السبت، 11 نوفمبر 2017

الجزء الخامس - الربع السابع - الأحكام الفقهية



النشوز

تعريف النشوز وحكمه
النشوز في اللغة :
الارتفاع يقال تل ناشز أي مرتفع , وفي التنزيل : ( وانظر إلى العظام كيف ننشزها …) أي كيف نرفع بعضها على بعض .

فالنشوز يكون بين الزوجين وهو كراهة كل واحد منهما صاحبه , ونشزت المرأة على زوجها فهي ناشز : أي ارتفعت عليه واستعصت عليه وأبغضته وخرجت عن طاعته وفركته ( واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن )
ونشز هو عليها نشوزا كذلك إذا ضر بها وجفاها وضربها
 قال تعالى : ( وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا ) .

ويقال أيضا النشوص : نشصت المرأة ونشزت بمعنى واحد وقال ابن الأعرابي المنشاص : المرأة التي تمنع فراشها في فراشهاَ فالفراش الأول الزوج والثاني المضربة .

وأما النشوز في اصطلاح الفقهاء :
فقال ابن قدامة في المغني (معنى النشوز هو معصية الزوج فيما فرض الله عليها من طاعته مأخوذ من النشز وهو الارتفاع فكأنها ارتفعت وتعالت عما أوجب الله عليها من طاعته )
وقال صاحب الأضواء :” وأصل النشوز في اللغة الارتفاع فالمرأة الناشز كأنها ترتفع عن المكان الذي يضاجعها فيه زوجها وهو في اصطلاح الفقهاء الخروج عن طاعة الزوج .

قلت : هذا فيما يتعلق بتعريف نشوز المرأة , وأما فيما يتعلق بنشوز الرجل فقال ابن قدامة في الكافي : النوع الثاني : نشوز الرجل عن امرأته وهو إعراضه عنها لرغبته عنها لمرضها أو كبرها أو غيرهما فلا بأس أن تضع عنه بعض حقها تسترضيه بذلك , لقوله تعالى ( وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا )

حكم النشوز :
الأصل في النشوز التحريم , لمخالفته نصوص الكتاب والسنة والتي جاءت بوجوب طاعة الزوجة زوجها ووجوب إحسان الزوج لزوجته , إلا أن درجات التحريم تختلف من صورة لأخرى .

فمن تأبى أن تمكن زوجها من الاستمتاع بها ووطئها ليست كمن تظهر التثاقل والتضجر ومن يظهر التسخط والملل ليس كمن يمنع زوجته النفقة الواجبة … وهكذا .
ويتقرر على هذا التفاوت في الدرجات , التفاوت في التبعات والأحكام المترتبة على هذا الوصف

التعامل مع الزوج الناشز
الأصل فيه :
قوله تعالى : (وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير )
والمقصود بالنشوز : التباعد , والإعراض : ألا يكلمها ولا يأنس بها .

مراحل التعامل مع الزوج :
لا شك أن للتعامل مع المرأة خصوصية تختلف عنها في الرجل , ومن هنا كان التعامل مع الزوج الناشز يختلف عن التعامل مع الزوجة الناشز !
فالزوجة الناشز قد مرت مراحل التعامل معها مفصلة في المبحث السابق , 

أما الزوج الناشز فأول مراحل التعامل معه :
مرحلة الوعظ والتوجيه بأن يذكر منها أو من غيرها بقوله تعالى ( وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا )
فلا تكن نظرته لما يراه بل يجب أن يعلم أن هناك أمورا أخرى قد لا يراها وتكون العاقبة من وراءها خيرا , وقد مر الكلام على هذه النقطة في المبحث السابق بما لا داعي للوقوف عنده وتكراره .

المرحلة الثانية :مرحلة التحكيم
إذ لا يوجد في باب تعامل المرأة مع زوجها الناشز هجر في المضجع بمعنى أن تمنعه من نفسها فلا تمكنه من وطئها : هذا ليس موجودا لأنه مخالف لقوله عليه السلام إذا دعى أحدكم امرأته إلى فراشه فأبت عليه بات الذي في السماء ساخطا عليها .. هذا أولا , 
وثانيا : لأنه مخالف لأصل العقد الذي يعني حل الاستمتاع ,
 وثالثا : لأن منعها له من وطئها من شأنه أن يؤدي إلى زيادة الخلاف وتفاقمه , وإذا كان لا يوجد هجر من قبل المرأة لزوجها الناشز فالضرب من باب أولى أمنع وأبعد فهو مخالف لمقتضى القوامة, فعندنا مرحلتان الوعظ والتذكير ثم التحكيم فتلجأ المرأة العاقلة لهذه الوسيلة المشروعة , 
وقوله صلحا بالتنكير يفيد العموم في مثل هذا المقام بمعنى أي نوع صلح فهو مقبول ولو كان على جزء من مهرها لئلا يفهم من قوله ( وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا ) فليست الآية الأخيرة على إطلاق المنع .

قال الشوكاني في الفتح :
وظاهرها – أي قوله تعالى : يصلحا بينهما صلحا ..- أنه يجوز التصالح بأي نوع من أنواعه إما بإسقاط النوبة أو بعضها أو بعض النفقة أو بعض المهر .
********************************************************************
الصلح بين الزوجين أنواعه وأحكامه

وفيه مطالبان :
الأول : الأصل في الصلح وشرطه
الثاني : أقسام الصلح بين الزوجين :
• على شرط
• على عوض
• على حق

الأصل في الصلح وشرطه
في هذا المبحث نتطرق لأنواع الصلح وأحكامه والأصل فيه الجواز لقوله عليه السلام”الصلح جائز بين المسلمين ” وشرطه : ألا يكون سببا في انتهاك المحرم .

وينبغي على المحكمين أن يكونا على دراية بأحكام الصلح فهذا ضمين – بعد توفيق الله تعالى – بالتوصل للاتفاق الطيب إذ من كان على دراية بأحوال الأسرة وإلمام بأحكام الصلح وصلحت النية وشاع التوفيق من الله : فارج خيرا لهذين الزوجين .


أنواع الصلح بين الزوجين
وعموما فإن للصلح في مثل هذا المقام أنواع :
الأول : صلح على شرط
والثاني: صلح على عوض
والثالث : صلح على حق

وسنعرج عليها بشيء من التفصيل فأقول :
النوع الأول : الصلح على شروط
ومن المهم جدا في هذا المقام أن نبين ما المقصود بالشرط عندما نقول به في مثل هذا الصلح ذلك أننا لو عرفناه بالشرط المعهود عند الفقهاء والأصوليين فإنه قد يلزم منه لوازم باطلة عند عدم الوفاء – كانتفاء عقد النكاح عند عدم وفاء الزوج بشرط تعليم زوجته مثلا – لذا فأرى لزاما أن نأخذ هذه المسألة بشيء من التفصيل فأقول :
الشرط عند العلماء : يختلف تعريفه باختلاف نوعه !

وأنواع الشروط أربعة وهي كالتالي :
• شرط عقلي : وهو ما لا يوجد المشروط عقلا بدونه كاشتراط الحياة للعلم.
• شرط عادي : شرط عادي وهو ما يكون شرطا عادة كاشتراط عدم تأجير المؤجر ما استأجره عند طائفة من الناس .
• شرط لغوي : وهو ما يذكر بصيغة التعليق , بالأدوات : إن ولو وإذا…
• شرط شرعي : ما لا يلزم من وجوده الوجود ويلزم من عدمه العدم وهو المراد عند الإطلاق ويمثلون له بأنه لا يلزم من الوضوء وجود الصلاة , ولكن يلزم من عدم الوضوء عدمها .

• شرط جعلي : وهو ما كان مصدر اشتراطه المكلف حيث يعلق تصرفاته
ومعاملاته عليه كالشروط التي يتفق عليها المكلفون في النكاح والبيوع والصلح كما هو في مبحثنا هذا , والشرط الجعلي مع كونه ملزما إلا أنه لا ينقض العقد بمجرد المخالفة بل هو متوقف على رضى من وقعت المخالفة في حقه .

فالمراد إذا في الصلح على شرط ليس الشرط بمعناه الشرعي العام – المراد عند الإطلاق – بل الشرط الجعلي الذي يتفق عليه الزوجان الناشز أحدهما, فإن للمتضرر منهما أن يشترط على صاحبه عند عقد مجلس الصلح ما يكون سببا في رفع الضرر عنه وله أن يشترط ما شاء – إلا أن يكون انتهاكا لمحرم كما مر- ثم يحصل التفاوض بينهما عبر المحكمين – أو المصلحين – ويثبت حاصل ذلك قبولا كان أو ردا ..

مثاله : زوجة نشز زوجها عنها وبدأ مع إعراضه يكثر السفر للخارج فتأزم الوضع بينهما وصارت المسكينة تخاف عليه وعلى نفسها من مغبة كثرة سفره للخارج بدونها أو أنه يسافر مع رفقاءه فتعاملت معه بالطرق الشرعية التي مرت ولم تجد نفعا فطلبت عقد مجلس بمحكمين فعقد مجلس الصلح فاشترطت ألا يسافر للخارج إلا لما لا بد له منه وبصحبتها فهذا شرط جعلي مقبول ولها ما اشترطت وعلى المحكمين أن يعينوها في ذلك .
النوع الثاني : الصلح على عوض
والعوض يكون بين الزوجين جائز إذ هو محض بذل , وقد يكون العوض عينا (أرض أو عمارة أو أثاث ) وقد يكون مالا يبذله أحد الزوجين لاسترضاء الآخر فهذا لا حرج فيه إلا أنه لا ينبغي المكاثرة والمبالغة في ذلك , لأن من أسباب البركة في الزواج التيسير في المهر فإذا كان ذلك ابتداء ففي أثناءه فهو أدوم .

النوع الثالث : الصلح على حق
والحقوق ملك لأصحابها فإذا تنازلوا عنها فإن التنازل مقبول من المكلف – البالغ العاقل – وله أصل في صحيح السنة وهو حديث أم المؤمنين سودة رضي الله عنها لما كبرت وخافت أن يتركها رسول الله صلى الله عليه وسلم , وهبت ليلتها لعائشة فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم لعائشة يومها ويوم سودة .

فإن أرادت المسلمة مصالحة زوجها بجعله في حل من القسم مثلا , أو من نفقتها فذلك شأنها .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق