحوه من المحسوسات، ثم أطلق في أنواع العقود من البيوع والمواثيق وغيرها.
- العقد اصطلاحًا:
مرتبط ارتباطًا وثيقًا بمعناه اللغوي، حيث له تعريف خاص وعام، أما الخاص فهو: ارتباط إيجاب بقبول على وجه مشروع يثبت أثره في محله، وأما العام فهو: ما ألزم به المرء نفسه، ولا يشترط في هذا التعريف وجود طرفين في العقد.
التعريف بالوكالة: -
الوكالة لغة: الوَكالة والوِكالة بفتح الواو وكسرها، لها معان كثيرة، منها الحفظ، والتفويض تقول: وكلت فلان إذا استحفظته، ووكلت الأمر إليه: بالتخفيف إذا فوضته إليه.
الوكالة اصطلاحًا: عرفت بعدة تعريفات، منها أنها: عقد يتم فيه تفويض شخص ما له فعله مما يقبل النيابة إلى غيره ليفعله في حياته، وقيل بأنها: استنابة جائز التصرف مثلَه فيما تدخله النيابة من حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين.
مشروعية الوكالة: أجمع فقهاء الأمة الإسلامية في كل العصور على مشروعية الوكالة معتمدين في ذلك على: القرآن الكريم، والسنة النبوية.
القرآن الكريم:
المعنى الأول: التفويض: والذي يدل على أن التفويض من معاني الوكالة، دلالة الكلمات التي جاءت في أسلوب أمر في قول الله تعالى: {فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَٰذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَىٰ طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا} [الكهف:19].
المعنى الثاني: الحفظ: وكذلك مما دل على أن الحفظ من معاني الوكالة قول يوسف عليه السلام: {إني حفيظ} في قول الله عز وجل: {قالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف:55].
السنة النبوية: عن جابر بن عبد الله أنه رضي الله عنه يحدث قال: أردت الخروج إلى خيبر فأتيت رسول صلى الله عليه وسلم، فسلمت عليه، وقلت له: إني أردت الخروج إلى خيبر، فقال: {إذا أتيت وكيلي بخيبر فخذ منه خمسة عشر وسقًا، فإن ابتغى منك آية، فضع يدك على ترقوته} (أخرجه أبو داود: 3632، واللفظ له، والبيهقي في السنن الصغرى: 2089).
المعنى العام للحديث: لقد دل هذا الحديث على جواز الوكالة، حين وكل النبي صلى الله عليه وسلم من يجمع له الأموال من البلاد التي فتحت عنوة، وصالح أهلها عليها، ومنها خيبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجابر حينما أراد الخروج إلى خيبر: {خذ من وكيلي خمسة عشر وسقا، فإن طلب منك آية -أي علامة أو دليلاً على الأخذ منه- فضع يدك على ترقوته}.
- من مفردات الحديث: - قوله صلى الله عليه وسلم: {خمسة عشر وسقًا}، والوسق: بفتح الواو على الأفصح، والجمع أوسق وأوساق، ووسوق ، والوسق: مكيلة معلومة، تقدر بستون صاعًا.. والصاع: أربعة أمداد، والمد: هو ضرب من المكاييل، يساوي ثمانية عشر لترًا تقريبًا .
- وقوله صلى الله عليه وسلم: «فضع يدك على ترقوته». الترقوة: عظمة مشرفة بين ثغرة النحر والعاتق في أعلى الصدر وهما ترقوتان. والجمع: تراقٍ.. وبلغت الروح التراقي: كناية عن مشارفة الموت.
- ومن الأحكام التي تؤخذ من الحديث: - اختلاف العلماء في وجوب الدفع من العامل لرسول أو إمام، وذلك على قولين:
القول الأول: قال بعض العلماء: لا يجب الدفع إلى الرسول؛ لاحتمال أن ينكر من أرسله.
القول الثاني: قال بعض آخر: يجب التصديق بأمارة ونحوها ويدفع إلى الرسول، لكن له الامتناع من الدفع حتى يشهد عليه بالقبض. - استحباب اتخاذ علامة بين الوكيل وموكله؛ لأنها أسهل من الكتابة، وقد يكون أحدهما ممن لا يحسن الكتابة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى لأن الخط قد يشتبه. - ليست الوكالة خاصة بالمسافر أو المريض؛ بل إنها تقبل من الصحيح المقيم.
حكم الوكالة:
هي عقد جائز من الطرفين، ولكل منهما أن يتخلى عنها متى شاء، إلا إذا كان في ذلك ضرر على كل منهما، فحينئذ تكون عقدًا لازمًا في حق أحدهما.. ولأهمية هذا العقد كان على الإنسان أن يعلم أحكام الفقه قبل أن يوقع وكالة عامة أو خاصة، سواء كانت قابلة للعزل أو غير قابلة للعزل.
أركان الوكالة:
اعلم أن الوكالة عند جمهور الفقهاء لها ثلاثة أركان، وهي: العاقدان: (الموكل والوكيل)، والمعقود عليه: (محل الوكالة)، والصيغة: (الإيجاب والقبول)، وعند الحنفية أنها الصيغة فقط. فإذا قلنا: إن الوكالة عقد في أن ينيب الإنسان غيره في أمر يقبل النيابة.. فيفهم من الأمر، أن الذي لا تقبل فيه النيابة لا تصح فيه الوكالة.. ولا غرو أن هذه الجزئية تحتاج إلى بيان أي الأعمال التي تجوز فيها الوكالة. وتفصيل ذلك يكون كالتالي
أفعال تقبل الوكالة (النيابة) مطلقًا، أي: في حالتي العذر وعدمه، وهي: الأفعال المالية المحضة، مثل: تفريق الزكاة، والصدقات، والكفارات، ولحوم الأضاحي، وذبح النسك، وغيرها.
أفعال تقبل الوكالة (النيابة) بشرط العذر، وهي الأفعال التي تكون بدنية من ناحية، ومالية من ناحية أخرى، مثل: الحج والعمرة، وفيها تفصيل يطول ذكره.
أفعال لا تقبل الوكالة (النيابة) مطلقًا، أي: سواء أكان هناك عذر أم لا، وهي الأفعال الشخصية المحضة، كالأعمال القلبية، مثل: الإيمان بالله تعالى، ورسله، واليوم الآخر مثلا، وكذلك الأفعال البدنية المحضة، مثل: الصلاة، والصوم، والطهارة من الحدث، فهذه لا تجوز الوكالة (النيابة) فيها، سواء أكان الموكل قادرًا أم عاجًزا.
أمور تتعلق بحقوق الآدميين، وهذه منها: ما لا تقبل فيها الوكالة (النيابة) كالتي لها تعلق بشخص الفاعل؛ ومثالها: الحدود والقصاص، ومنها ما تقبل فيها الوكالة (النيابة) ومثالها: الوكالة التي لها تعلق بفعل الفاعل، من دفع خصومة عنه، أو أن يقوم عنه في الشراء والبيع... إلخ.
شروط الوكالة:
أن تكون الوكالة بشيء معين معلوم.
أن يكون الوكيل والموكل جائزي التصرف.
أن يكون التوكيل فيما تدخله النيابة.
أن يكون الوكيل معينًا.
أن يكون الوكيل أمينًا.
شروط الموكل:
بمعنى أن يكون الموكل مالكا للتصرف الذي يوكل فيه، لأن الوكالة يجب أن تنطلق من أن الموكل يملك موضوع الوكالة، فإذا لم يكن يملكها فلا تصح الوكالة حينئذ، لذلك نجد أن فاقدي الأهلية لا تصح وكالتهم، مثل: المجنون، والصبي غير المميز، بخلاف الصبي المميز، فصحة وكالته متوقفة على ما يعود عليه من النفع، أما إذا كانت الوكالة في مواضيع تضره، فهنا لا تجوز.
شروط الوكيل: وهي أن يكون الوكيل عاقلاً.. فلو كان مجنونًا أو معتوهًا أو صبيًا غير مميز فلا تصح وكالته، بينما الصبي المميز عند السادة الأحناف توكيله جائز.
شروط الموكل فيه: وشروط الموكل فيه في موضوع الوكالة يجب أن يكون معلومًا تمامًا، لكن يتساهل فيما كانت جهالته يسيرة، بخلاف ما إذا كانت جهالته فاحشة، كالعمل في المخدرات مثلاً... فلا تجوز الوكالة في هذه الصورة. أنواع الوكالة: ومن أنواعها: وكالة منجزة، ووكالة معلقة على شرط، ووكالة معلقة على زمن مستقبلي، وقد تكون وكالة مؤقتة، وذلك لوجود وكالة معينة في عمل معين، ووقت معين.
موضوعات الوكالة: تكون موضوعات الوكالة في الأمور التالية: البيع، والشراء، وإثبات الدين، وإثبات العين، والإعارة، والخصومة، والتقاضي، والصلح، والهبة، والصدقة، والرهن... إلخ.
ضابط الوكالة:
وهو: أن كل عقد جاز أن يعقده الإنسان بنفسه، جاز أن يوكل فيه غيره... ومثاله: رمي الجمار في الحج، وتأدية الزكاة، وهذه أمور تتعلق بأفعال الموكل، ومتى ما دفعها الموكل إلى إنسان يثق به جاز ذلك، أما الوكالة بمحرم كالقتل مثلا، فلا تصح، وذلك لعدم امتلاك الموكل التصرف بها. فإذا قلنا: إن الموكل يجوز له أن يوكل من يثق به في عمل جائز.. فهل للوكيل أن يوكل غيره فيما أسند إليه نيابة عن الموكل؟ مع أن الموكل كان يثق في الوكيل نفسه، ولم يثق في غيره؟ وهذه المسألة تناولها الفقهاء في حالات ثلاثة، إليك بيانها:
الحالة الأولى: أن ينهَى الموكل وكيله عن التوكيل، والحال هذه: لا يجوز للوكيل أن يوكل غيره.
الحالة الثانية: أن يأذن الموكل لوكيله في التوكيل، والحال هذه: يجوز للوكيل أن يوكل غيره.
الحالة الثالثة: أن يجعل الموكل الوكالة مطلقة، وتلك الحالة فيها تفصيل يطول بيانه في هذا الموضع، ومن يرد الاستزادة في هذه الحالة فلينظرها في مطولات كتب الفقه.
الوكالة بالتبرع أو بالأجرة: تصح الوكالة بالتبرع، وكذلك بالأجرة.. فإن كانت الوكالة تبرعًا فهي خدمة يؤديها الوكيل، والحال هذه، لا يلزم الوكيل الإتمام، وإنما يمكنه الاعتذار، وإن كانت الوكالة مأجورة، فالأمر هنا ملزم بالنسبة للوكيل، ومن ثم لا يحق له أن يعزل نفسه، إلا بعد أن ينجز المهمة التي وكل بها. وقد اتفق الفقهاء على صحة الوكالة في هاتين الحالتين؛ لثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.. ودليل ما كان تبرعا ويعبر عنه بأنه بلا جعل هو: أنه صلى الله عليه وسلم قد وكل عروة بن الجعد في شراء شاة (أخرجه البخاري: 3642)، وأما ما كان بجعل: فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث عماله لقبض الصدقات، ويجعل لهم جعلا (أخرجه البخاري: 1496).
انتهاء الوكالة بموت أحد المتعاقدين: بمعنى إذا مات الوكيل أو مات الموكل تنتهي الوكالة؛ لأنها تعتمد على الحياة، فإذا انتفت الحياة انتفت صحتها، وذلك لانتفاء ما تعتمد عليه، وهو أهلية التصرف.
***************************************************************
بناء القبور في المساجد
الآية الثانية:
﴿وكذلك أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ ۖ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا ۖ رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ ۚ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا﴾ [الكهف الآية: 21]
أ-حكم بناء المساجد على القبور.
ب-نشأة بناء المساجد على القبور وأول من بنى المشاهد.
أ-حكم بناء المساجد على القبور:
يحاول كثير من المبتدعة لي أعناق النصوص ليفسدوا على العامة دينهم ويوقعوهم في حبائل الشرك والضلال، ومن ذلك أنهم يصورون للعامة أن من تمام عمارة المساجد بناءها على القبور أو بناء القبور فيها، لذلك رأيت أن من تمام هذا البحث أن أتطرق إلى هذا الموضوع بمبحث مستقل أبيّن فيه حكم بناء المساجد على القبور أو بناء القبور في المساجد أبين فيها القول الحق في سرد جملة من أدلته، بالإضافة إلى استعراض أدلة المخالفين، والرد عليها مبتدئاً ببيان حكم بناء المساجد على القبور.
فبناء المساجد على القبور غير سائغ ولا يجوز، بل اتفق أئمة المسلمين على أنه لا يجوز بناء المساجد على القبور، وإنما خالف هذا الاتفاق من لا يعتد بقولهم من أهل البدع والضلال. وقد تضافرت الأدلة على تحريم هذا العمل لما يفضي إليه من الشرك.
وهذا هو قول عامة أهل العلم، بل قال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله-: "اتفق الأئمة أنه لا يُبنى مسجد على قبر".
وقال في موضع آخر: "قال علماؤنا: لا يجوز بناء المسجد على القبور"،
وقال في موضع آخر: "ليس لأحد أن يصلي في المساجد التي بنيت على القبور، ولو لم يقصد الصلاة عندها، فلا يفعل ذلك لا اتفاقاً ولا ابتغاء؛ لما في ذلك من التشبه بالمشركين، والذريعة إلى الشرك، ووجوب التنبيه عليه وعلى غيره، كما قد نص على ذلك أئمة الإسلام من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم؛ منهم من صرح بالتحريم، ومنهم من أطلق الكراهة، سواء في ذلك الحنفية ، أو المالكية ، أو الشافعية ، أو الحنابلة .
قال السرخسي الحنفي: "أما المقبرة" فقيل: إنما نهي عن ذلك لما فيه من التشبه باليهود.
كما قال صلى الله عليه وسلم: "لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، فلا تتخذوا قبري بعدي مسجداً"
قال العيني الحنفي من هذا الحديث: "هذا من باب قطع الذريعة لئلا يعبد قبره الجهال، كما فعلت اليهود والنصارى بقبور أنبيائهم"
وقال الإمام مالك رحمه الله: "أكره تجصيص القبور والبناء عليها وهذه الحجارة التي يبنى عليها".
وقال القرطبي المالكي: "اتخاذ المساجد على القبور والصلاة فيها والبناء عليها إلى غير ذلك مما تضمنته السنة عن النهي عنه ممنوع لا يجوز".
وقال الحطاب المالكي: "ويكره البناء على القبر والتحويز عليه، وإن قصد المباهاة بالبناء عليه... فذلك حرام"، ولا شك أن بناء المساجد عليها من أعظم أنواع المباهاة والتعظيم.
وقال الباجي المالكي تعليقاً على قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" قال: يريد أنه أراد عذاب قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وإنما قال صلى الله عليه وسلم ذلك في مرضه تحذيراً مما صنعه اليهود والنصارى من ذلك".
والمالكية –رحمهم الله- إنما أجازوا بناء المساجد على المقبر إذا خرجت عن كونها مقبرته كالمقابر العافية والمندرسة والمتغيرة. قالوا: لأنها تصبح والحالة هذه مثل غيرها من الأرضين
وقال الإمام الشافعي –رحمه الله-: "وأكره أن يبنى على القبر مسجداً ويصلى عليه وهو مستوى أو يصلى إليه. وأكره هذا للسنة والآثار، وأنه كره –والله تعالى أعلم- أن يعظم أحد من المسلمين، يعني يتخذ قبره مسجداً، ولم تؤمن في ذلك الفتنة والضلال على من يأتي بعده"
وقال النووي الشافعي: "اتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على كراهة بناء مسجد على القبر سواء كان الميت مشهوراً بالصلاح أو غيره"
وقال البُهوتي الحنبلي: "ويحرم اتخاذ المسجد على القبر وبينها.. وتتعين إزالتها إذا وضعت على القبور أو بينها" ، ونصوص الحنابلة في هذا كثيرة.
وقد جاءت الأدلة الصحيحة الصريحة متضافرة على تحريم بناء المساجد على القبور ومنها:
أولاً: عن عائشة وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم قالا: لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصه على وجهه، فإذا اغتم كشفها عن وجهه فقال –وهو كذلك-: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر مما صنعوا
ثانياً: ما روته عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي لم يقم منه: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" لولا ذلك أبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً .
ثالثاً: ما روته عائشة أن أم حبيبة وأم سلمة –رضي الله عنهما- ذكرتا كنسية رأيتها بالحبشة فيها تصاوير، فذكرتا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تيك الصورة فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة"
رابعاً: ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"
خامساً: ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"
سادساً: ما رواه جندب بن عبد الله البجلي قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم -قبل أن يموت بخمس- وهو يقول: "إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله تعالى قد اتخذني خليلاً، كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً. ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد. ألا فلا تتخذوا القبور مساجد. إني أنهاكم عن ذلك"
سابعاً: ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج"
ثامناً: عن عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد. اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"
والأحاديث في هذا الباب كثيرة وهي تدل دلالة واضحة وصريحة على تحريم بناء المساجد على القبور.
وقد نقل عن بعض السلف أنهم لم يكرهوا الصلاة في المقبرة، والذي يظهر لي أن أكثرهم إنما أجازوا وصححوا الصلاة على الجنازة في المقبرة دون الصلاة ذات الركوع والسجود، ولذلك تجدهم استدلوا على قولهم بما رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه: "أن امرأة سوداء (أو شابًا) كانت تقم المسجد ففقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عنها (أو عنه) فقالوا: مات. قال: "أفلا كنتم آذنتموني"، قال: فكأنهم صغروا أمرها (أو أمره) فقال: "دلوني على قبرها" فدلوه. فصلى عليها. ثم قال: "إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله عز وجل ينورها لهم بصلاتي عليهم" واللفظ لمسلم.
وبما رواه الشيخان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قبر رطب فصلى عليه وصفّوا خلفه وكبر أربعاً" وهذا لفظ مسلم.
وبما رواه مسلم عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قبر
والصلاة على الميت تختلف عن الصلوات الخمس المفروضة، فليس فيها ركوع ولا سجود، وإنما هي دعاء للميت.
قال الشنقيطي –رحمه الله-: "هي من جنس الدعاء للأموات عند المرور بالقبور، ولا يفيد شيء من تلك الأدلة على جواز صلاة الفريضة أو النافلة التي هي صلاة ذات ركوع وسجود، ويؤيده تحذير عمر لأنس من الصلاة عند القبر"
وقد روى البخاري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى أنس بن مالك رضي الله عنه يصلي عند قبر فقال: القبر القبر!!" .
وحتى من نقل عنه جواز الصلاة في المقابر لم ينقل عنه أنه أجاز بناء المساجد على القبور، وليست هذه المسألة عندهم هي مسألة الصلاة في المقبرة العامة، فإن منهم من يعلل النهي عنها بنجاسة التراب، ومنهم من يعلله بالتشبه بالمشركين.
وأما المساجد المبنية على القبور، فقد نهوا عنها معللين بخوف الفتنة بتعظيم المخلوق، كما ذكر ذلك الشافعي وغيره من سائر أئمة المسلمين .
وإباحة بناء المساجد على القبور والصلاة فيها إنما هو رأي أهل الضلال والبدع المخالفين لطريقة أهل السنة والجماعة، وإليك بعض الأدلة التي تشبث بها بعض أهل الضلال، وحاولوا تطويعها لمعتقداتهم وآرائهم.
أدلة المخالفين الذين سوغوا بناء المساجد على القبور: استدل أصحاب هذا الاتجاه بأدلة لا تؤيد توجههم، وإنما حاولوا –كما ذكرت سابقاً- لي أعناق النصوص ليطوعوها على حسب آرائهم. وسأستعرض شيئاً من أدلتهم مع مناقشتها:
أولاً: استدلوا بقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا﴾ [الآية: 21] قالوا: الآية تدل على جواز بناء المساجد على القبور.
مناقشة الدليل:
قال الشيخ الشنقيطي رداً على من استدل بهذا الدليل: إن ما يزعمه بعض من لا علم عنده من أن الكتاب والسنة دلا على اتخاذ القبور مساجد في غاية السقوط. وقائله أجهل خلق الله.
أما الجواب عن الاستدلال بهذه الآية فهو أن تقول: من هؤلاء القوم الذين قالوا: لنتخذن عليهم مسجداً؟ أهم من يقتدى بهم! أم هم كفرة لا يجوز الاقتداء بهم؟
وهذا مما اختلف في قائلي هذه المقالة هل هم الذين على دين الفتية أم هم طائفة كافرة؟ فعلى القول بأنهم كفار فلا إشكال في أن فعلهم ليس بحجة.
قال الشنقيطي: وعلى القول بأنهم مسلمون.. فلا يخفى على أدنى عاقل أن قول قوم من المسلمين في القرون الماضية: إنهم سيفعلون كذا لا يعارض به النصوص الصحيحة الصريحة عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من طمس الله بصيرته، فقابل قولهم: "لنتخذن عليهم مسجداً" بقوله صلى الله عليه وسلم في مرض موته قبل انتقاله إلى الرفيق الأعلى بخمس: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يظهر لك أن من اتبع هؤلاء القوم في اتخاذهم المسجد على القبور ملعون على لسان الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم
ثانياً: أن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة كان مقبرة للمشركين:
قالوا: فجعل النبي صلى الله عليه وسلم لهذه المقبرة مسجداً يدل على جواز اتخاذ القبور مساجد.
مناقشة الدليل:
إن الاستدلال بهذا الحديث على جواز بناء المساجد على القبور ظاهر البطلان، فإن نص الحديث كما أورد الإمام البخاري عن أنس قال: "قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فنـزل أعلى المدينة في حي يقال لهم: بنو عمرو بن عوف، فأقام النبي صلى الله عليه وسلم فيهم أربع عشرة ليلة، ثم أرسل إلى بني النجار فجاؤوا متقلدي السيوف، كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم على راحلته، وأبو بكر ردفه وملأ بني النجار حوله حتى ألقى بفناء أبي أيوب، وكان يحب أن يصلي حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم، وأنه أمر ببناء المسجد، فأرسل إلى ملأ من بني النجار فقال: يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا. قالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله.
فقال أنس: فكان فيه ما أقول لكم: قبور المشركين، وفيه خرب، وفيه نخل. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقبور المشركين فنبشت، ثم بالخرب فسويّت، وبالنخل فقطع. فصفوا النخل قبلة المسجد وجعلوا عضادتيه الحجارة. وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون والنبي صلى الله عليه وسلم معهم وهو يقول:
اللهم لا خير إلا خير الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة
قال ابن حجر: أما الكفرة فإنه لا حرج في نبش قبورهم إذ لا حرج في إهانتهم، ولا يلزم من اتخاذ المساجد في أمكنتها تعظيم، فعرف بذلك ألا تعارض بين فعله في نبش قبور المشركين واتخاذ مسجده مكانها وبين لعنه صلى الله عليه وسلم من اتخذ قبور الأنبياء مساجد كما تبين من الفرق
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم بالقبور فنبشت، خرج عن أن يكون مقبرة، فصار مسجداً
ثالثاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في المقبرة وصلى أصحابه خلفه، قالوا: فهذا نص على جواز الصلاة في المقبرة مما يدل على جواز اتخاذها مساجد.
مناقشة الدليل:
إن هذا الدليل الذي ذكروه إنما هو في الصلاة على الميت، والصلاة على الميت إنما هي دعاء للميت، فهي من جنس الدعاء للأموات عند المرور بالقبور، لا تفيد جواز صلاة الفريضة أو النافلة التي هي ذات ركوع وسجود، ولم يرد شيء يدل على جواز الصلاة ذات الركوع والسجود إلى القبر أو عند القبر بل العكس.
أما الصلاة على الميت فهي التي تعارضت فيها الأدلة.
قال الشنقيطي –رحمه الله-: والمقرر في الأصول أن الدليل الدال على النهي مقدم على الدليل الدال على الجواز، وللمخالف أن يقول: لا يتعارض عام وخاص، فحديث "لا تصلوا إلى القبور" عام في ذات الركوع والسجود والصلاة على الميت. والأحاديث الثابتة في الصلاة على قبر الميت خاصة، والخاص يقضى به على العام.
فأظهر الأقوال بحسب الصناعة الأصولية: منع الصلاة ذات الركوع والسجود عند القبر وإليه مطلقاً، للعنه صلى الله عليه وسلم لمتخذي القبور مساجد، وغير ذلك من الأدلة. وأن الصلاة على قبر الميت التي هي للدعاء له الخالية من الركوع والسجود تصح لفعله صلى الله عليه وسلم الثابت في الصحيح من حديث أبي هريرة وابن عباس وأنس. ويومئ لهذا الجمع حديث: "لعن متخذي القبور مساجد" لأنه أماكن السجود. وصلاة الجنازة لا سجود فيها، فموضعها ليس بمسجد لغة لأنه ليس موضع سجود
رابعاً: أن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة يوجد فيه قبر الرسول صلى الله عليه وسلم وقبرا صاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
مناقشة الدليل:
إن النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه لم يُدفنوا في المسجد بل دفن صلى الله عليه وسلم في بيته في حجرة عائشة رضي الله عنها، فدفن معه صاحباه ولم تكن حجرة عائشة داخل المسجد، بل كانت حجرتها وسائر حجر أزواجه صلى الله عليه وسلم من جهة شرقي المسجد وقبلته لم تكن داخلة في مسجده، وإنما كان يخرج من الحجرة إلى المسجد، ولكن في خلافة الوليد بن عبدالملك وسع المسجد وكان يحب عمارة المساجد وعمّر المسجد الحرام، ومسجد دمشق وغيرهما، فأمر نائبه عمر بن عبدالعزيز أن يشتري الحجر من أصحابها الذين ورثوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ويزيدها في المسجد، فمن حينئذ دخلت الحجر في المسجد، وذلك بعد موت عامة الصحابة، ولم يكن بقي في المدينة منهم أحد، فلهذا لم يتكلم فيما فعله الوليد هل هو جائز أو مكروه إلا التابعون كسعيد بن المسيب وأمثاله، الذين كرهوا فعل الوليد، وعلى كل حال فلا يجوز أن يظن أنه صار بدخول الحجرة فيه أفضل مما كان، مع أن الوليد –رحمه الله- لم يقصد دخول الحجرة فيه وإنما قصد توسيعه بإدخال حجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فدخلت فيه الحجرة ضرورة مع كراهة من كره ذلك من السلف
وبعد هذا العرض لا يبقى مجال للشك في سقوط قول المبتدعة الضالين في جواز بناء المساجد على القبور وخاصة إذا علمنا أنها بريد الشرك بالله تعالى، فإن مبدأ الشرك بالله تعالى من عبادة الصالحين وتعظيم آثارهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الشيطان يجر الناس من هذا إلى غيره، لكن هذا أقرب إلى الناس، لأنهم يعرفون الرجل الصالح وبركته ودعاءه، فيعكفون على قبره، ويقصدون ذلك منه، فتارة يسألونه، وتارة يسألون الله به، وتارة يصلون ويدعون عند قبره ظانين أن الصلاة والدعاء عند قبره أفضل منه في المساجد والبيوت، ولما كان هذا مبدأ الشرك سدّ النبي صلى الله عليه وسلم هذا الباب كما سدّ باب الشرك بالكواكب
ولذلك قال –رحمه الله-: "إن بناء المساجد على القبور ليس من دين المسلمين، بل هو منهي عنه بالنصوص الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم واتفاق أئمة الدين، بل لا يجوز اتخاذ القبور مساجد، سواء أكان ذلك ببناء المسجد عليها، أو بقصد الصلاة عندها، بل أئمة الدين متفقون على النهي عن ذلك، وأنه ليس لأحد أن يقصد الصلاة عند قبر أحد لا نبي ولا غيره نبي"
إلى أن قال رحمه الله: "وكل من قال: "إن قصد الصلاة عند قبر أحد، أو عند مسجد بني على قبر، أو مشهد، أو غير ذلك: أمر مشروع، بحيث يستحب ذلك، ويكون أفضل من الصلاة في المسجد الذي لا قبر فيه" فقد مرق من الدين وخالف إجماع المسلمين. والواجب أن يستتاب قائل هذا ومعتقده فإن تاب وإلا قتل"
ب-نشأة بناء المساجد على القبور وأول من بنى المشاهد:
لم توجد هذه الظاهرة القبيحة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في صدر الإسلام من القرون المفضلة، وإنما ظهرت هذه البدع بعد ما كثر الزنادقة وأهل البدع في المجتمع الإسلامي لصرف الناس عن دينهم وتبديل دين الإسلام، فلم توجد هذه البدع على عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم في بلاد الإسلام لا في الحجاز، ولا اليمن، ولا الشام، ولا العراق، ولا مصر، ولا خراسان، ولا المغرب، ولم يكن قد أحدث مشهد على قبر نبي، ولا صاحب، ولا أحد من أهل البيت، ولا صالح أصلاً، لأن الإسلام كان آنذاك ما يزال في قوته وعنفوانه، بل عامة هذه المشاهد محدثه بعد ذلك، وكان ظهورها وانتشارها حين ضعفت خلافة بني العباس، وتفرقت الأمة، وكثر فيهم الزنادقة الملبسون على المسلمين، وفشت فيهم كلمة أهل البدع، وذلك من دولة المقتدر في أواخر المائة الثالثة، فإنه إذ ذاك ظهرت "القرامطة العبيدية القداحية" بأرض المشرق والمغرب، وكان بها زنادقة كفار مقصودهم تبديل دين الإسلام، ثم جاؤوا بعد ذلك إلى أرض مصر، وقريباً من ذلك ظهر بنو بويه، وكان في كثير منهم زندقة وبدع قوية، وفي دولتهم قوي بنو عبيد القداح بأرض مصر، وفي دولتهم أظهر المشهد المنسوب إلى علي رضي الله عنه بناحية النجف، وإلا قبل ذلك لم يكن أحد يقول: إن قبر علي رضي الله عنه هناك، وإنما دفن علي رضي الله عنه بقصر الإمارة بالكوفة.
وصنف أهل الفرية الأحاديث في زيارة المشاهد والصلاة عندها، والدعاء عندها، وما يشبه ذلك. فصار هؤلاء الزنادقة وأهل البدع المتبعون لهم يعظمون المشاهد، ويهينون المساجد، وذلك ضد دين المسلمين ويستترون بالتشيع.
ولهذا لما لم يكن بناء المساجد على القبور التي تسمى "المشاهد" وتعظيمها من دين المسلمين، بل من دين المشركين، لم يحفظ ذلك، فإن الله ضمن لنا أن يحفظ الذكر الذي أنزله كما قال: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)
فما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة محفوظ، وأما أمر المشاهد فغير محفوظ، بل عامة القبور التي بنيت عليها المساجد: إما مشكوك فيها، وإما متيقن كذبها .
**********************************************************************
الاستثناء في اليمين
الآية الثالثة:
﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا * إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَٰذَا رَشَدًا﴾ [الكهف: 23- 24].
عن عبد الرحمن بن سمرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: {يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها، وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خير منها فكفر عن يمينك وأتِ الذي هو خير}.
وعن أبي موسى -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: {إني والله -إن شاء الله- لا أحلف على يمين فأرى غيرها خير منها إلا أتيت الذي هو خير منها وتحللتها}.
صورة هذه المسألة: هي أن ينوي الإنسان فعل شيء، ثم يعقّب تلك النية بقول إن شاء الله، كمن نوى الصوم ثم قال: إن شاء الله، أو نوى صلاة وعقبها بقوله: إن شاء الله، أو طلق أو أعتق، أو حلف يمينا، ثم استثنى بعد ذلك كلّه بقوله: إن شاء الله تعالى، فهل يؤثّر هذا الاستثناء في النّية فتبطل، أم لا؟
بادئ ذي بدء نقول: لا خلاف بين العلماء في تأثير المشيئة في الأيمان، بمعنى أن من حلف على فعل شيء، أو عدم فعله، ثم عقب ذلك بقول: إن شاء الله، أو إلا أن يشاء الله، فإن تلك النية تبطل بتلك المشيئة، فبالتالي لا يحنث بالفعل، إذا كان حلفه على عدم الفعل، ولا يحنث بالترك، إذا كان الحلف على الفعل.
قال ابن حزم الظاهري: اتفقوا أن من حلف باسم من أسماء الله عز وجل، ثم قال بلسانه: إن شاء الله، أو إلا أن يشاء الله أو نحو ذلك متصلا بيمينه، ونوى في حين لفظه باليمين أن يستثني قبل تمام لفظه باليمين، أنه لا كفارة عليه، ولا يحنث إن خالف ما حلف عليه، متعمدا أو غير متعمد .
واختلفوا فيما عدا ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأوَّل: أن الاستثناء بالمشيئة يؤثّر في النّطق، ولا يؤثّر في النّيّات. وهذا مذهب الحنفيّة ، ووجه عند الشّافعيّة، ورواية عند الحنابلة.
والمراد بالنطق عندهم: الأحكام التي يشترط فيها التلفظ كالطلاق والعتاق واليمين والبيع، فلا يقع الطلاق ولا العتق، ولا يحنث في اليمين إذا عقب اللفظ بقوله: إن شاء الله.
قال الحلواني الحنفي: كل ما يختص باللسان يبطله الاستثناء كالطلاق والبيع، بخلاف ما لا يختص به كالصوم لا يرفعه لو قال: نويت صوم غدا إن شاء الله له أداؤه بتلك النية.
وقال ابن نجيم: إذا عقب النية بالمشيئة، فإن كان مما يتعلق بالنيات كالصوم والصلاة لم يبطل، وإن كان مما يتعلق بالأقوال كالطلاق والعتاق بطل.
التعليل: أنه علقه على مشيئة لم يعلم وجودها فلم يقع كما لو علَّقه على مشيئة زيد من الناس.
القول الثّاني: أن الاستثناء بالمشيئة يؤثر في الأيمان خاصة، ولا يؤثّر في غيرها. وهذا مذهب المالكيّة ، وهو المشهور عند الحنابلة.
قال ابن رشد في البداية: قال مالك وأصحابه: لا تؤثر المشيئة إلا في الأيمان التي تكفر، وهي اليمين بالله عندهم، أو النذر المطلق، وأما الطلاق والعتاق فلا يخلو من قسمين:
القسم الأول: أن يعلق الاستثناء في ذلك بمجرد الطلاق أو العتق فقط، مثل أن يقول: هي طالق إن شاء الله، أو عتيق إن شاء الله، فهذه ليست عندهم يمينا، فلا خلاف في المذهب أن المشيئة غير مؤثرة فيه.
القسم الثاني: وإما أن يعلق الطلاق بشرط من الشروط، مثل أن يقول: إن كان كذا فهي طالق إن شاء الله، أو إن كان كذا فهو عتيق إن شاء الله. ففي المذهب في هذا قولان: أصحهما أنه إذا صرف الاستثناء إلى الشرط الذي علق به الطلاق صح، وإن صرفه إلى نفس الطلاق لم يصح.
وقال ابن قدامة: وإذا استثنى في الطلاق والعتاق، فأكثر الروايات عن أبي عبد الله - رحمه الله - أنه توقف عن الجواب. وقد قطع في موضع أنه لا ينفعه الاستثناء، يعني إذا قال لزوجته: أنت طالق إن شاء الله، أو لعبده: أنت حر إن شاء الله، فقد توقف أحمد في الجواب؛ لاختلاف الناس فيها، وتعارض الأدلة، وفي موضع قطع أنه لا ينفعه الاستثناء فيهما، قال في رواية إسحاق بن منصور وحنبل: من حلف فقال: إن شاء الله لم يحنث، وليس له استثناء في الطلاق والعتاق. قال حنبل: قال: لأنهما ليسا من الأيمان .
الأدلة:
الدليل الأوَّل: ما أخرجه الترمذي في سننه؛ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - قال: {من حلف على يمين، فقال: إن شاء الله لم يحنث} .
وجه الدلالة: أنّ الحديث إنما تناول الأيمان، وليس هذا بيمين، إنما هو تعليق على شرط.
الدليل الثَّاني: أنه أوقع الطلاق والعتاق في محل قابل، فوقع كما لو لم يستثن .
القول الثَّالث: التفريق بين أن ينوي بتلك المشيئة التعليق أو التبرك؛ فإن نوى بها التعليق بطلت نيته، وإن نوى بها التبرك فوجهان:
أحدهما: أن النيّة لا تبطل.
والثَّاني: أنّها تبطل. وعلى هذا التفصيل الشَّافعية في الأصحّ عندهم.
قال السيوطي في الأشباه: فإن نوى التعليق بطلت; أو التبرك فلا أو أطلق. قال في الشافي تبطل; لأن اللفظ موضوع للتعليق .
سبب الخلاف: هو اختلافهم في الاستثناء، هل هو حال للانعقاد أم هو مانع له؟ فإذا قلنا: هو مانع; وقرن بلفظ مجرد الطلاق؛ فلا تأثير له فيه، إذ قد وقع الطلاق، بمعنى أنه: إذا قال الرجل لزوجته: هي طالق إن شاء الله، وقع الطلاق؛ لأنّ المانع إنّما يقوم لما لم يقع، وهو المستقبل. وإذا قلنا: إنّه حال للعقود وجب أن يكون له تأثير في الطلاق، وإن كان قد وقع .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق