الاثنين، 1 يناير 2018
الجزء الثامن - الربع السادس - الأحكام الفقهية
{قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ}
مِنْ آفَاتِ اللِّسَانِ القولُ عَلى اللهِ تَعالى بِغَيرِ عِلمٍ
القَوْلُ عَلى اللهِ تَعالى بِغَيرِ عِلمٍ أعظم المحرمات على الإطلاق
ففي هذه الآية ذكر الله تعالى أصول المحرمات فبدأ بأقلها حرمة
فقال: ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ﴾ وهذه تشمل الزنا واللواط وما شابهها من الفواحش، ثم ارتقى الخطاب درجة إلى ما هو أشد خطراً وأعظم ضرراً وهو وأقبح أثراً، وهو الإثم والظلم ﴿ وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾ وذلك لأن ضرر البغي متعد إلى الغير وأثره أعظم من أثر الفواحش، ثم ارتقى الخطاب درجة إلى ما هو أشد خطرا وأعظم ضررا وأقبح أثرا، وهو الشرك بالله تعالى ﴿ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنزلْ بِهِ سُلْطَانًا ﴾ ثم ارتقى الخطاب درجة إلى ما هو أشد خطرا وأعظم ضررا وأقبح أثراً، وهو القول على الله تعالى بغير علم ﴿ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ فالقول على الله تعالى بغير علم أخطر من الشرك بالله تعالى وذلك لأن مفسدة القول على الله تعالى بغير علم أعظم من مفسدة الشرك بالله تعالى فإن الشرك ضرره قاصر على صاحبه أما القول على الله تعالى بغير علم فإن ضرره متعد وإن شئت فانظر إلى ما أحدثه مسيلمة الكذاب من الفتنة عندما ادعى النبوة فضل بقوله فئام عظيمة من الناس، ولا شك أن من ضل في نفسه أقل شراً وأثراً وإثماً ممن ضل في نفسه وأضل غيره، وقد بين ذلك القرآن أعظم بيان قال الله تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في قول الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ﴾ فحصر التحريم في هذه الأربعة فإنها محرمة في كل ملة لا تباح بحال إلا عند الضرورة وبدأ بالأخف تحريما ثم بما هو أشد منه فإن تحريم الميتة دون تحريم الدم فإنه أخبث منها ولحم الخنزير أخبث منها وما أهل به لغير الله أخبث الأربعة.
ونظير هذا قوله: ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنزلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ﴾ فبدأ بالأسهل تحريمًا ثم ما هو أشد منه إلى أن ختم بأغلظ المحرمات وهو القول عليه بلا علم فما أهل به لغير الله في الدرجة الرابعة من المحرمات.
قال الإمام عبد الرحمن بن الجوزي رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ عامٌّ في تحريم القول في الدين من غير يقين.
وقد أفاض العلماء في الكلام على خطورة القول الله بغير علم، وفي النكير على من يتجرأ عليه،
جاء في مدارج السالكين لابن القيم: وأما القول على الله بلا علم فهو أشد هذه المحرمات تحريما، وأعظمها إثما، ولهذا ذكر في المرتبة الرابعة من المحرمات التي اتفقت عليها الشرائع والأديان، ولا تباح بحال، بل لا تكون إلا محرمة، وليست كالميتة والدم ولحم الخنزير، الذي يباح في حال دون حال، فإن المحرمات نوعان: محرم لذاته لا يباح بحال، ومحرم تحريما عارضا في وقت دون وقت، قال الله تعالى في المحرم لذاته: قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن {الأعراف: 33} ثم انتقل منه إلى ما هو أعظم منه، فقال: والإثم والبغي بغير الحق {الأعراف: 33} ثم انتقل منه إلى ما هو أعظم منه، فقال: وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا {الأعراف: 33} ثم انتقل منه إلى ما هو أعظم منه، فقال: وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون {الأعراف: 33} فهذا أعظم المحرمات عند الله وأشدها إثما، فإنه يتضمن الكذب على الله، ونسبته إلى ما لا يليق به، وتغيير دينه وتبديله، ونفي ما أثبته وإثبات ما نفاه، وتحقيق ما أبطله وإبطال ما حققه، وعداوة من والاه وموالاة من عاداه، وحب ما أبغضه وبغض ما أحبه، ووصفه بما لا يليق به في ذاته وصفاته وأقواله وأفعاله، فليس في أجناس المحرمات أعظم عند الله منه، ولا أشد إثما، وهو أصل الشرك والكفر، وعليه أسست البدع والضلالات، فكل بدعة مضلة في الدين أساسها القول على الله بلا علم.
والإمام ابن القيم يعتبر جنس القول على الله بلا علم أشد من جنس الشرك، لا أن أفراد القول على الله بلا علم، أكبر من كل أفراد الشرك، فيقول في مدارج السالكين: فليس في أجناس المحرمات أعظم عند الله منه, ولا أشد منه, ولا أشد إثمًا، وهو أصل الشرك والكفر، وعليه أسست البدع والضلالات، فكل بدعة مضلة في الدين أساسها القول على الله بلا علم. اهـ
ففرق بين الأفراد، وبين الجنس، كما يقال: البدعة شر من المعصية، ولا يعني هذا أن صغائر البدع أكبر من الزنا وشرب الخمر، ولكن الجنس أكبر من الجنس، فالقول على الله بغير علم في بعض المواضع شرك، وفي بعضها أكبر من الشرك الأصغر، وفي بعضها أقل منه، وإنما يقال فيه إنه حرام وهكذا، لا أن كل قول على الله بغير علم شر من الشرك الأكبر وبهذا، يتبين الجواب عما ذكرته، فمن أفراد القول على الله بلا علم ما لا يصل لحد الشرك، وبالتالي، يدخل فيما دون ذلك مما هو في المشيئة، كالقول بأن الله شرع بدعة المولد، أو شرع صلاة الرغائب، ونحو ذلك، ومنه ما يدخل في الشرك ويزيد عليه، كالقول على الله بلا علم، ووصفه بالرذائل، كقول اليهود: إن الله فقير، أو أن الله بكى على الأرض بعد الطوفان، أو أن لله شريكا تُصرف له العبادة كما تصرف لله، فهذا من القول على الله بلا علم الذي هو أكبر من جنس الشرك، ويوجب عدم المغفرة.
*****************************************************************
قال تعالى: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ
الإسراف في المباحات
أ - الإسراف في الطّعام والشّراب:
- الأكل والشّرب بقدر ما يندفع به الهلاك فرضٌ، وهو بقدر الشّبع مباحٌ، فإذا نوى بالشّبع ازدياد قوّة البدن على الطّاعة وأداء الواجبات فهو مندوبٌ، وما زاد على الشّبع فهو مكروهٌ أو محظورٌ، على الخلاف بين الفقهاء، إلاّ إذا قصد به التّقوّي على صوم الغد، أو لئلاّ يستحي الضّيف. قال اللّه تعالى: {كلوا واشربوا ولا تسرفوا}.
فالإنسان مأمورٌ بأن يأكل ويشرب بحيث يتقوّى على أداء المطلوب، ولا يتعدّى إلى الحرام، ولا يكثر الإنفاق المستقبح، ولا يتناول مقداراً كثيراً يضرّه ولا يحتاج إليه، فإن تعدّى ذلك إلى ما يمنعه القيام بالواجب حرم عليه، وكان قد أسرف في مطعمه ومشربه، ولأنّه إضاعة المال وإمراض النّفس. وقد ورد عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «ما ملأ آدميٌّ وعاءً شرّاً من بطنٍ، بحسب ابن آدم أكلاتٌ يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلثٌ لطعامه، وثلثٌ لشرابه، وثلثٌ لنفسه». وقال صلى الله عليه وسلم: «إنّ من السّرف أن تأكل كلّ ما اشتهيت».
وقد نقل القرطبيّ في الحضّ على تقليل الطّعام ما ثبت عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه «قال لأبي جحيفة حينما أتاه يتجشّأ: اكفف عليك من جشائك أبا جحيفة، فإنّ أكثر النّاس شبعاً في الدّنيا أطولهم جوعاً يوم القيامة». وهذا القدر ممّا لا خلاف فيه بين الفقهاء. وقال المالكيّة: يطلب تخفيف المعدة بتقليل الطّعام والشّراب على قدرٍ لا يترتّب عليه ضررٌ ولا كسلٌ عن عبادةٍ، فقد يكون للشّبع سبباً في عبادةٍ فيجب، وقد يترتّب عليه ترك واجبٍ فيحرم، أو ترك مستحبٍّ فيكره. وقال الغزاليّ: صرف المال إلى الأطعمة النّفيسة الّتي لا يليق بحاله تبذيرٌ. فيكون سبباً للحجر كما سيأتي.
وقال القليوبيّ: إنّ هذا هو أحد القولين عند الشّافعيّة، والقول الثّاني عندهم أنّه لا يعتبر تبذيراً ما لم يصرف في محرّمٍ، فيعتبر عندئذٍ إسرافاً وتبذيراً إجماعاً.
وصرف الحنابلة أنّ أكل المتخوم، أو الأكل المفضي إلى تخمةٍ سببٌ لمرضه وإفساد بدنه، وهو تضييع المال في غير فائدةٍ. وقالوا: لا بأس بالشّبع، لكن يكره الإسراف، والإسراف في المباحات هو مجاوزة الحدّ، وهو من العدوان المحرّم.
ب - الإسراف في الملبس والزّينة:
- الإسراف في الملبس والزّينة ممنوعٌ، لما ورد في الحديث أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «البسوا ما لم يخالطه إسرافٌ أو مخيلةٌ».
قال ابن عابدين: يلبس بين الخسيس والنّفيس، إذ خير الأمور أوسطها، وللنّهي عن الشّهرتين، وهو ما كان في نهاية النّفاسة أو الخساسة. ويندب لبس الثّوب الجميل للتّزيّن في الأعياد والجمع ومجامع النّاس، لحديث ابن مسعودٍ مرفوعاً: «لا يدخل الجنّة من كان في قلبه ذرّةٌ من كبرٍ، قال رجلٌ: إنّ الرّجل يحبّ أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً، قال: إنّ اللّه جميلٌ يحبّ الجمال، الكبر بطر الحقّ وغمط النّاس».
الجزء الثامن - الربع السادس - الاعجاز العلمي
۞ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31)
ان (الله)الذي خلقنا من لاشيء 'هو الواحد الأحد' الذي يعلم ما يصلحنا و ما يفسدنا، فأمرنا بالأكل و الشرب أمراً و نهى عن تركهما تبتلاً و ما يهلكنا ، و نهانا عن الاسراف رحمة بأجسادنا و قلوبنا و قوتنا، فأجمل الباري كل الصحة و الطب في قوله "و كلوا و اشربوا و لا تسرفوا " أمران و نهي واحد ليصلح بيت الداء و كل الأدواء و هي المعدة، و فصل نبي الرحمة ما أجمل مولاه، في أقواله صلي الله عليه و سلم و أفعاله و أمره و نهيه و سلوكه و حتي في صمته.
في المقال التالي، وضح لنا كيف يعيش الانسان حياة طيبة صحية، قوي البنيان سليم القلب علي هذا النهج الاسلامي الصحيح، أنموذج لحياة صحية بسيط جداً يفهمه كل أحد، و لم تدركه كل مدارس الطب بعد.
تدبير الطعام والشراب في هدي الإسلام
https://draldaker.wordpress.com/2013/02/24/%D8%A3%D8%B3%D8%B3-%D8%AA%D8%AF%D8%A8%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%B9%D8%A7%D9%85-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D8%A7%D8%A8-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%8A%D8%B9%D8%A9-%D8%A7%D9%84/amp/
ان المتدبر لحياة الرسول صلى الله عليه وسلم، يدرك و يوقن و يؤمن أن حياته كلها وحي، ما أكل إلا بوحي و ما شرب إلا بوحي و ما دخل الخلاء إلا بوحي، كي يعلم البشرية كلها إلى يوم الدين ،كيف تكون الحياة صحية و مفيدة في أجمل صورها.
لو تدرك هذه الحضارة الغربية المزعومة، عظمة هذه المخلوق لوضعوا سيرته صلي الله عليه وسلم تحت الميكروسكوب الاليكتروني و فعلوا الأبحاث و الفحوصات و التحاليل ،ليصلوا لحلول كل المعضلات التي تعترضهم، صحية و دنيوية و دينية.
لن أتحدث اليوم عن نقاط بحث او استنباط بعد أن أشرت إلى وجوب دراسة حياة النبي دراسة علمية، ففيها لن تتوقف الأقلام.
الجزء الثامن - الربع السادس - التفسير و المعاني
( يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ )
الأعراف (31)
يا بني آدم كونوا عند أداء كل صلاة على حالة من الزينة المشروعة من ثياب ساترة لعوراتكم ونظافة وطهارة ونحو ذلك، وكلوا واشربوا من طيبات ما رزقكم الله، ولا تتجاوزوا حدود الاعتدال في ذلك. إن الله لا يحب المتجاوزين المسرفين في الطعام والشراب وغير ذلك.
السؤال : جمعت هذه الآية بين ما يصلح القلوب وما يصلح الأبدان, وضح ذلك؟
قيل: المراد به الزينة زيادة على الستر؛ كالتجمل للجمعة بأحسن الثياب، وبالسواك والطيب،
(وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) أي: لا تكثروا من الأكل فوق الحاجة، وقال الأطباء: إن الطب كله مجموع في هذه الآية.
(ابن جزي:1/300.)
***************************************************************
( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ )
الأعراف (32)
قل -أيها الرسول- لهؤلاء الجهلة من المشركين: مَن الذي حرم عليكم اللباس الحسن الذي جعله الله تعالى زينة لكم؟ ومَن الذي حرَّم عليكم التمتع بالحلال الطيب من رزق الله تعالى؟ قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: إنَّ ما أحله الله من الملابس والطيبات من المطاعم والمشارب حق للذين آمنوا في الحياة الدنيا يشاركهم فيها غيرهم، خالصة لهم يوم القيامة.
مثل ذلك التفصيل يفصِّل الله الآيات لقوم يعلمون ما يبيِّن لهم، ويفقهون ما يميز لهم.
***************************************************************
( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ )
الأعراف (33)قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: إنما حَرَّم الله القبائح من الأعمال، ما كان منها ظاهرًا، وما كان خفيًّا، وحَرَّم المعاصي كلها، ومِن أعظمها الاعتداء على الناس، فإن ذلك مجانب للحق، وحرَّم أن تعبدوا مع الله تعالى غيره مما لم يُنَزِّل به دليلا وبرهانًا، فإنه لا حجة لفاعل ذلك، وحرَّم أن تنسبوا إلى الله تعالى ما لم يشرعه افتراءً وكذبًا، كدعوى أن لله ولدًا، وتحريم بعض الحلال من الملابس والمآكل.
السؤال : لماذا خص أهل العلم بتفصيل الآيات؟
(كذلك نفصل الآيات) أي: نوضحها ونبينها،
(لقوم يعلمون): لأنهم الذين ينتفعون بما فصله الله من الآيات، ويعلمون أنها من عند الله، فيعقلونها ويفهمونها. ثم ذكر المحرمات التي حرمها الله في كل شريعة من الشرائع، فقال: (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن) أي: الذنوب الكبار التي تستفحش وتستقبح لشناعتها وقبحها؛ وذلك كالزنا، واللواط، ونحوهما.
(السعدي:287.)
السؤال : ما ميزان الحسن والقبح المؤثر في التحليل والتحريم؟
القبح والحسن في المعاني إنما يتلقى من جهة الشرع، والفاحش كذلك؛ فقوله هنا: (الْفَواحِشَ) إنما هي إشارة إلى ما نص الشرع على تحريمه في مواضع أخر؛ فكل ما حرمه الشرع فهو فاحش وإن كان العقل لا ينكره؛ كلباس الحرير والذهب للرجال ونحوه.
(ابن عطية:2/395.)
***************************************************************
( وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ )
الأعراف (34)
ولكل جماعة اجتمعت على الكفر بالله تعالى وتكذيب رسله -عليهم الصلاة والسلام- وقت لحلول العقوبة بهم، فإذا جاء الوقت الذي وقَّته الله لإهلاكهم لا يتأخرون عنه لحظة، ولا يتقدمون عليه.
***************************************************************
( يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي ۙ فَمَنِ اتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ )
الأعراف (35)
يا بني آدم إذا جاءكم رسلي من أقوامكم، يتلون عليكم آيات كتابي، ويبينون لكم البراهين على صدق ما جاؤوكم به فأطيعوهم، فإنه من اتقى سخطي وأصلح عمله فلا خوف عليهم يوم القيامة من عقاب الله تعالى، ولا ههم يحزنون على ما فاتهم من حظوظ الدنيا.
***************************************************************
( وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ )
الأعراف (36)
والكفار الذين كذَّبوا بالدلائل على توحيد الله، واستعلَوا عن اتباعها، أولئك أصحاب النار ماكثين فيها، لا يخرجون منها أبدًا.
***************************************************************
( فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ۚ أُولَٰئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ )
الأعراف (37)لا أحد أشد ظلمًا ممن اختلق على الله تعالى الكذب، أو كذَّب بآياته المنزلة، أولئك يصل إليهم حظُّهم من العذاب مما كتب لهم في اللوح المحفوظ، حتى إذا جاءهم ملك الموت وأعوانه يقبضون أرواحهم قالوا لهم: أين الذين كنتم تعبدونهم من دون الله من الشركاء والأولياء والأوثان ليخلِّصوكم مما أنتم فيه؟ قالوا: ذهبوا عنا، واعترفوا على أنفسهم حينئذ أنهم كانوا في الدنيا جاحدين مكذبين وحدانية الله تعالى.
***************************************************************
( قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ فِي النَّارِ ۖ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا ۖ حَتَّىٰ إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَٰؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ ۖ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَٰكِن لَّا تَعْلَمُونَ )
الأعراف (38)
قال الله تعالى -لهؤلاء المشركين المفترين-: ادخلوا النار في جملة جماعات من أمثالكم في الكفر، قد سلفت من قبلكم من الجن والإنس، كلما دخلت النارَ جماعةٌ من أهل ملة لعنت نظيرتها التي ضلَّتْ بالاقتداء بها، حتى إذا تلاحق في النار الأولون من أهل الملل الكافرة والآخرون منهم جميعًا، قال الآخرون المتبعون في الدنيا لقادتهم: ربنا هؤلاء هم الذين أضلونا عن الحق، فآتهم عذابًا مضاعفا من النار، قال الله تعالى: لكل ضعف، أي: لكل منكم ومنهم عذاب مضاعف من النار، ولكن لا تدركون أيها الأتباع ما لكل فريق منكم من العذاب والآلام.
السؤال : ماذا يفاد من حكاية محاورة القادة مع أتباعهم في الآية الكريمة؟
فيما قص الله من محاورة قادة الأمم وأتباعهم ما فيه موعظة وتحذير لقادة المسلمين من الإيقاع بأتباعهم فيما يزج بهم في الضلالة، ويحسن لهم هواهم، وموعظة لعامتهم من الاسترسال في تأييد من يشايع هواهم، ولا يبلغهم النصيحة.
(ابن عاشور:8/125.)
السؤال : لماذا أخفى الله تعالى عذاب أهل النار بعضهم عن بعض؟
أي: لا يعلم كل فريق ما بالفريق الآخر؛ إذ لو علم بعض من في النار أن عذاب أحد فوق عذابه، لكان نوع سلوة له.
(القرطبي:9/222.)
***************************************************************
( وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ )
الأعراف (39)
وقال المتبوعون من الرؤساء وغيرهم لأتباعهم: نحن وأنتم متساوون في الغيِّ والضلال، وفي فِعْلِ أسباب العذاب فلا فَضْلَ لكم علينا، قال الله تعالى لهم جميعًا: فذوقوا العذاب أي عذاب جهنم؛ بسبب ما كسبتم من المعاصي.
***************************************************************
( إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ )
الأعراف (40)إن الكفار الذين لم يصدِّقوا بحججنا وآياتنا الدالة على وحدانيتنا، ولم يعملوا بشرعنا تكبرًا واستعلاءً، لا تُفتَّح لأعمالهم في الحياة ولا لأرواحهم عند الممات أبواب السماء، ولا يمكن أن يدخل هؤلاء الكفار الجنة إلا إذا دخل الجمل في ثقب الإبرة، وهذا مستحيل. ومثل ذلك الجزاء نجزي الذين كثر إجرامهم، واشتدَّ طغيانهم.
السؤال : ماذا تفيد من الإخبار بإغلاق أبواب السماء عن أرواح الكافرين؟
ومفهوم الآية أن أرواح المؤمنين المنقادين لأمر الله المصدقين بآياته تفتح لها أبواب السماء حتى تعرج إلى الله، وتصل إلى حيث أراد الله من العالم العلوي، وتبتهج بالقرب من ربها والحظوة برضوانه.
(السعدي:288.)
***************************************************************
( لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ )
الأعراف (41)
هؤلاء الكفار مخلدون في النار، لهم مِن جهنم فراش مِن تحتهم، ومن فوقهم أغطية تغشاهم. وبمثل هذا العقاب الشديد يعاقب الله تعالى الظالمين الذين تجاوزوا حدوده فكفروا به وعصَوْه.
***************************************************************
( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ )
الأعراف (42)والذين آمنوا بالله وعملوا الأعمال الصالحة في حدود طاقاتهم -لا يكلف الله نفسًا من الأعمال إلا ما تطيق- أولئك أهل الجنة، هم فيها ماكثون أبدًا لا يخرجون منها.
السؤال : عمل الحسنات هو إحسان من الله تعالى، بين ذلك من الآية الكريمة؟
الذي يعمل الحسنات، إذا عملها فنفس عمله الحسنات هو من إحسان الله، وبفضله عليه بالهداية والإيمان؛ كما قال أهل الجنة: (الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله).
(ابن تيمية:3/162.)
***************************************************************
( وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ۖ قَالُوا نَعَمْ ۚ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ )
الأعراف (44)ونادى أصحاب الجنة -بعد دخولهم فيها- أهلَ النار قائلين لهم: إنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا على ألسنة رسله حقًا من إثابة أهل طاعته، فهل وجدتم ما وعدكم ربكم على ألسنة رسله حقًا من عقاب أهل معصيته؟ فأجابهم أهل النار قائلين: نعم قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا. فأذَّن مؤذن بين أهل الجنة وأهل النار: أنْ لعنة الله على الظالمين الذين تجاوزوا حدود الله، وكفروا بالله ورسله.
***************************************************************
( الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ )
الأعراف (45)هؤلاء الكافرون هم الذين كانوا يُعْرِضون عن طريق الله المستقيم، ويمنعون الناس من سلوكه، ويطلبون أن تكون السبيل معوجة حتى لا يتبينها أحد، وهم بالآخرة -وما فيها- جاحدون.
السؤال : ما أثر الإيمان بالبعث والآخرة؟
وهذا الذي أوجب لهم الانحراف عن الصراط، والإقبال على شهوات النفوس المحرمة، عدم إيمانهم بالبعث، وعدم خوفهم من العقاب ورجائهم للثواب.
(السعدي:290.)
***************************************************************
( وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ ۚ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ ۚ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۚ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ )
الأعراف (46)وبين أصحاب الجنة وأصحاب النار حاجز عظيم يقال له الأعراف، وعلى هذا الحاجز رجال يعرفون أهل الجنة وأهل النار بعلاماتهم، كبياض وجوه أهل الجنة، وسواد وجوه أهل النار، وهؤلاء الرجال قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم يرجون رحمة الله تعالى. ونادى رجال الأعراف أهل الجنة بالتحية قائلين لهم: سلام عليكم، وأهل الأعراف لم يدخلوا الجنة بعد، وهم يرجون دخولها.
السؤال : موازين الدنيا غير موازين الآخرة، وضح ذلك من خلال الآية؟
(ونادى أصحاب الأعراف رجالا) كانوا عظماء في الدنيا من أهل النار،
(يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم) في الدنيا من المال والولد،
(وما كنتم تستكبرون) عن الإيمان. قال الكلبي: نادوهم وهم على السور: يا وليد بن المغيرة، يا أبا جهل بن هشام، يا فلان،
[وهم ينظرونهم في النار]، ثم ينظرون إلى الجنة فيرون فيها الفقراء والضعفاء ممن كانوا يستهزئون بهم؛ مثل سلمان، وصهيب، وخباب، وبلال.
(البغوي:2/106.)
***************************************************************
مع بعض التوجيهات
***************************************************************
مع التفسير للدكتور / ابراهيم الشربيني
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)

















