من الاحكام الفقهية التي معنا في هذا الورد المبارك
1-الشوري
2-الغلول
3-فضل الشهادة
اولا الشوري
اختلف أهل العلم بصدد حكم الشورى على رأيين، فَمِنْ
قائلٍ بالندب وهو قول عامة السلف ومِنْ قائلٍ بالوجوب، وهو قول عامة المعاصرين، وبعض
السلف[1]، وتوضيح ذلك على النحو التالي:
القول الأول: أن حكم الشورى الندب
ذهب أصحاب هذا الرأي إلى القول باستحباب الشورى؛
فيثاب الحاكم على فعله ولا يعاقب على تركه، بل حكى النووي الإجماع على استحبابها بالنسبة
للأمة في معرض شرحه لحديث بدء الأذان، بقوله: «وفيه التشاور في الامور لا سيما المهمة،
وذلك مستحب في حق الأمة بإجماع العلماء»[2].
أدلة القول الأول:
استدل القائلون بالندب بالأدلة الآتية:
1- انتفاء ثمة دليل يدلّ على الوجوب إلا
الأمر في قوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ}، بَيْدَ أن هذا الأمر محمول على
الندب، لا للوجوب[3].
ولو فرض جدلاً حمل الآية على الوجوب فهو خاصّ بالنبي-
صلى الله عليه وسلم -، قال الشوكاني:«والاستدلال بالآية على الوجوب إنما يتم بعد تسليم
أنها غير خاصة برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو بعد تسليم أن الخطاب الخاص به
يعم الأمة أو الأئمة، وذلك مختلف فيه عند أهل الأصول»[4].
والحاصل إن كان هناك ثمة وجوب فهو خاص بالنبي - صلى
الله عليه وسلم -، وقياس الأئمة على النبي قياس مع الفارق[5].
ونوقش ذلك بأن الأمر الوارد محمول على الوجوب، لا
الندب.
ونوقش كذلك بأنه لو ثبت وجوبها بالنسبة للنبي - صلى
الله عليه وسلم - فوجوبها على غيره من باب أولى، ولو كان الخطاب للنبي - صلى الله عليه
وسلم - أولاً، فهو لسائر الأمة بطريق التَّبع ما لم يَرِدْ قرينة تخصصه، فقد يكون الخطاب
خاصًا بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، والحكم عام له ولأمته، ومثله كثير في القرآن
الكريم مثل قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ
اللَّهَ } [الأحزاب: 1] ، وقوله تعالى: {يَا
أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ} [التوبة:
73]ونحوها.
2-
أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس بحاجة للشورى، فهو مستغنٍ عنها بالوحي
والإلهام
ونوقش: بأن مجال الشورى فيما لا يكون فيه وحي أو
إلهام، والنبي - صلى الله عليه وسلم - في الأمور الدنيوية بشر يصيب ويخطئ، وإن كان
الله تعالى يبين له وجه الصواب فيما بعد[6].
وإذا سلمنا بأنه - صلى الله عليه وسلم - ليس بحاجة
للشورى، فلا ينطبق ذلك على أمته[7].
3- أن الحكمة من استشارة النبي - صلى الله
عليه وسلم - لأصحابه لا تعدو أن تكون تطييب أنفس الصحابة- رضي الله عنهم - وتأليف قلوبهم، وليُستن بالنبي - صلى الله عليه
وسلم - في المشاورة[8].
ونوقش ذلك بأنه كيف يكون فيه تطبيب نفوسهم وتأليف
قلوبهم في ظل عدم العمل بما انتهت إليه مشورتهم؟! وأنَّى يتحقق بذلك الاقتداء؟ بل بالأحرى
فيه نوع إيحاش لهم وإعلامهم بأن آراءهم غير مقبولة.
قال الجصاص:«وغير جائز أن يكون الأمر بالمشاورة على
جهة تطبيب نفوسهم ورفع أقدارهم ولتقتدي الأمة به في مثله؛ لأنه لو كان معلوما عندهم
أنهم إذا استفرغوا مجهودهم في استنباط ما شاوروا فيه وصواب الرأي فيما سئلوا عنه، ثم
لم يكن ذلك معمولا عليه ولا متلقى منه بالقبول بوجه لم يكن في ذلك تطبيب نفوسهم ولا
رفع لأقدارهم، بل فيه إيحاشهم وإعلامهم بأن آراءهم غير مقبولة ولا معمول عليها، فهذا
تأويل ساقط لا معنى له فكيف يسوغ تأويل من تأوله لتقتدي به الأمة مع علم الأمة عند
هذا القائل بأن هذه المشورة لم تفد شيئا ولم يعمل بشيء أشاروا به »[9].
3- أن الأحاديث الواردة في ذلك فيها مقال
وليس فيها ما يدل على الوجوب.
ونوقش بما ثبت من الأدلة الأخرى الدالة على الوجوب
القول الثاني: أن حكم الشورى الوجوب
ذهب أصحاب هذا الرأي إلى القول بوجوب الشورى؛ إذ
يتحتم على الحاكم مشورة أهل الشورى، وإلا أثم بتركه.
أدلة القول الثاني:
استدل القائلون بالوجوب بالأدلة الآتية:
1- قوله تعالى { فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي
الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}
[10]
وجه الدلالة:الأمر الوارد في قوله تعالى:{ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ }دال على الوجوب؛
إذ لا قرينة تصرفه عنه إلى الندب، قال الرازي:«ظاهر الأمر للوجوب»[11].
فدل على أنه واجب في حق النبي - صلى الله
عليه وسلم -، فهو أولى فيمن هو دونه، ولولاة الأمر بعده ألزم وأوجب، قال ابن تيمية[12]:«لا
غنى لولي الأمر عن المشاورة؛ فإن الله تعالى أمر بها نبيه - صلى الله عليه وسلم -،
فغيره صلى الله عليه وسلم أولى بالمشورة ».
[13]
2- قوله تعالى:{وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ
وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}[14].
وجه الدلالة:ورود الشورى- وكما ذكر آنفا- بين ركنين
من أركان الإسلام الصلاة كفريضة تعبدية، والزكاة كفريضة اجتماعية؛ فدل على أنالشورى
فريضة سياسية. [15].
3- أن الشورى شرط صحة للولاية العامة ولزومها
للأمة المسلمة، قال عمر[16]- رضي الله عنه -:«فَمَنْ بَايَعَ أَمِيرًا عَنْ غَيْرِ
مَشُورَةِ الْمُسْلِمِينَ فَلا بَيْعَةَ لَهُ، وَلا بَيْعَةَ لِلَّذِي بَايَعَهُ»[17].
الرأي الراجح:
مما تقدم؛ يتضح أن الرأي الراجح رأي القائلين بوجوب
الشورى؛ لقوة أدلته، وللرد على أدلة المعارضين؛ ولأن القول بالوجوب فيه صلاح الفرد
والجماعة، ولمنع استبداد الحكام، وعدم الانفراد بالرأي, لاسيما في أمور المسلمين العامة[18]
*************************************************************************
ثانيا الغلول
التعريف
في اللغة إن مادة غلل تعني تخلل الشيء وتعني استتاره
، يقال " تغلّل الماء في الشجر " أي اختفى في عروقه ، قال ابن حجر رحمه الله
كما في الفتح " إن الغلول أصله من الإخفاء ، وذلك بأن يخفي الإنسان شيئا قد غلَّه
في ثوبه " ونقل رحمه الله كما في الفتح عن النووي رحمه الله أنه قال " نُقل
الإجماع في تحريم الغلول وأنه من كبائر الذنوب "
الغلول :اصطلاحا هو أخذ المال وحقوق الناس بغير
ِ حقٍ ولا موجب ومن يغلل يأتي بما غل يوم القيامة ومن يغلل يأتي بما غل يوم القيامة
.
قال الله عز وجل {
وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ{161} أَفَمَنِ اتَّبَعَ
رِضْوَانَ اللّهِ كَمَن بَاء بِسَخْطٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ
الْمَصِيرُ{162}
سبب التسمية
أصل الغلول المحاربون حينما يكتسبون الغنائم هذه
لمجموع المسلمين توزع وفق تعليمات الشرع , فإذا أخذ أحد المقاتلين درعاً لنفسه , ولم
يدخلها في مجموع الغنائم , ولم يعلن عنها , فهذا الذي يأخذه سمي غلولاً , و معنى غلول
أن الأيدي فيها مغلولة، أي مجعول فيها الغل , وهو الحديدة التي تجمع يد الأسير إلى
عنقه، الأسير أحياناً توضع في يده قيود تربطها بعنقه.
من أنواع الغُلول :
1-ما يستفاد منه من الوظائف ، بعض الناس
يكون في وظيفة فيستفيد من وظيفته في أخذ ما يسمونه إكرامية حتى يملحونه بأنه هدايا
، يأتي أحد الأشخاص إلى الموظف ولديه معاملة فإن قال لا أعمل إلا أن تعطيني فهذه رشوة
، وإن كانت هذه المعاملة فيها حق ولم يظلم هذا الموظف أحدا فإنه داخل ضمن الغُلول ،
ولذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في المسند ( هدايا العمال غُلول ) أنت تأخذ
أجرة وراتبا من الدولة فلا يجوز لك أن تأخذ ريالا واحدا ، حتى لو أعطيت هذا الشيء على
أنه هدية أو إكرامية هذه الأسماء لا تغير الحقائق ولا المسميات
.
2-أن يؤخذ من بيت مال المسلمين ، وأن يؤخذ
من المال العام بأي طريقة كانت ، من أخذ شيئا من بيت مال المسلمين أو من المال العام
بأي طريقة كانت من غير وجه حق فإنه غُلول ،
3-اختلاس أوقات العمل في الوظائف العامة،
وذلك بأي وجه كان كمن يمضي أوقاتِ العمل في أكل أو شراب أو محادثات هاتفية غير ضرورية
على حساب عمله الرئيس. فمن يتعمد التأخر عن عمله ولو لخمس دقائق فليقسم راتبه على عدد
أيام عمله، ثم ليقسم أجرة نهاره على عدد الساعات ثم الدقائق وعندها سيرى كم سيدخل إلى
جيبه من المال المشبوه. ومن الغلول ما يفعله بعض الموظفين بطلبهم من الأطباء (وصفات)
غير صحيحة لصرف قيمتها من حساب الدولة، في المعاينات والعمليات الجراحية. ومنه أيضاً
ما يأخذونه من أموال إضافية مقابل أعمال إضافية وهمية، أو أذونات سفر لم تكن موجودة.
4- أنت تبيع حاجات جاءك موظف من عند تاجر،
طلب منك حاجات إن أعطيته مبلغاً خاصاً على أنه اشترى من عندك هذه الحاجات هذا لا يجوز،
لأنه أنت أعنته على ذلك، يقول لك: أريد فاتورة بأعلى، هو يخون سيده، وأنت أعنته على
هذه الخيانة بإصدار فاتورة بمبلغ أعلى مما ينبغي.
5- محل تجاري , فيه موظف، هذا الموظف كلفته
أن يشتري حاجة , فاستطاع أن يأخذ حسماً خاصاً له، هذا الحسم وضعه في جيبه، أخذه فوق
راتبه من هذا التاجر.
مَنِ استعملناه على عمل، فرزقناه رزقاً، فما أخذَ
بعد ذلك فهو غُلول )).
6-أحدهم يضع هاتفه الجوال جانباً ثم يتكلم
من هاتف العمل في أموره الشخصية.
7-شخص يرسل العامل أو الفراش في العمل ليقضي
له حاجة أو يأتي له بطعام من المطعم القريب .
8- استخدام سيارة العمل في قضاء حاجياته
أو ليقوم برحلة خارج المدينة مع عائلته .
9-مسؤول يستخدم سائق العمل لتوصيل أولاده
من وإلى مدارسهم أو لشراء حاجيات البيت من السوق أو الجمعية !
10-الخروج مبكراً من العمل بحجة أنه لا يوجد
تقدير للموظف من حيث الراتب أو العلاوات فهو ينتقم بطريقته الخاصة
!!
11- الإطالة في سنة الظهر القبلية والبعدية
في مصلى العمل أو في المسجد في حين إنه في أيام الإجازة لا يصليها
*************************************************************************
ثالثا فضل الشهادة في سبيل الله
والشهيد الذي غادَرَ هذه الدنيا ليس بميتٍ يُحسَب
في عداد الأموات، بل هو حيٌّ يعيشُ حياةً برزخيَّة يعلمها الله تعالى؛
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ
اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ
خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ
مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
[آل عمران: 169 - 171].
فالله تعالى يخبرُنا أنهم ليسوا أمواتًا، وينهانا
أنْ نحسبهم كذلك، ويؤكد لنا أنهم أحياء عنده، وأنهم يُرزَقون، ثم هم فرحون بما آتاهم
الله من الفضل والمكانة، ويستبشرون بِمَن لم يلحق بهم بعدُ.
عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
((انتدب الله لمن خرج في سبيله لا يخرجُه إلا إيمانٌ بي وتصديقٌ برسلي أنْ أرجِعَه
بما نالَ من أجرٍ أو غنيمةٍ أو أدخله الجنة، ولولا أنْ أشقَّ على أمَّتي ما قعدتُ خلفَ
سريَّة، ولوددت أنِّي أُقتَل في سبيل الله ثم أُحيَا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل))؛
البخاري.
ولو لم يكن للقتل والشَّهادة في سبيل الله من الأجر
الكبير لما تمنَّى محمد - صلى الله عليه وسلم - أنْ يُقتَل في سبيل الله ثلاث مرَّات،
وها هو النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((والذي نفسي بيَدِه لولا أنَّ رجالاً من
المؤمنين لا تطيب أنفسهم أنْ يتخلَّفوا عنِّي، ولا أجد ما أحملُهم عليه، ما تخلَّفت
عن سريَّةٍ تغزو في سبيل الله، والذي نفسي بيده لوددت أنِّي أُقتَل في سبيل الله، ثم
أحيا ثم أقتل، ثم أحيا ثم أقتل، ثم أحيا ثم أقتل))؛ البخاري.
ولولا ذلك ما سبق الجهادُ الحجَّ في الفضيلة؛ فعن
أبي هريرة أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سُئِل: أيُّ العمل أفضل؟ فقال:
((إيمانٌ بالله ورسوله))، قِيل: ثم ماذا؟ قال: ((الجهاد في سبيل الله))، قيل: ثم ماذا؟
قال: ((حج مبرور))؛ البخاري.
بل إنَّ الجهاد ذروة سنام الإسلام؛ فعن رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: ((رأس الأمر الإسلام، وعَموده الصلاة، وذروة سنامه
الجهاد))؛ أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح.
ولما في الجهاد في سبيل الله من المكابدة والمصابرة
كان عملُ المجاهد عملاً لا يُستَطاع مثله؛ جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم
- فقال: دلَّني على عملٍ يعدلُ الجهاد، قال: ((لا أجدُه)) قال: ((هل تستطيعُ إذا خرَج
المجاهد أنْ تدخُل مسجدك فتقوم ولا تفتر، وتصوم ولا تفطر؟)) قال: ومَن يستطيع ذلك؛
البخاري.
ويقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((مثَلُ
المجاهد في سبيل الله - والله أعلمُ بِمَن يجاهدُ في سبيله - كمثل الصائم القائم، وتوكَّل
الله للمجاهد في سبيله بأنْ يتوفَّاه أنْ يُدخِلَه الجنَّة، أو يرجعه سالمًا مع أجرٍ
أو غنيمةٍ))؛ البخاري.
والمجاهد في سبيل الله أفضلُ الناس بنصِّ كلام الحبيب؛
قيل: يا رسول الله، أيُّ الناس أفضلُ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((مؤمنٌ
يجاهدُ في سبيل الله بنفسِه وماله))، قالوا: ثم مَن؟ قال: ((مؤمنٌ في شعب من الشِّعاب
يتَّقي الله، ويدع الناس من شرِّه))؛ البخاري.
والوقت الذي يمضيه المجاهد في سبيل الله وقتٌ نَفِيسٌ
لا يُعلَى عليه؛ عن أنس بن مالك - رضِي الله عنه - عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم
- قال: ((لَغدوةٌ في سبيل الله أو روحةٌ خيرٌ من الدنيا وما فيها))؛ البخاري.
فمقام بضع ساعاتٍ في الجهاد يعدلُ الدنيا وما فيها،
وفي ذلك فليتنافَسِ المتنافسون، ومَن أراد الجنَّةَ فليعلَمْ أنَّ محمدًا - صلى الله
عليه وسلم - قال: ((واعلَمُوا أنَّ الجنة تحت ظلال السيوف))؛ البخاري.
وحين يمنُّ الناس بأرواحهم في سبيل الله فإنَّ المجاهد
له شأنٌ آخر؛ فهو يبحث عن الموت الذي يفرُّ منه الناس، وكفى بها منقبةٌ؛ في "صحيح
مسلم" عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: ((من خير مَعاش الناس لهم
رجلٌ ممسكٌ عنانَ فرسِه في سبيل الله يطيرُ على متنه، كلَّما سمع هَيْعَةً أو فَزَعَةً
طار عليه يبتغي القتلَ والموتَ مظانَّه)).
إنَّ الغبار الذي يصيبُ المجاهد في سبيل الله فيتسلَّل
إلى جوفه يكون مانعًا من دُخان جهنم التي وقودُها الناس والحجارة؛ أخرج النسائي أنَّ
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لا يجتمعُ غبارٌ في سبيل الله ودخانُ جهنم
في جوفِ عبدٍ أبدًا)).
إنَّ الشهادة في سبيل الله درجةٌ عالية لا يهبها
الله إلا لمن يستحقُّها؛ فهي اختيار من العليِّ الأعلى للصفوة من البشَر؛ ليعيشوا مع
الملأ الأعلى؛ ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ
﴾ [آل عمران: 140].
إنها اصطفاء وانتقاء للأفذاذ من البشر ليكونوا في
صُحبة الأنبياء؛ ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ
أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ
وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ﴾ [النساء: 69].
وإليكم هذه الفضائل التي يحوزُها الشهيدُ؛ فقد قال
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((للشهيد عند الله ستُّ خِصال: يغفر له في أوَّل
دفعة، ويرى مقعده من الجنَّة، ويُجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزَع الأكبر، ويُوضَع
على رأسه تاجُ الوقار، الياقوتة منها خيرٌ من الدنيا وما فيها، ويُزوَّج اثنتين وسبعين
زوجةً من الحور العين، ويشفَعُ في سبعين من أقاربه))؛ أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث
حسن صحيح غريب.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه
وسلم -: ((ما يجدُ الشهيد من مسِّ القتل إلا كما يجدُ أحدكم من مسِّ القرصة))؛ أخرجه
الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.
وإذا قُتِل الشهيدُ لم ينقطعْ عمله الصالح، بل يزيدُ
ويتضاعف؛ فعند الترمذي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((كلُّ ميتٍ يُختَم
على عمله إلا الذي مات مُرابِطًا في سبيل الله؛ فإنَّه يُنمَى له عملُه إلى يوم القيامة،
ويأمنُ من فتنة القبر)).

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق